"Responsible Statecraft": ترامب سيشعر بالاستياء عندما ترفض كوبا السقوط
ترامب سيشعر بالاستياء عندما ترفض كوبا السقوط، ولا يجدر به أن يتفاجأ، فرؤساء الولايات المتحدة توقّعوا انهيار النظام في كوبا منذ عام 1959، والظروف لا تختلف اليوم.
-
"Responsible Statecraft": ترامب سيشعر بالاستياء عندما ترفض كوبا السقوط
مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تداعيات العملية العسكرية الأميركية التي استهدفت القيادة الفنزويلية على كوبا، من زاوية التحالف التاريخي بين هافانا وكاراكاس، ويخلص إلى أنّ الضغط النفطي قد يفاقم معاناة الاقتصاد والمجتمع الكوبيّين، لكنه لا يضمن إسقاط النظام، في ظلّ ضعف المعارضة المنظّمة، وقدرة الدولة على الاحتواء، وتاريخ طويل من فشل الرهانات الأميركية على الانهيار الوشيك.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
من بين 100 شخص أو أكثر قتلوا في العملية العسكرية الأميركية التي تمّ خلالها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، كان هناك 32 ضابط أمن كوبيين، معظمهم ينتمي إلى فريق الحماية الشخصية لمادورو وقد لقوا حتفهم "في قتال مباشر ضدّ المهاجمين"، وفقاً لما ذكرته هافانا. فكيف أصبح الكوبيّون الحرس الشخصي لرئيس فنزويلا؟ وماذا يعني قطع رأس الحكومة الفنزويلية بالنسبة لكوبا؟
بعد انتخاب هوغو تشافيز رئيساً عام 1998 وإطلاقه "اشتراكيّة القرن الـ21"، أصبحت فنزويلا الحليف الأقرب لكوبا في الأميركيّتين. ووطّد تشافيز علاقة شخصية وثيقة مع الراحل فيدل كاسترو، وبنيا تحالفاً اقتصادياً وأمنياً متيناً. فأرسلت كوبا آلاف الكوادر الطبية إلى فنزويلا لخدمة الفقراء الفنزويليين، الذين شكّلوا القاعدة السياسية لتشافيز؛ في المقابل، حصلت كوبا على النفط الفنزويلي بأسعار زهيدة. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضدّ تشافيز عام 2002، وفّرت كوبا له الحماية الشخصية وقدّمت له الدعم الاستخباراتي لمنع أيّ انقلاب آخر.
يعتقد الرئيس دونالد ترامب، من خلال عزل مادورو وتهديده بأنّ الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز "ستدفع ثمناً باهظاً، ربما أكبر من مادورو نفسه"، في حال رفضت الانصياع لأوامره، أنه وفريقه المعنيّ بالسياسة الخارجية سيتمكّنون من إدارة فنزويلا. وبقيادة وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو لهذا المشروع، يُعدّ قطع كاراكاس لعلاقاتها الخاصة مع هافانا أحد أبرز مطالب واشنطن.
وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس للإعلان عن العملية التي نفّذتها قوة "دلتا" في فنزويلا، قال روبيو: "يتعيّن على الفنزويليين... إعلان استقلالهم عن كوبا التي حاولت استعمارهم عملياً من وجهة نظر أمنية". وأوضح روبيو لاحقاً أنّ الولايات المتحدة ستتحكّم في توزيع النفط الفنزويلي من خلال فرض "حجر نفطي"، ما يمنح واشنطن نفوذاً هائلاً على القيادة الفنزويلية الجديدة. ولن يصل أيّ من هذا النفط إلى هافانا. وأشار روبيو إلى أنّ النظام الكوبي كان يعتمد في بقائه على سخاء المانحين أمثال فنزويلا، "لكنّ هذا الزمن ولّى". وأكد ترامب ذلك من خلال منشور على موقع "تروث سوشيال" كتب فيه: "عاشت كوبا لسنوات طويلة على كميات هائلة من النفط والأموال من فنزويلا. ولن يصل النفط أو المال إلى كوبا بعد الآن".
وستكون الضربة التي ستلحق بالاقتصاد الكوبي كارثيّة. فقد أدّى هذا الاحتمال إلى توقّعات بأنّ الحكومة الكوبية، التي تعاني بالفعل من أسوأ ركود اقتصادي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، لن تصمد. وقد أوضح روبيو رؤية الإدارة في هذه القضية قائلاً: "أمام الأشخاص المسؤولين في كوبا خياران. إما أن تكون لديهم دولة حقيقية ذات اقتصاد حقيقي يستطيع شعبهم أن يزدهر فيه، أو أن يستمروا في دكتاتوريتهم الفاشلة التي ستؤدي إلى انهيار النظام والمجتمع".
في الوقت نفسه، هناك تردّد في التدخّل عسكرياً في كوبا كما فعلت الإدارة في فنزويلا. وعندما سأله الصحافيون عمّا إذا كان سيشن ضربة على كوبا لاحقاً، أجاب الرئيس: "يبدو أن الأمور تتجه نحو الأسوأ. ولا أعتقد أننا بحاجة إلى أي تدخّل عسكري". وكرّر هذا الرأي بعد عدة أيام ردّاً على اقتراح بزيادة الضغط الأميركي على هافانا: "لا أعتقد أنه يمكن ممارسة ضغط أكبر من ذلك سوى الدخول وقصفها بشدة". وتابع قائلاً إنّ كوبا "ستسقط... بملء إرادتها".
ماذا يعني انقطاع النفط الفنزويلي المفاجئ والكامل بالنسبة للاقتصاد الكوبي؟ قبل جائحة "كوفيد-19"، كانت كوبا تستهلك نحو 120 ألف برميل من النفط يومياً. ومنذ ذلك الحين، يشهد الاقتصاد الكوبي ركوداً أو انكماشاً، ويستهلك حالياً نحو 100 ألف برميل يومياً، وهو الحدّ الأقصى المتاح له. وهذا المستوى أقلّ من المطلوب للحفاظ على تشغيل الاقتصاد المحلي بكامل طاقته تقريباً، أو لتشغيل محطات توليد الطاقة الحرارية في كوبا بشكل دائم. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، عانى الكوبيون من انقطاعات يومية في التيار الكهربائي، بعضها مُجدول والبعض الآخر غير مُجدول، لفترات متزايدة.
قبل عقد من الزمن، كانت فنزويلا تزوّد كوبا بما يزيد عن 100 ألف برميل يومياً، لكنّ هذا الرقم انخفض تدريجياً بنسبة تتراوح بين 75% و90% نتيجة تراجع إنتاج فنزويلا. وتشير بعض التقديرات إلى أنّ المكسيك، التي تربطها اتفاقية مماثلة مع هافانا لتبادل النفط، زوّدت كوبا بكمية نفط في عام 2025 تفوّق ما زودتها به فنزويلا. وقد مارست واشنطن ضغوطاً على المكسيك لوقف هذه الإمدادات، إلّا أنّ الرئيسة كلوديا شيباوم رفضت ذلك، واصفةً الشحنات بأنها "مساعدات إنسانية". في المقابل، لا تزوّد روسيا كوبا بنحو 5 آلاف برميل يومياً، مقارنةً بـ13 ألف برميل يومياً للمكسيك.
مع ذلك، فإنّ استبدال النفط الذي تحصل عليه كوبا حالياً من فنزويلا يُعدّ مهمّة شاقة، بل ربما مستحيلة. وقد تناشد كوبا المكسيك وروسيا لزيادة شحناتهما، وتأمل أن تساهم دول أخرى منتجة للنفط حول العالم، كالبرازيل وأنغولا والجزائر، بمساهمات أصغر. لكن حتى سخاء أصدقائها له حدود، وكوبا لا تملك المال لدفع ثمن واردات نفطية إضافية. لذا، يبدو من المؤكّد أنّ الاقتصاد الكوبي، والشعب الكوبي، مُقدّر لهما المزيد من المعاناة.
في عام 2014، قدّر الخبير الاقتصادي بافيل فيدال أنه في حال انقطاع النفط الفنزويلي فجأة، سيتراجع الاقتصاد الكوبي بنسبة 7.7%. أما اليوم، ومع انخفاض إنتاج فنزويلا بشكل كبير مقارنةً بالسابق، وانخفاض سعر النفط إلى النصف تقريباً، فسيكون التأثير أقل. لكنّ الناتج المحلي الإجمالي لكوبا انخفض بالفعل بنحو 15% منذ جائحة "كوفيد-19". ومن شأن انخفاض آخر بنسبة 4% أو 5% أن يُفاقم الحلقة المفرغة المتمثّلة في تراجع الإنتاج المحلي، ما يُقلّل من عائدات التصدير ويُوسّع الفجوة بين ما تحتاجه كوبا من واردات وما تستطيع تحمّله.
فهل سيكون ذلك كافياً لإسقاط الحكومة الكوبية؟ يبدو أنّ ترامب يعتقد ذلك. فخلال مؤتمره الصحافي، وصف ترامب كوبا بأنها "دولة فاشلة للغاية". وأضاف بعد يومين: "يبدو أنّ كوبا على وشك السقوط". ويؤكّد السيناتور ريك سكوت (جمهوري من فلوريدا)، زميل روبيو الجمهوري في فلوريدا، هذا الأمر قائلاً: "ستكون هذه نهاية نظام دياز كانيل، ونظام كاسترو، سيحدث ذلك لا محالة. وأعتقد أنه سيحدث على الأرجح هذا العام، أو ربما العام المقبل. لكنه سيحدث لا محالة".
وهذه الثقة ليست بجديدة. فقد تنبّأ مسؤولون في واشنطن بنهاية وشيكة للحكومة الكوبيّة منذ عام 1959. وكانت إدارة أيزنهاور على يقين من أنّ خفض حصة السكر الكوبي سيحقّق ذلك. في حين اعتقد كينيدي أنّ عمليات سرية لوكالة الاستخبارات المركزية إضافة إلى فرض حظر اقتصادي ستفي بالغرض. واعتقد ليندون جونسون أنّ انضمام أميركا اللاتينية وأوروبا إلى الحصار سيكون كافياً. وقد ظنّ جورج بوش الأب أنّ انهيار الاتحاد السوفياتي سيحقّق هذا الهدف. بينما اعتقد جورج بوش الابن أنّ وفاة فيدل كاسترو ستفي بالغرض. ومنذ تولّي ترامب الرئاسة، يتوقّع الجمهوريون أنّ خسارة النفط الفنزويلي ستحقّق هذه الغاية.
لقد أخطأوا مراراً في حساباتهم، لأنه على الرغم من أنّ اليأس الاقتصادي غالباً ما يُسبّب استياءً سياسياً، إلا أنه لا يُؤدّي بالضرورة إلى ظهور حركة معارضة قادرة على الإطاحة بالحكومة. ويتفق الدبلوماسيون الأجانب في هافانا، باستثناء العاملين في السفارة الأميركية، عموماً على أنّ المعارضة المنظّمة في كوبا أضعف اليوم مما كانت عليه في أيّ وقت مضى في الذاكرة الحديثة، ولا تُشكّل أيّ تهديد للنظام. وأحد الأسباب هو أنّ الكوبيين الساخطين لطالما وجدوا الهجرة أسهل من مواجهة الحكومة. فعندما ينهار الاقتصاد، لا يثورون، بل يرحلون. وثمّة سبب آخر يتمثّل في أنّ الحكومة باتت أكثر تعصّباً تجاه المعارضة في ظلّ تدهور الوضع الاقتصادي، بحيث شجّعت المعارضين الصريحين على المغادرة وسجنت أولئك الذين رفضوا المغادرة.
قد تؤدّي الأزمة الاقتصادية المتفاقمة إلى اندلاع اضطرابات اجتماعية عفوية (مثل أحداث شغب ماليكونازو على واجهة هافانا البحرية عام 1994) وتظاهرات مناهضة للحكومة (مثل الاحتجاجات التي عمّت البلاد في 11 تموز/يوليو 2021). ولكن في غياب معارضة منظّمة قادرة على توجيه السخط نحو حركة سياسية مستدامة، تستطيع قوات الأمن احتواء أيّ اشتباكات عرضيّة. أما الكنيسة الكاثوليكية، وهي المؤسسة المدنية المستقلة الوحيدة ذات الحضور الوطني، فتُظهر قدرة ضئيلة أو رغبة محدودة في القيام بهذا الدور. فكوبا ليست كبولندا أو جمهورية ألمانيا الديمقراطية عام 1989.
وفي حال لم يُؤدِّ قطع شحنات النفط الفنزويلية إلى إسقاط الحكومة الكوبية، فهل ستُقرّر إدارة ترامب اتخاذ إجراء عسكري مباشر؟ لا شيء مستحيل بالنسبة لرئيس يُهدّد بمهاجمة الدنمارك، حليف الناتو، إذا رفضت تسليم غرينلاند.
لكن يبدو أنّ ترامب يدرك أنّ كوبا حالة أصعب من فنزويلا. فقد صرّح مراراً في الأيام الأخيرة قائلاً: "إنهم شعب قوي"، بل واعترف بأنّ كوبا قد خالفت التوقّعات السابقة بانهيارها. وإذا تبيّن أنّ تهدئة فنزويلا أصعب مما يتوقّعه ترامب، فقد يتردّد في خوض مشروع بناء دولة ثانٍ بينما لا يزال المشروع الأول يعاني من تفاقم الأوضاع.
ومن خلال ترسيخ "مبدأ دونرو" للسياسة في أميركا اللاتينية، يبدو أنّ الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة استيعاب الدرس الأساسي للاستعمار بأن لا أحد يرغب في أن يملي عليه الأجانب كيفيّة إدارة شؤونه. سيقاومون بشكل غير نشط ثمّ بفعّالية وفي النهاية سينتصرون. وبغضّ النظر عن تفوّق القوة العسكرية للأجانب، سيملّون من الحرب التي لا تنتهي ويعودون إلى ديارهم، تماماً كما فعل البريطانيون عام 1783.
نقلته إلى العربية: زينب منعم.