"Responsible Statecraft": ترامب يسعى للتخلص من "متلازمة حرب العراق" الأميركية
يقول الخبراء إنَّ العملية العسكرية "السهلة" في فنزويلا، تذكر بعملية غزو جورج بوش الأب لبنما عام 1989، والتي أسهمت جزئياً في دفن أشباح حرب فيتنام.
-
"Responsible Statecraft": ترامب يسعى للتخلص من "متلازمة حرب العراق" الأميركية
مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول كيفية توظيف الولايات المتحدة للقوة العسكرية بوصفها أداة سياسية ونفسية لإعادة ترميم الثقة الداخلية بالجيش الأميركي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التدخلات الخارجية، عبر مقارنة تاريخية بين غزو بنما عام 1989 والغزو الأميركي لفنزويلا في عهد دونالد ترامب.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
غزت القوات الأميركية بنما عام 1989 من أجل أسر مانويل نورييغا، الذي كان حليفاً لها في السابق. وقد نجحت العملية باختطاف نورييغا و"استعادة الديمقراطية"، ما أتاح للرئيس بوش أن يستعرض عودة الجيش الأميركي إلى ذروة أدائه، وأن يروّج لفكرة أنّ القوة، بما في ذلك عمليات تغيير الأنظمة، يمكن استخدامها بفعالية من أجل "الخير". وقد مهّد ذلك لإطلاق عصر جديد من التدخل الخارجي الأميركي.
وبعد ما يقرب من أربعة عقود وعدد من الصراعات الكارثية، عاد الجمهور الأميركي ليصبح أكثر تشككاً إلى حدٍّ كبير، ولا سيما بعد عشرين عاماً من الحروب التي أعقبت هجمات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001. وقد استغل الرئيس دونالد ترامب هذا المزاج لأول مرة عام 2016، واصفاً حرب العراق بـ"الفاشلة"، ومتعهدًا بإخراج البلاد من دوّامة تغيير الأنظمة والحروب الدائمة. إلا أنه، بعد أقل من عام على تولّيه ولايته الثانية، يبدو مصمّماً على أداء دور في التخلّص من "متلازمة حرب العراق" الأميركية، عبر استخدام قوة عسكرية استثنائية لصدم الخصوم وإخضاعهم.
وكما كان الحال مع بنما، لم تكن العملية تتعلّق بتحقيق "أهداف سياسية معيّنة"، بقدر ما كانت تتعلّق باستخدام القوة العسكرية كوسيلة لاستعادة الشعور بالثقة بالجيش، وفقاً لما قاله أستاذ التاريخ غريغوري داديس، وهو أحد قدامى الجنود في حرب العراق ومؤلف كتاب "الإيمان والخوف: علاقة أميركا بالحرب منذ عام 1945". ويقول داديس: "أعتقد أن ما نراه مع غزو فنزويلا هو محاولة لاستخدام القوة العسكرية بوصفها أداة لإظهار القوات المسلحة كقوة أكثر فتكاً، بهدف جعل الأميركيين يشعرون بتحسّن تجاه أنفسهم، ويستعيدون الثقة بقدرتهم على بسط نفوذهم في الخارج".
وتتفق الباحثة كاثرين لوتز مع ما ذهب إليه داديس، وترى أن ترامب، من خلال هذه العملية، أراد أن يُظهر أن الجيش الذي "تعرّض للاستهزاء خلال الحربين على العراق وأفغانستان، أصبح اليوم كفؤاً تحت قيادته". وتضيف أن هذه هي ذهنيته القائمة على الاعتقاد بأن كل ما يلمسه يتحوّل إلى ذهب، وأنه إذا استخدم الجيش، كما فعل عملياً بطرق متعددة خلال السنة الأولى من إدارته، فسيفعل ذلك بقوة ساحقة.
غير أن غزو بنما واجه آنذاك انتقادات واسعة، ولن يكون غزو فنزويلا بمنأى عن مسار مشابه. وتوضح لوتز أن طريقة تلقّي الرأي العام الأميركي لأي غزو، وما قد يحمله ذلك من دلالات لمستقبل التدخلات الأميركية، تعتمد على مجموعة من العوامل المختلفة. وتقول: "نعيش في بيئة إخبارية شديدة التشرذم؛ فإذا كنت تشاهد قناة فوكس نيوز، ستستنتج أن أميركا قد عادت، وأننا أمة قوية تستمد قوتها من جيشها. أما إذا كنت تتابع قناة إم إس إن بي سي أو سي إن إن أو غيرها من القنوات، فستشعر بالاشمئزاز، وسترى في ذلك خرقاً لوعد ترامب بتقليص التدخل العسكري، وتأكيداً لقوله إن غزو العراق كان خطأً، وأننا لم نكن بحاجة إلى تحسينه، بل لم نكن بحاجة إلى التدخل من الأساس".
وقال داديس إن رد فعل الشعب الأميركي سيؤثر في ما إذا كان غزو فنزويلا سيُعيد "الشعور بالشرف" داخل القوات المسلحة، ويفتح الباب أمام حقبة جديدة من التدخلات الخارجية، أو ما إذا كانت العملية ستؤدي إلى مزيد من "تقويض ثقة" الشعب الأميركي، الذي يشعر أصلاً بخيبة أمل إزاء القوة العسكرية الأميركية. ومن أجل التخلّص من "متلازمة حرب العراق" — أي النفور من الصراعات الطويلة والمفتوحة التي تنطوي على أهداف تغيير الأنظمة، ونشر القوات الأميركية على الأرض، وإعادة بناء الدولة — يتعيّن على ترامب التأكد من أن "فنزويلا ليست كذلك إطلاقاً".
وقد بدأ ترامب بداية موفّقة من هذه الزاوية. فمن ناحية، كانت الأهداف المعلنة للهجوم على فنزويلا، وكذلك حجم العمليات العسكرية المصاحبة له، أصغر بكثير من مثيلاتها في صراعات أميركية سابقة. فقد أُرسل نحو 1.5 مليون جندي أميركي إلى العراق خلال الحرب، في حين شارك عدد محدود من قوات دلتا الخاصة وعناصر من قوات إنفاذ القانون الفيدرالية في هجوم استمر ساعات وأسفر عن اعتقال مادورو، من دون بقاء أي قوات أميركية على الأرض.
وإضافة إلى ذلك، تراجع شعار "الديمقراطية" لمصلحة المخدرات والنفط بوصفهما الدافعين الرئيسيين لغزو فنزويلا، من دون الإشارة إلى تغيير النظام بالكامل، وهو ما يتطلب وجود قوات على الأرض وحضوراً أميركياً مباشراً، وفقاً للمحلل البارز في أرشيف الأمن القومي ومدير مشروع توثيق كوبا، بيتر كورنبلوم. ويضيف كورنبلوم: "ترامب لا يدّعي وجود أي أهداف لتعزيز الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الاستقرار في فنزويلا. إنه ببساطة يقول إن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة الأقوى، وإن القوة هي الحق. نريد هذا النفط، وسنأخذه بكل بساطة".
ولعل أبرز ما يميّز هذا الصراع عن صراعات سابقة، مثل العراق أو غزو بنما، هو أن فنزويلا تشكّل جزءاً من خطة ترامب لإعادة تأكيد "الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي"، كما قال في مؤتمر صحافي عقده مؤخراً، حيث أكد أنه "في ظل استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن يُشكَّك في الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى". وقد بدا الغزو استعراضاً للقوة، يهدف بصورة سافرة إلى فتح الباب أمام حقبة جديدة من الإمبريالية الأميركية. وفي حين جرى الصراع في العراق في منطقة بعيدة، تقع فنزويلا في الجوار الجغرافي المباشر للولايات المتحدة.
وبالتالي، فإن مسؤولية "قوة عظمى" مثل الولايات المتحدة هي التدخل، كما قال نائب الرئيس جيه دي فانس في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد. وكتب فانس في موقع "إكس": "أتفهم القلق بشأن استخدام القوة العسكرية، لكن هل يُفترض بنا أن نسمح لشيوعي بسرقة ممتلكاتنا في نصف الكرة الذي نعيش فيه من دون أن نفعل شيئاً؟ القوى العظمى لا تتصرف هكذا. الولايات المتحدة، وبفضل قيادة الرئيس ترامب، عادت قوةً عظمى مرة أخرى، وعلى الجميع أن يتعلموا من ذلك".
لكن يبقى السؤال عمّا إذا كانت هذه العملية، رغم نجاحها، ستكون كافية لإقناع الرأي العام الأميركي، الذي ما يزال يعاني آثار الصراعات المكلفة، بالعودة إلى تأييد الحرب، إذ تشير استطلاعات الرأي الأولية إلى احتمال محدود لذلك. ووفقاً لبيانات استطلاع أجرته مجلة "الإيكونوميست"، ما يزال نحو ربع الأميركيين فقط يؤيدون، بقوة أو إلى حدٍّ ما، غزو فنزويلا باستخدام القوة العسكرية. ومع ذلك، فقد ارتفعت هذه النسبة بنحو سبع نقاط مئوية مقارنةً بالبيانات التي جُمعت قبل الغزو.
وعلى الرغم من أن عدد الأميركيين المعارضين للتدخلات الخارجية ما يزال يفوق عدد المؤيدين لها، فإن نسبة المؤيدين ارتفعت بمقدار 11 نقطة مئوية خلال الأسبوعين الماضيين، وكانت الزيادة ملحوظة بين "الجمهوريين". ومع أن هذه البيانات لا تزال أولية، وأن الرأي العام قد يتغير مع تطور الأحداث، فإن نجاح العملية قد يشجع الرأي العام الأميركي الحذر على إبداء قدر أكبر من التسامح تجاه التدخلات الخارجية، إذا ما قُدّمت مبررات مقنعة لاستخدام القوة، تماماً كما حدث في بنما عام 1989.
ويقول الباحث ستيفن زونيس إن "معركة بنما كانت مهمة لأنها أظهرت أن الولايات المتحدة ستواصل تدخلاتها حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، في وقت كان فيه كثيرون يعتقدون أن نهاية الحقبة السوفياتية تعني أن الولايات المتحدة ستتحول إلى مواطن عالمي صالح، وتتوقف عن انتهاك القانون الدولي. لكن بنما أظهرت أن الحرب الباردة كانت ذريعة أكثر منها سبباً، وأن الولايات المتحدة ستستمر قوةً إمبريالية تدخلية".
غير أن ما قد يثير مخاوف السكان الحذرين هو تصريحات ترامب المتهورة التي يقول فيها إن الولايات المتحدة قد "تحكم" فنزويلا لسنوات. ويضيف زونيس: "ما يجعل الوضع في فنزويلا أكثر خطورة على مستويات معينة هو أن الأمر ليس مجرد حدث عابر". ويبقى أن نرى ما إذا كان ترامب قد نجح في إعادة التدخل العسكري إلى سابق عهده، ومعالجة الشعب الأميركي من "متلازمة حرب العراق"، أم أن التورط الخارجي لسنوات طويلة سيكون عبئاً يفوق قدرة الرأي العام الأميركي، الذي لا يزال يتعامل بحذر مع فكرة العودة إلى تأييد التدخل.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.