الصين بين إيران ورسوم ترامب الجمركية: براغماتية المصالح ومواجهة واشنطن

تحتلّ إيران أهمية كبيرة لدى الصين، أكثر مما تحتلّه فنزويلا، وسقوط النظام في إيران أو خلق الفوضى في الشرق الأوسط، قد يؤثّر على المصالح الصينية في المنطقة ولا سيما النفط الذي يعتبر شريان الحياة لاقتصادها.

  • ترامب يدرك مدى أهمية النفط الإيراني بالنسبة لبكين.
    ترامب يدرك مدى أهمية النفط الإيراني بالنسبة لبكين.

بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والسيطرة على النفط الفنزويلي، تتجه أنظار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى احتلال مناطق أخرى من العالم طمعاً بمواردها الطبيعية، وقطعاً للطريق أمام تمدّد النفوذ الصيني.

كما يستغلّ ترامب الاحتجاجات السلمية ضدّ الأوضاع الاقتصادية في إيران، من أجل دعم مثيري الشغب، وخلق الفوضى، بهدف جلب طهران إلى طاولة المفاوضات حول برنامجها النووي بالشروط الأميركية، ووقف الدعم الذي تقدّمه للمقاومة المسلّحة في المنطقة العربية، والعمل على إسقاط النظام إن استطاعت ذلك.

وبين التهديد الأميركي بالتدخّل العسكري والوعيد الإيراني بردّ موجع على أيّ هجوم أميركي وإسرائيلي محتمل، لجأ ترامب إلى العقوبات الاقتصادية عبر فرضه رسوماً جمركية بنسبة 25% على أيّ دولة تتعامل تجارياً مع إيران.

ربما أراد الرئيس الأميركي من وراء فرض الرسوم الجمركية تحقيق عدة أهداف منها ما يتعلّق بإيران والضغط عليها للقبول بالمطالب الأميركية، وإضعاف نفوذها في الشرق الأوسط، ومنها ما له علاقة بتقليص النفوذ الصيني في إيران، أو الضغط على بكين للاستجابة للمطالب الأميركية عبر إثارة التوترات في إيران والشرق الأوسط ككلّ.

صحيح أنّ ترامب يصرّح دائماً بأنه يريد علاقة جيدة مع الصين، وتمّ عقد عدة لقاءات بين مسؤولين صينيين وأميركيين، ولقاء قمة بين الرئيس ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ العام الماضي، إلّا أنّ ترامب يعمل على إضعاف الهيمنة الصينية في مناطق مختلفة من العالم، ولن يقتصر الأمر على النصف الغربي من الكرة الأرضية، بل سيشمل مناطق أوسع إذ إنّ مبدأ مونرو عند ترامب لا يقف عند حدود النصف الغربي للكرة الأرضية.

ففي أميركا اللاتينية سعت الإدارة الأميركية إلى تقليص الحضور الصيني، حيث ضغطت على بنما من أجل الخروج من مبادرة الحزام والطريق الصينية، وأعلنت الشركة المشغّلة لقناة بنما، ومقرّها هونغ كونغ، بيع معظم حصتها للتحالف من الشركات الأميركية.

 وفي فنزويلا اعتقلت أميركا الرئيس مادورو، وتضغط على الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز لتقليل تعاونها مع الصين، وسيطرت على النفط الذي تستورد الصين 80% منه بأسعار مخفّضة. كما هدّد ترامب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند حتى لا تسيطر عليها روسيا أو الصين.

ويحاول الرئيس الأميركي الآن تقليص النفوذ الصيني في إيران، نظراً للعلاقة الوثيقة التي تربط طهران ببكين. فالصين هي أكبر شريك تجاري لإيران إذ يرتبط البلدان بشراكة استراتيجية شاملة لمدة 25 عاماً، وقّعت عام 2021. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2024 نحو 13.4 مليار دولار أميركي، وبلغ خلال الأشهر الـ 11 الأولى من العام 2025 نحو 9.09 مليارات دولار بتراجع 28% عن الفترة نفسها من العام 2024، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.

ويعتبر النفط أساس العلاقة بين الصين وإيران إذ استوردت الصين في العام 2025 نحو 1.38 مليون برميل من النفط الإيراني يومياً ما يمثّل 13.4% من مشتريات بكين من النفط المنقول بحراً، وأكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، وقد تصل النسبة إلى 90% إذ لا توجد بيانات دقيقة حول ذلك. 

كما أنّ الصين هي المستثمر الرئيسي في مشاريع البنى التحتية في إيران. وللأخيرة موقع مهمّ في مبادرة الحزام والطريق الصينية، ووقوعها على مضيق هرمز، الذي يعتبر ممراً بحرياً حيوياً للصين، حيث تمرّ عبره أكثر من 45% من وارداتها النفطية، يجعل إيران ذات أهمية استراتيجية للصين، ويُعدّ أمن المنطقة بالغ الأهمية بالنسبة لبكين.

بعد تهديد ترامب بالتدخّل في إيران، انتقدت الصين التهديدات وأعلنت دعمها لطهران. وترى الصين أنه من حقّ أيّ شعب التظاهر سلمياً ضدّ الأوضاع الاقتصادية، إلّا أنّها ترفض التدخّل الأجنبي وإثارة الفوضى وأعمال الشغب، وتدرك بكين جيداً أنّ الولايات المتحدة الأميركية تعمل على تغذية أعمال الشغب في البلاد، كما تعارض الصين استخدام القوة أو التهديد باستخدامها. 

وبعد فرض ترامب رسوماً جمركية على من يتعامل تجارياً مع إيران، انتقدت الصين هذا القرار وتوعّدت باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية مصالحها.

بطبيعة الحال للصين مصالح كبيرة في إيران، وإذا طبّق ترامب التعرفة الجمركية التي توعّد بها، فذلك سيؤدّي إلى إلحاق أضرار بالاقتصاد الصيني، وهذا من شأنه أن يوجّه تحذيراً شديد اللهجة لصنّاع القرار في بكين، من أجل إيجاد سبل لحماية المصالح الاستراتيجية لبلادهم في الخارج.

وإذا طالت الرسوم الجمركية الجديدة الصين، مع أنّ ترامب لم يسمِّ الصين باسمها لفرض رسوم عليها بسبب تعاملها مع إيران، فمن المرجّح أن يؤثّر ذلك على الهدنة التجارية لمدة عام التي تمّ التوصّل إليها أثناء اللقاء الذي جمع الرئيسين الصيني والأميركي في كوريا الجنوبية العام الماضي، حيث توصّل الطرفان إلى اتفاق لخفض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية لتصل إلى 47%.

قد تحاول الصين الالتفاف على الرسوم الجمركية، أو قد تضغط على الولايات المتحدة الأميركية من أجل الحصول على استثناء لعدم شمولها بالتعريفات الجديدة التي إن طبّقت ستلحق ضرراً بالولايات المتحدة نفسها. ففي آب/أغسطس الماضي، قال بيتر نافارو، مستشار البيت الأبيض، حول معاقبة الصين على شرائها النفط الروسي، قال لدينا تعريفات جمركية تزيد عن 50% على الصين لا نريد أن نصل إلى نقطة نضرّ فيها أنفسنا.

تدرك واشنطن أنّ فرض رسوم جمركية على بكين قد يعقّد العلاقات مع الصين، التي أظهرت العام الماضي في ظلّ حربها التجارية مع واشنطن، قوة وصلابة ضدّ الضغوطات الأميركية فقامت بإيلام الولايات المتحدة وإلحاق الخسائر بها عبر تقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة، والتوقّف عن استيراد فول الصويا الأميركي، ما شكّل عوامل ضغط داخلية على الرئيس دونالد ترامب.

العام الماضي استبعدت الولايات المتحدة الصين من الرسوم الجمركية بسبب شراء النفط الروسي، وإن كانت قد فرضت رسوماً جمركية بنسبة 25% على الهند بسبب شرائها النفط من روسيا، رغم أنّ الصين تستورد كميات أكبر من الهند، إلّا أنها لم تُعامل بالمثل، ويعود ذلك على الأرجح إلى المفاوضات التجارية التي كانت تجري بين الطرفين، والتحضير لعقد لقاء بين الرئيسين الأميركي والصيني، فضلاً عن القلق من أن تحظر الصين تصدير أنواع أخرى من المعادن الأرضية النادرة.

ومن ناحية أخرى، أعفت الولايات المتحدة العام الماضي الهند من العقوبات بسبب استثمارها في ميناء تشابهار الإيراني لمدة ستة أشهر.

هذه الحالات تدلّ على أنّ الولايات المتحدة تسمح بالتفاوض حول حصول الدول على استثناءات من التعريفات الجمركية الأميركية، ولكن مقابل صفقات تجريها، أو الخشية من ردّات فعل قد تؤثّر على الداخل الأميركي.

إنّ استثناء الصين من رسوم ترامب سيقوّض الهدف المعلن منها وهو الضغط على إيران وعزلها. وفي حال تطبيقها على الصين، فإنّ ذلك ينذر بمواجهة حادّة مع بكين في وقت تتسم فيه المفاوضات التجارية الأميركية بالهشّة، كما تضع زيارة الرئيس الأميركي في نيسان/أبريل المقبل على المحكّ.

هناك طرق عديدة يمكن أن تلجأ إليها الصين في حال تطبيق الرسوم الجمركية عليها، أو الإضرار بمصالحها في إيران. فمن المحتمل أن تلجأ إلى التوقّف عن استيراد فول الصويا الذي كان ورقة ضغط قوية بيد بكين في مواجهة أميركا العام الماضي، إذ توقّفت عن شرائه ما ألحق أضراراً بهذا القطاع في الولايات المتحدة. وبعد لقاء الرئيسين الأميركي والصيني تعهّدت الصين بشراء ما لا يقلّ عن 12 مليون طن من فول الصويا بحلول نهاية شباط/فبراير المقبل. وتُعدّ الصين أكبر مستورد لفول الصويا في العالم واستحوذت على 43% من صادرات المحصول الأميركي عام 2024.

كما يمكن للصين أن تفتح تحقيقات ضدّ شركات تكنولوجيا أميركية لمكافحة الاحتكار، أو التوقّف عن شراء شرائح H200 من شركة إنفيديا الأميركية، إذ من المقرّر أن تسمح السلطات الصينية لشركاتها بشراء رقائقH200   للاستخدامات التجارية فقط مع حظر استخدام الرقاقة في التطبيقات العسكرية، أو قد توقف صفقة بيع تيك توك للولايات المتحدة، أو حتى تفرض رسوماً جمركية مضادّة على الصادرات الأميركية.

أيضاً من الممكن أن تستخدم الصين أهمّ أوراقها للضغط على الولايات المتحدة ألا وهي تقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة، وكانت قد استخدمت بكين هذه الورقة التفاوضية خلال الحرب التجارية بين البلدين العام الماضي.

تحتلّ إيران أهمية كبيرة لدى الصين، أكثر مما تحتلّه فنزويلا، وسقوط النظام في إيران أو خلق الفوضى في الشرق الأوسط، قد يؤثّر على المصالح الصينية في المنطقة ولا سيما النفط الذي يعتبر شريان الحياة لاقتصادها، لذلك لن تقف الصين مكتوفة الأيدي، وستقوم بدعم طهران بطرق مباشرة أو غير مباشرة.

يدرك ترامب مدى أهمية النفط الإيراني بالنسبة لبكين، وهو ما دفعه إلى التصريح بعد توقّف العدوان الإسرائيلي على إيران العام الماضي أنه يمكن للصين أن تشتري مجدّداً النفط من إيران، وربما إيران هي ورقة ضغط يمارسها ترامب على الصين لإجبارها على الرضوخ للمطالب الأميركية. وفي حال لم تتحرّك الصين لحماية مصالحها فسيسعى ترامب إلى تقليص نفوذها وإلحاق الخسائر بها في مناطق أخرى من العالم.