"Responsible Statecraft": خطورة أن يشعر الجيش الأميركي أنَّه لا يقهر

ما حدث في فنزويلا هو الاستثناء وليس القاعدة.

0:00
  • "Responsible Statecraft": خطورة أن يشعر الجيش الأميركي أنَّه لا يقهر

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يناقش خطر تحويل العمليات الخاصة الناجحة إلى نموذج دائم للسياسة الخارجية الأميركية، محذّراً من أنّ الإعجاب بالقدرة العسكرية قد يقود إلى تورّط أوسع غير محسوب العواقب.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

لقد قام الجيش الأميركي بعرض مثير للإعجاب يوم السبت الماضي خلال الغارة لأسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقدم دليلاً على احترافية الموظَّفين والمُشغّلين بأنَّهم تمكَّنوا من تصميم عملية مُعقَّدة، وتتطلب تنسيقاً بين قطاعات عسكرية مختلفة بحرية وبرية وجوية ولوجستية، حيث نُفذ الهجوم خلال 140 دقيقةً من دون أي عقبة كبيرة، ودون فقدان أي أميركي.

كذلك، أظهر المسؤولون المدنيون والعسكريون الشجاعة في القيام بمثل هذه الخطة الجريئة، واستحضروا روح فيلم "باتون"، مع الجملة التي نسبت خطأً إلى فريدريك الأكبر، وهو يقول "الجرأة دائماً"، لكن على القادة أنفسهم الآن اقتباس روح عمل أيقوني آخر هو ثاني أعظم فيلم بيسبول إطلاقاً، حين تقوم الشخصية ويلي ميس هايز بالتقاط كرة صعبة في وسط الملعب. حينها، قال له مدرب الفريق: "إمساك جميل، لكن لا تفعلها أبداً مجدداً".

إنَّ نجاح عملية "العزم المطلق" الأميركية يجعل الحلقة أكثر خطورةً ممّا لو فشلت المهمة، وذلك لأنَّ النجاح قد يؤدي إلى الثقة الزائدة التي تفضي إلى أخطاء مُكلفة. كذلك عقب عملية عسكرية مذهلة كهذه، والتي شملت الكثير من الطائرات المتطورة والقوات الخاصة، من السهل أن يبدأ الاعتقاد بأنَّ الحرب ليست سوى تطبيق صحيح للقدرة التكنولوجية، ويُغضّ النظر عن أنَّ ما حدث في فنزويلا هو الاستثناء، وليس القاعدة.

نادراً ما تسير الحروب، كما توقع أي من طرفيها، ويمكن سؤال الفرنسيين عن "خط ماجينو"، أو فلاديمير بوتين عن المسيرة إلى كييف. والأفضل من ذلك، اسأل مادورو كيف كان أداء دفاعاته الجوية وحرس القصر خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ومقابل كل غارة ناجحة هناك عملية "مخلب النسر"، وهي عملية إنقاذ الرهائن الفاشلة عام 1980 في إيران.

فالفرصة العالية للانتكاسات مهمة ليس لأنَّ الفشل قد يُقوّض الهدف التكتيكي، بينما ينبري ما هو أهم في التصعيد الواسع غير المقصود. ولا شك في أنَّ البنتاغون وضع خطط طوارئ تكتيكية لعملية "العزم المطلق"، بما في ذلك احتمال الاستجابة لتحطُّم مروحيات أو وقوع جنود أسرى. لكن ماذا عن خطط الطوارئ على المستوى الاستراتيجي للحرب، لو فشل الكوماندوس الأميركي في العثور على الرئيس مادورو؟ ماذا كان القادة في واشنطن سيفعلون بعد ذلك؟

كان الرئيس ترامب ومستشاروه يريدون إزالة زعيم فنزويلا، وسحبه إلى مدينة نيويورك للمحاكمة بتهمة الاتجار المزعوم بالمخدرات، ومنح الشركات الأميركية وصولاً أكبر إلى أكبر احتياطيات النفط في العالم. ولتحقيق تلك الأهداف، لم يكونوا مستعدين للالتزام بغزو على غرار نورماندي يتضمن قوات إنزال برية، لذلك قدم الجيش بديلاً يعتمد بشكل أساسي على فرق الطيران والقوات الخاصة، وكل ذلك نُفذ في أقل من 3 ساعات.

لكن لو فشلت تلك العملية في كراكاس لكان الرئيس ترامب واجه معضلةً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي في مهمة من هذا النوع. فأي عمل عسكري لا يؤثر في الجاهزية فقط، بل أيضاً في رأس المال السياسي. ولو فشلت الغارة على فنزويلا، هل كان الرئيس ترامب سيغادر ببساطة، بينما كان الزعيم الفنزويلي يُزيد من غضب الإمبريالية الأميركية ويرقص على التلفزيون الرسمي، أم كان سيصعد الموقف بإصدار أمر بغزو أميركي يُعرض حياة جنود المشاة للخطر، مع عواقب غير مؤكدة في بلد مساحته ضعف حجم ولاية كاليفورنيا، من ضمنها أراض تحرسها ميليشيات مسلحة وعصابات كولومبية متمرسة؟

كما تجب مناقشة هذا السؤال قبل أن تفكر أي إدارة في أي عمل عسكري. يجب أن يكون الحد الأدنى للتقدم هو معيار استخدام القوات البرية، أي أنَّ الرئيس الذي يوافق على ضربة جراحية يجب أن يكون مستعداً لتحمل الفشل، أو إرسال قوات برية لتحقيق الهدف الاستراتيجي. ومن المقلق أنَّ التخطيط والظروف الجيدة، والحظ الجيد الذي سمح بأسر سلس للرئيس مادورو يبدو أنَّه أغرى ترامب باختبار حظه مرة أخرى. وهو قد سبق له أن هدد بالاستيلاء على قناة بنما، وفي الأيام التي تلت الغارة في كاراكاس، هدد باتخاذ إجراءات عسكرية ضد 3 دول أخرى في أميركا اللاتينية، هي كولومبيا وكوبا والمكسيك.

وفي بلدين على الأقل يبدو أنَّ ترامب يفكر في تغيير النظام. وقد حذر الرئيس الكولومبي، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بسبب اتهامات بتهريب المخدرات، ووصف ترامب حكومة كوبا بأنَّها "جاهزة للسقوط"، لكن في المكسيك أهداف ترامب المعلنة أكثر تواضعاً قليلاً. 

إنَّ أي عملية عسكرية في أي من تلك الدول قد تنهار بسهولة، ما يؤدي إلى تورط أميركي أكثر تكلفة مما توقعه أي شخص. على عكس الجيش الفنزويلي على سبيل المثال، القوات المسلحة الكولومبية مختبرة في المعارك، ومدربة في الولايات المتحدة، وتستخدم أسلحة أميركية الصنع. وفي زمن سابق، سواء للأفضل أو للأسوأ، كانت الولايات المتحدة مستعدة لتحمل أعباء عسكرية أكبر بكثير في الأميركتين. ومنذ عام 1912، احتلت الولايات المتحدة نيكاراغوا بين الحين والآخر لأكثر من 20 عاماً. واليوم، وعلى الرغم من عودة "مبدأ مونرو"، فإنَّ الجمهور الأميركي لا يملك القدرة على تحمل هذا النوع من الالتزام، ولا ترامب كذلك، لكن يتوجب على الرئيس أن يأخذ ذلك في الاعتبار أثناء تقييمه لأهداف محتملة أخرى، قيل له إنَّها ضربات جراحية قصيرة المدى.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.