"Responsible Statecraft": مهزلة.. مجلس "السلام" يتجاهل الواقع في غزّة
لا وقف لإطلاق النار، ولا مساعدات، ولا نزع لسلاح حماس، ولا انسحاب لـ "الجيش" الإسرائيلي، ولا قوة لتحقيق الاستقرار. مجرد كلام كثير عن لجان يديرها ترامب من دون أي التزام فعلي.
-
"Responsible Statecraft": مهزلة.. مجلس "السلام" يتناقص مع الواقع في غزّة
مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول فشل تنفيذ خطة السلام التي اقترحها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لقطاع غزة، مركّزاً على التناقض بين ما أعلنته إدارة ترامب حول نجاح المرحلة الأولى وبين الواقع الميداني على الأرض.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
قد توحي تصريحات إدارة ترامب بشأن قطاع غزة بأنّ تنفيذ خطة السلام التي وضعها الرئيس ترامب، والمؤلفة من 20 بنداً، والتي أُدرجت لاحقاً في قرار لمجلس الأمن الدولي، يسير بسلاسة تامة.
وبناءً على ذلك، أعلن المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، هذا الشهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن "إطلاق المرحلة الثانية" من الخطة، والتي "تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار". إلا أنّ التدقيق في بعض تصريحات ويتكوف في إعلانه يُظهر أنّ وصفه بـ"السلاسة" أو حتى "التنفيذ" مبالغة كبيرة.
قال ويتكوف إنّ المرحلة الأولى "حافظت على وقف إطلاق النار". كلا، لم تفعل. فقد واصلت "إسرائيل" هجماتها اليومية على قطاع غزة منذ أن كان من المفترض أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وكما هو معتاد في حالات وقف إطلاق النار غير المُلتزم به، يتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاكه. إلا أنّ عدد الضحايا يكشف من أي جانب تأتي الانتهاكات المميتة. بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار المزعوم عن مقتل 451 فلسطينياً على الأقل وإصابة 1251 آخرين. وكما كان الحال في الهجمات الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية، كان العديد من الضحايا من المدنيين. في المقابل، أعلن "الجيش" الإسرائيلي مقتل ثلاثة من جنوده في معارك خلال الأيام الأولى من وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وقال ويتكوف أيضاً إنّ "المرحلة الأولى قدّمت مساعدات إنسانية تاريخية" لغزة. إلا أنّه لم يذكر أنّ استمرار رفض "إسرائيل" لطلبات إيصال المساعدات إلى القطاع قد قلل من تدفّق المساعدات بشكل كبير عمّا تمّ الاتفاق عليه، وهو أقلّ بكثير من الاحتياجات الفعلية. وحتى منتصف كانون الثاني/يناير، دخلت 24611 شاحنة مساعدات إلى غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار، أي أقل من نصف العدد الإجمالي البالغ 57000 شاحنة الذي كان من المفترض أن تسمح "إسرائيل" بدخوله بموجب الحصة المتفق عليها.
وهكذا، يُعلن عن المرحلة الثانية من دون أيّ تقدّم يُذكر في تنفيذ المرحلة الأولى.
وقد أعلنت الإدارة الأميركية عن بعض أعضاء "مجلس السلام"، برئاسة ترامب، والذي من المفترض أن يعمل كمجلس إدارة دولي يُشرف على تنفيذ بقية الخطة، وإن لم يكن جميعهم. ومن الواضح أنّ استقطاب قائمة كاملة من الأعضاء كان صعباً. ولعل تردّد العديد من الحكومات في المشاركة أمرٌ مفهوم، نظراً للغموض الذي يكتنف التنفيذ حتى الآن، وطبيعة المشروع ككلّ، كونه مشروعاً وجّهه ترامب بالتنسيق مع "إسرائيل".
ولن يُسهّل اشتراط الإدارة مساهمة نقدية بقيمة مليار دولار من أي حكومة ترغب في تمديد عضويتها في المجلس عملية الاستقطاب.
وتُعدّ الإعلانات التي صدرت حتى الآن كافية لإثارة استياء جميع أطراف هذا النزاع. ويضمّ "مجلس السلام"، من بين آخرين، ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. إنّ الحكومات العربية والعديد من الدول الأخرى في العالم الإسلامي لا تثق في بلير بسبب دوره في حرب العراق وانحيازه لـ "إسرائيل" عندما كان مبعوثاً دولياً يتناول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
سارعت "إسرائيل" إلى الاعتراض على عضوية "مجلس تنفيذي لغزة"، الذي أعلن عنه البيت الأبيض أيضاً، والذي ستكون له علاقة غامضة مع الهيئات الأخرى المعنية بغزة. سيضمّ هذا المجلس - إلى جانب بلير وكوشنر وويتكوف وآخرين - وزير الخارجية التركي ومسؤولاً قطرياً رفيع المستوى. صرّح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنّ المجلس التنفيذي لغزة بتشكيلته الحالية "يتعارض مع السياسة الإسرائيلية". ويعكس هذا البيان بوضوح توتر العلاقات الإسرائيلية مع تركيا وقطر، ويعود ذلك في معظمه إلى علاقات هاتين الحكومتين مع حماس.
ستمنح الاعتراضات الإسرائيلية حكومة نتنياهو ذريعة إضافية لقلب العملية الدبلوماسية برمّتها متى شاءت. ولا تقتصر الاعتراضات على الحكومة فحسب، بل تشمل أيضاً المعارضة الإسرائيلية التي تُثير مسألة عضوية المجلس التنفيذي. ووصف زعيم المعارضة يائير لابيد إشراك تركيا بأنه "فشل دبلوماسي ذريع". دعا إيتمار بن غفير، اليميني المتطرف الذي يشغل منصب وزير الأمن القومي، "الجيش" الإسرائيلي إلى "العودة إلى الحرب بقوة هائلة في قطاع غزة".
في غضون ذلك، شهدت القاهرة بعض التقدّم التنظيمي الملحوظ، حيث عُقد الاجتماع الأول للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، وهي مجموعة تضمّ 15 خبيراً فلسطينياً من المفترض أن تعمل كإدارة مؤقتة تحت إشراف مجلس السلام. وقد التقت اللجنة بالدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي عُيّن "مديراً عامّاً" لمجلس السلام. ولم يُعلن عن أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة باستثناء رئيسها، المهندس المدني ونائب وزير النقل السابق في السلطة الفلسطينية، علي شعث.
وفي إعلانه عن المرحلة الثانية، لم يتطرّق ويتكوف إلى قوة الاستقرار الدولية المزمع تشكيلها، والتي من المفترض أن تضطلع بدور أمني رئيسي خلال الإدارة المؤقتة وإعادة إعمار قطاع غزة. وقد كان تجنيد المشاركين في قوة الاستقرار الدولية أكثر صعوبة من تجنيد أعضاء مجلس السلام، إذ لا ترغب الحكومات في إشراك قواتها في أي مواجهة قتالية، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية. إنهم لا يرغبون على وجه الخصوص في الانخراط في مهمة نزع سلاح حماس، وهو هدف لم تتمكّن "إسرائيل" من تحقيقه خلال ثلاث سنوات من الحرب غير المقيّدة.
في ظلّ تكرار ويتكوف وغيره لتأكيد ضرورة التزام حماس بتعهّداتها، من المهم التذكير بأنّ حماس لم تُوقّع قط على خطة ترامب ذات النقاط العشرين. ما وافقت عليه حماس، استناداً إلى الاتفاق الإطاري لعام 2024، هو وقف إطلاق نار شامل، وإطلاق سراح جميع الرهائن مقابل إطلاق سراح عدد متفق عليه من الأسرى الفلسطينيين، وإعادة رفات الشهداء، وذلك في إطار إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة وبدء إعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولي.
كما أوضحت حماس استعدادها لتسليم إدارة قطاع غزة إلى كوادر فلسطينية مستقلة. وفي هذا الصدد، رحّبت حماس علناً، واصفةً إنشاء المجلس الوطني لإدارة غزة وعقد اجتماعه الأول، بأنه "تطور إيجابي هام". كما تقبل حماس من حيث المبدأ وجود قوة حفظ سلام دولية محايدة في غزة.
أما فيما يخصّ نزع السلاح، فالشروط مهمة. فقد عرضت حماس دفن أسلحتها كجزء من الهدنة طويلة الأمد التي عرضتها على "إسرائيل" منذ فترة طويلة. لكنها لن تُسلّم أسلحتها بالكامل إلا لحكومة فلسطينية شرعية.
لن تقوم حماس بنزع السلاح من جانب واحد في ظل استمرار "إسرائيل" في احتلال الأراضي الفلسطينية وقتل المواطنين الفلسطينيين. من غير الواقعي وغير المعقول توقّع ذلك، ولا سيما في ضوء المجازر التي شهدتها غزة خلال السنوات الثلاث الماضية.
يواجه الفنيون في اللجنة الاستشارية الوطنية لمكافحة الإرهاب مهمة جسيمة، ويواجهونها بعوائق كبيرة. ولعلّ من أبرز هذه العوائق اضطرار شعث، الذي يقيم في الضفة الغربية، إلى المرور عبر الأردن للوصول إلى اجتماع القاهرة، حيث احتجزته السلطات الإسرائيلية لمدة ست ساعات عند معبر اللنبي. وقد علّق مسؤول فلسطيني بأنّ هذا الحادث يُظهر نيّة "إسرائيل" تخريب عمل اللجنة.
وأشار دبلوماسي عربي إلى أنّ لجنة مؤلفة من 15 عضواً لا تستطيع إدارة قطاع غزة من دون وجود عدد كبير من الموظفين المدنيين. لكنّ "إسرائيل" تمنع مشاركة ليس فقط من يتقاضى رواتب من حماس، بل أيضاً من يتقاضى رواتب من السلطة الفلسطينية.
في أوّل تصريحاته العلنية بعد تعيينه رئيساً للجنة الوطنية لإدارة الأزمات، تحدّث شعث عن المهمة الشاقة المتمثّلة في إزالة الأنقاض، والتي قد تستغرق ثلاث سنوات، بينما تستغرق إعادة الإعمار الشاملة نحو سبع سنوات. وقد يتفاقم الوضع أكثر، إذ تواصل "إسرائيل" خلق المزيد من الأنقاض من خلال الهدم الممنهج للمباني في النصف الذي لا تزال تحتله من قطاع غزة.
لن تتمكّن خطة ترامب، ولا أيّ خطة سلام أخرى، من تحقيق أيّ شيء يُقارب السلام والأمن والازدهار في غزة طالما بقيت "إسرائيل" القوة المسيطرة على الأرض، وعازمة على معارضة أيّ شيء يُشبه الحكم الذاتي الفلسطيني.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.