"Responsible statecraft": ترامب يستنزف احتياطيات النفط الأميركية

يستنزف الرئيس دونالد ترامب ما تبقى من الاحتياطيات النفطية لمواجهة صدمات الأسعار والإمدادات الناجمة عن حربه على إيران.

  • Responsible statecraft: ترامب يستنزف احتياطيات النفط الأميركية
    Responsible statecraft: ترامب يستنزف احتياطيات النفط الأميركية

موقع "Responsible statecraft" ينشر مقالاً يحذر فيه من استنزاف ترامب للاحتياطيات النفطية، ويؤكد أن أحدث الأرقام تظهر انخفاضاً حاداً في صادرات النفط الخام الأميركية، التي تراجعت بمقدار 746 ألف برميل يومياً هذا الأسبوع.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

عام 1975، وعلى خلفية تداعيات الحظر النفطي العربي عام 1973، وقع الرئيس جيرالد فورد قانون سياسة الطاقة من خلال الحفاظ على الموارد، وتخزين احتياطي نفطي استراتيجي للبلاد، وصندوق للطوارئ لمصلحة الشعب الأميركي في حال حدوث أزمة إمدادات أخرى، بحسب وصف فورد للقانون.

لكن، خلال سنوات إدارتين متتاليتين، انخفض رصيد صندوق الطوارئ الأميركي إلى أدنى مستوياته منذ عام 1983. وكان الرئيس بايدن قد استخدم هذا الاحتياطي، وسحب 50 مليون برميل استجابة لجائحة كوفيد 19.

وفي العام التالي، سحب 180 مليون برميل إضافية استجابة للعملية الروسية في أوكرانيا، وهو أكبر سحب في التاريخ من الصندوق الاحتياطي الاستراتيجي، مبرراً ذلك بأنه قرار ضروري لتهدئة أسعار المحروقات وتخفيف آثار الحرب.

الآن، يستنزف الرئيس دونالد ترامب ما تبقى من الاحتياطيات النفطية لمواجهة صدمات الأسعار والإمدادات الناجمة عن حربه مع إيران. وقد أدى آخر سحب للنفط (172 مليون برميل) إلى انخفاض الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية إلى 311.4 مليون برميل منذ منتصف الشهر الجاري، ما جعل الشعب الأميركي أقل أماناً في السعر الذي سيدفعه في محطات الوقود، في حين يهدد فيه الصراع بامتداده إلى نقاط اختناق استراتيجية أخرى في "الشرق الأوسط".

يستنزف ترامب ما تبقى من الاحتياطيات النفطية لمواجهة صدمات الأسعار والإمدادات الناجمة عن حربه مع إيران

الاحتياطي البترولي الاستراتيجي 300 مليون برميل فقط

يخزن الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي من النفط الخام داخل 60 كهفاً ملحياً على طول ساحل خليج المكسيك، معظمها في تكساس ولويزيانا، وهي تتميز بجدران ملحية محكمة الإغلاق تمنع التسرب بفضل خصائصها الكيميائية الفريدة، وتسمح للنفط بالتحرك ببطء داخل الكهف بدلاً من الركود، إذ إن هذا البرنامج الدقيق يمكنه الحفاظ على ما يصل إلى 727 مليون برميل نفط لعقود مشروطة بالالتزام بهذا النظام بدقة.

ويعتبر العديد من الخبراء أن الوصول إلى عتبة 300 مليون برميل هو "الحد الأدنى لمستوى التشغيل" للاحتياطي البترولي الاستراتيجي، نظراً إلى الدقة الهندسية المطلوبة لاستخراج النفط. وعندما ينخفض ​​مستوى النفط دون هذا الحد، يحذر خبراء مكتب محاسبة الحكومة الأميركية من أن الاحتياطي يواجه "مخاطر جسيمة على قدرته على العمل ومواجهة أزمات الطاقة المستقبلية".

المشكلة كامنة في الجانب العملي لاستخراج النفط الخام، حين يضخ المشغلون كميات هائلة من المياه العذبة إلى الكهوف لدفع النفط الأخف إلى الأعلى هيدروليكياً، ولكن مع كل دورة سحب، تذيب المياه العذبة الطبقة الملحية المبطنة للكهف، ما يؤدي إلى تشوه جدرانه، وتوسع التجويف بمرور الوقت، وتغيير نسبة حجمه ومستويات الضغط داخله بشكل كامل.

كما أن هذا السحب المتكرر بكميات قليلة يسرع من تآكل الملح، ويهدد بانهيار كارثي لبنية الكهف، حتى إن ترامب نفسه أقر علناً بمخاطر استمرار تقليص الاحتياطيات، واعترف صراحة بهشاشة الاحتياطيات المستنفدة، محذراً من أن "الاحتياطيات ستنفد في غضون 4 أسابيع تقريباً".

ترامب نفسه أقر علناً بمخاطر استمرار تقليص الاحتياطيات، واعترف صراحة بهشاشة الاحتياطيات المستنفدة، محذراً من أن "الاحتياطيات ستنفد في غضون 4 أسابيع تقريباً"

دبلوماسية ضعيفة وتصعيد بلا بوصلة

هناك أصوات من الحزبين تدق ناقوس الخطر بشأن هذا السحب العدواني للاحتياطي، ولكن بلا جدوى. وكان النائب "الجمهوري" عن ولاية كنتاكي توماس ماسي وصولاً إلى كبار "الديمقراطيين" في مجلسي النواب والشيوخ، قد حذروا صراحة من أن هذا الاستخدام "للتغطية على تكاليف الحرب ينذر بانهيار فعلي للمخزون النفطي الاستراتيجي".

كذلك، طالب السيناتور عن ولاية مكسيكو مارتن هاينريش من "الحزب الديمقراطي الحفاظ على احتياطي استراتيجي، يتمتع بقدرة كافية على استيعاب صدمات كهذه، عوضاً عن ترك المستهلكين يتحملون آثاراً بالغة نتيجة لارتفاع سعر المحروقات".

مع ذلك، بدلاً من العمل على الاستقرار تنتهج الإدارة الأميركية سياسة متقلبة وخطيرة مع إيران، ما أدى إلى انهيار إمدادات النفط العالمية، فقد ألغت الإدارة الترخيص العام الخاص الصادر عن وزارة الخزانة في 22 حزيران/يونيو، والذي يتيح لإيران ببيع النفط الخام.

وردت طهران فوراً بتصعيد عسكري قوي بالمقابل، وشنت غارات بطائرات مسيرة وصواريخ على 3 ناقلات نفط تجارية رئيسية تعبر مضيق هرمز، من ضمنها ناقلة غاز قطرية اشتعلت قبالة سواحل عُمان، وأصيبت سفينة نفط سعودية أخرى.

وقد ردت الولايات المتحدة بدورها بعنف، وقصفت نحو 90 موقعاً على الساحل الجنوبي لإيران خلال حملة انتقامية استمرت يومين، لكنها زادت تقلب ارتفاع أقساط التأمين البحري إلى مستويات فلكية، وألحقت ضرراً بالغاً بأسطول الشحن، ونقضت نقاطاً كبيرة في مذكرة التفاهم التي وقعتها الإدارة مع إيران، بينما يدفع ترامب أسواق النفط العالمية إلى هاوية سحيقة.

قال مؤسس شركة "كوموديتي كونتكست" روري جونستون إن أسواق النفط الخام "تستوعب مخاطر أعلى بكثير" مع انهيار حركة الشحن البحري نتيجة لدورة تصعيد جديدة، بينما لا يزال حل أزمة هرمز بعيدة المنال. وتظهر البيانات البحرية أن حركة ناقلات النفط التجارية التي تمر عبر مضيق هرمز قد انخفضت إلى خُمس مستوياتها ما قبل الحرب فقط، ما ترك قسماً صغيراً فقط من الكمية المعتادة البالغة 20 مليون برميل يومياً تعبر المضيق.

حتى هذه اللحظة، لطالما مثلت الولايات المتحدة سنداً عالمياً في مواجهة هذا الضغط على الإمدادات، من خلال تصديرها ملايين البراميل من النفط يومياً. أما الآن فقد أصبح هذا الدعم موضع شك، إذ تظهر أحدث الأرقام الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاضاً حاداً في صادرات النفط الخام الأميركية، التي تراجعت بمقدار 746 ألف برميل يومياً هذا الأسبوع، من أصل أكثر من 4 ملايين برميل فقط يومياً، بينما لم تفصح الحكومة عن سبب هذا الانخفاض الحاد في الصادرات، لكن السبب الأرجح هو الحاجة إلى تجنب نقص الوقود محلياً مع اقتراب الاحتياطي البترولي الاستراتيجي من أدنى مستوياته.

تظهر أحدث الأرقام انخفاضاً حاداً في صادرات النفط الخام الأميركية، التي تراجعت بمقدار 746 ألف برميل يومياً هذا الأسبوع، من أصل أكثر من 4 ملايين برميل فقط يومياً

سيناريو الخنق

العالم بالفعل الآن تحت واقع اقتصادي مضطرب للغاية، حيث يؤدي عدم اليقين في الأسواق إلى تقلب أسعار النفط للبرميل من نحو 70 إلى نحو 90 دولاراً في غضون أيام. وبعد انخفاض الأسعار في أواخر الشهر الماضي وبداية الشهر الجاري وسط آمال بوقف دائم لإطلاق النار، عادت الأسعار للارتفاع إلى ما يقارب 100 دولار للبرميل.

والأسوأ من ذلك، أن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن استهلاك الصين لمخزونها الضخم الذي يبلغ مليار برميل، إضافة إلى استنزاف واشنطن شبه الكامل لمخزونها الاحتياطي الاستراتيجي، يبقي الأسعار منخفضة بشكل مصطنع. وبمجرد أن تستأنف بكين وارداتها في وقت لاحق من هذا العام، سيتدفق هذا الطلب الخفي إلى السوق، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد.

وإذا استمر ترامب في هذا التصعيد المتبادل، فستنهار الأوضاع الإقليمية؛ فقد رأينا بالفعل لمحة خطيرة بعد الضربات الأميركية على مصافي تكرير النفط الإيرانية، والرد الإيراني على منشآت نفطية رئيسية في دول الخليج، من ضمنها أنابيب النفط السعودي والإماراتي "أدكوب" التي تستخدم للالتفاف حول مضيق هرمز.

إذا استمر ترامب بالتصعيد، فستنهار الأوضاع الإقليمية؛ وقد رأينا بالفعل لمحة خطيرة بعد الضربات الأميركية على مصافي تكرير النفط الإيرانية، والرد الإيراني على منشآت نفطية رئيسية 

كذلك، اتخذ "أنصار الله" خطوة في تصعيد الموقف، بشنهم حملة جوية مكثفة على الموانئ والناقلات السعودية، وقطعوا بذلك الطريق الجنوبي للبحر الأحمر عند مضيق باب المندب الاستراتيجي. قال بوب ماكنالي من شركة "رابيدان للطاقة" إن هذا التصعيد للنزاع عند نقاط الاختناق في المنطقة "سيعيد أسعار النفط الخام سريعاً إلى ما يزيد على 100 دولار، ما يعوض الانهيار الذي شهده سوق النفط في الشهر الماضي". 

يبدو أن البيت الأبيض يتجاهل الورقة الأخيرة التي قد تستخدمها إيران أو حلفاؤها في "الشرق الأوسط"؛ فإذا وجدت طهران نفسها أمام ضيق الخيارات، فقد تلجأ إلى استهداف آخر شريان مائي في "الشرق الأوسط"، وهي قناة السويس، التي يكفيها حتى أدنى اضطراب ليؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة، كما أظهرت حادثة سفينة "إيفر غيفن" عام 2021، إذ إن وقوع أي حادث لو بسيط، يؤدي إلى شل الطريق البحري الثالث والأخير للخروج من "الشرق الأوسط".

هنا يصبح موضوع الاحتياطي البترولي الاستراتيجي أكبر من مجرد النفط. الخبير الاقتصادي مارنيكس أماند يقول إن نهج ترامب الأوسع نطاقاً تجاه الاحتياطي البترولي الاستراتيجي بأنه "رجل يستغل عقوداً من الهيمنة الأميركية، ويستنزف الاحتياطيات طويلة الأجل من القوة والشرعية والأمن الأميركي لتحقيق أهداف سياسية قصيرة الأجل". فالاحتياطي البترولي الاستراتيجي هو أصل استراتيجي تم بناؤه على مدى عقود، اُستنزف الآن من قبل رئيس يسعى جاهداً لتخفيف وطأة حرب يبدو أنه غير راغب في إنهائها.

نقله إلى العربية: حسين قطايا

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.