"jacobin": القُوّات الأميركية البرّية إلى إيران.. فكرة حمقاء لحربٍ غبيةٍ
مقال الكاتب برانكو ماركيتيتش في صحيفة "زد نتوورك" يتناول مخاطر إرسال قُوّات برّية أميركية إلى إيران،ويناقش التحديات الميدانية والخسائر المحتملة، وفشل الأهداف السابقة للحرب
-
القُوّات الأميركية البرّية إلى إيران: فكرة حمقاء لحربٍ غبيةٍ (أرشيف)
يتناول مقال الكاتب برانكو ماركيتيتش في مجلة "jacobin" اليسارية الأميركية مخاطر إرسال قُوّات برّية أميركية إلى إيران،ويناقش التحديات الميدانية والخسائر المحتملة، وفشل الأهداف السابقة للحرب، كما يحذّر من أن التصعيد سيُغرق الولايات المتحدة في حرب طويلة ويزيد الخسائر دون تحقيق نتائج.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
يدرس دونالد ترامب إمكانية تحويل الحرب مع إيران إلى كارثةٍ أكبر بإقحام قُوّاتٍ برّيةٍ، حيث يتَّفق معظم المراقبين على أنَّها خطوة لن تُحقّق شيئاً سوى قتل جنود أميركيين وزجّ الولايات المتحدة في أتون الحرب. وكل ذلك يجري ضمن مزيجٍ من الشائعات والمعلومات المُضلَّلة الصريحة وعدم الكفاءة الحقيقية، ويكاد يكون من المستحيل معرفة ما يحدث بالضبط في حرب دونالد ترامب على إيران في أي وقتٍ، بينما تُظهر مجموعة من المؤشرات الآن إلى أنَّ الرئيس يستعدُّ لتصعيد التدخُّل الأميركي في أي لحظةٍ وإرسال قُوّاتٍ برّيةٍ، وربما لن يفعل ذلك.
بغض النظر عما سيحدث في النهاية، سيظل ما يلي صحيحاً، في أنَّ نشر القُوّات البرّية الأميركية لخوض الحرب في إيران هو قرار كارثي على المستويين السياسي والعسكري، وسيؤدي إلى عكس ما يأمله ترامب. وهي فكرة سيئة للغاية لدرجة أنَّها وحدت أعضاءً بارزين في "الدولة العميقة" التي يكرهها ترامب، مثل جيمس ستافريديس، المسؤول السابق في وكالة استخبارات الدفاع والقائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي، وبعض أقرب حلفاء ترامب السياسيين، مثل نانسي ميس ومات غيتس، في معارضة هذه الفكرة. ويقول جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الذي استقال مؤخراً، وهو من المحاربين القدامى ومؤيد مُتحمّس لترامب، إنَّها ستكون "كارثةً".
يستحقُّ شرح ستافريديس لمشكلة نشر القُوّات البرية في جزيرة خارك، حيث تُعالج 90% من النفط الإيراني، اهتماماً خاصاً، فلم يكن ستافريديس في وقتٍ قريبٍ أعلى مسؤولٍ عسكريٍّ في حلف "الناتو" فحسب، بل كان مسؤولاً عن العمليات العسكرية للحلف وتخطيطه الحربي، وهو أيضاً من الصقور الذين دعوا قبل بضع سنواتٍ إلى شنّ "الناتو" حرباً مُباشرةً ضدَّ روسيا، وهي دلالة على أنَّ ستافريديس ليس ممَّن يميلون إلى تجنُّب استخدام القوة العسكرية الأميركية المتهوّرة، ولا يبالغ في تقدير المخاطر المترتبة على ذلك، لكنه يعتقد أنَّ فكرة ترامب كارثية في المحصلة.
يقول ستافريديس، "التحدّي الأول، حتى قبل التفكير في إنزال القُوّات البرّية على جزيرة خارك، هو عبور سفن وحدة (المشاة البحرية 31) لمضيق هرمز مع حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس تريبولي" والقطع البحرية المرافقة سيُضطرُّون إلى خوض معركةٍ شرسةٍ لعبور المضيق، كما يوجد حوالي 20 ألف إيراني على الجزيرة ومعظمهم من عمال النفط المدنيين، والذين سيحتاجون إلى البقاء في منازلهم، أو إلى إجلائهم، وقد يكون الإيرانيون قد زرعوا ألغاماً مُتطوّرةً، أو أنَّ إيران ستضرب بنجاح إحدى سفن الإنزال البرمائية الكبيرة (كما فعل الأرجنتينيون مع البريطانيين في حرب الفوكلاند عام 1982). ومن شبه المُؤكَّد أنَّ الخسائر الأميركية سترتفع بسرعةٍ عَنْ 13 الذين قتلوا حتى الآن خلال العملية الجارية". ولم يذكر ستافريديس عن أنَّ أي قُوّات أميركية تُنْشر في الجزيرة ستكون على قطعة أرض صغيرة نسبياً، ومليئة بعشرات الملايين من براميل النفط، وهي مادة معروفة بسهولة اشتعالها.
كذلك، يصبح الأمر أكثر إثارةً للشكّ عندما تتحوَّل المهمة إلى استخراج اليورانيوم المُخصَّب الإيراني، بكامل وزنه البالغ 440 كيلوغراماً (حوالي 970 رطلاً)، وهي كمية هائلة من الموادّ يصعب الوصول إليها أصلاً، نظراً لتخزينها في أنفاقٍ عميقةٍ تحت الأرض. كما أنَّ نقل الموادّ النووية عملية معقدة لوجستياً للغاية حتى في أفضل الظروف، أي عندما يسود السلام، وتسعى الحكومة المسؤولة عن هذه الموادّ إلى مُساعدتك على التخلُّص منها، فما بالك أن تقوم بذلك في خضم منطقة حربٍ. وسيتطلَّب الأمر على الأرجح وقتاً طويلا للغاية، فضلاً عن قُوَّةِ غَزْوٍ كبيرةٍ واحتلالٍ شبهٍ دائمٍ، لمجرَّد السماح بعملية استخراج ونقل اليورانيوم الحسّاسة بأمانٍ. وَحَتَّى مَعَ ذلك، سيظلُّ الوجود الأميركي في هذه المواقع هدفاً ثابتاً وكبيراً لأي ردٍّ إيرانيٍّ.
والآن، لنُفكّر في كل الأهداف الأخرى التي وضعتها هذه الإدارة عند بدء الحرب، وكيف فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيقها، من توقع انهيار الدولة الإيرانية، أو إحداث تغييرٍ جذريٍّ في النظام على غرار فنزويلا، أو تشجيع انتفاضةٍ شعبيةٍ. فحتى التقدُّم الذي أحرزته في كبح قدرة إيران على إطلاق الصواريخ لم يستمرَّ. ومع ذلك، يُفترض بنا أن نُصدّق أنَّ الأمور ستختلف مع هذه العملية الخيالية. كما أنَّ السياسة المتعلّقة بقتلى الجيش الأميركي واضحة تماماً. فثمَّة سبب وراء السعي الحثيث لكل رئيسٍ منذ جورج دبليو بوش، لتجنُّب إرسال قُوّاتٍ برّيةٍ أميركيةٍ، واللجوء بدلاً من ذلك إلى شنّ حربٍ جويةٍ فقط، باستخدام الطائرات المسيرة أو عبر وكلاء. فكما قال مؤخراً القائد السابق لقوات التحالف في أفغانستان ستانلي مكريستال، بمجرَّد نشر القُوّات البرّية، "تُصبح في نفس مستوى خصمك المحتمل". وهذا يعني أنَّ احتمالية وفاة الجنود الأميركيين تزداد، وأنَّ عائلاتهم ومجتمعاتهم المحلية ستُطالب على الأرجح بإجاباتٍ حول الغاية التي أُزهقت من أجلها أرواحهم.
ولن تمنع الجهود الضعيفة التي يبذلها بعض المتشدّدين لتبرير نشر القُوّات في جزيرة خارك، باعتبارها ثغرةً قانونيةً ذكيةً، كما أشار النائب بيت سيشنز على شبكة "سي إن إن"، فإذا لم يكن الانتشار "داخل إيران في المدن"، فلا يعتبر وجوداً فعلياً للقُوّات البرّية، مما يؤدّي إلى تداعيات سياسية سلبية، وإذا عاد عشرات الشباب الأميركيين إلى ديارهم في توابيت ملفوفةٍ بالأعلام، فلن يهُمَّ ذويهم أنَّهم قتلوا في حريقٍ هائلٍ في جزيرة خارك، أو في شوارع طهران.
كما تُظهر المؤشّرات جميعها أنَّ القيادة الإيرانية ترغب في أن يرسل ترامب قُوّاتٍ برّيةً، لأنَّ هدف الإيرانيين من هذه الحرب هو إلحاق أكبر قدرٍ ممكنٍ من الخسائر البشرية والسياسية بترامب والولايات المتحدة، لجعل المسؤولين الأميركيين مُتردّدين في شنّ أي هجماتٍ مُستقبليةٍ غير مُبرَّرَةٍ على البلاد. وسيسرُّهم فكرة استهداف آلاف الجنود الأميركيين المُعرَّضين للخطر بطائراتٍ مسيرةٍ، أو شنّ حرب عصاباتٍ ضدَّهم، أو سحقهم بمتفجّراتٍ رخيصة وبدائية الصنع، كما فعلت قُوّاتهم لسنواتٍ في العراق خلال فترة الوجود الأميركي الطويل هناك. وسيكون من الأفضل لو أصبح هذا الانتشار الأولي مدخلاً لغزوٍ شاملٍ، مما سيوفّر لإيران المزيد من الأهداف البشرية لاستهدافها، ووقتاً أطول لتنفيذ ذلك.
لا شك في أنَّ إرسال القُوّات البرّية هو الخطوة الأولى نحو المأزق الذي سعى كل رئيسٍ أميركي منذ بوش لتجنبه، والذي اشتهر ترامب في السابق بإدانته. وما هو الأرجح حدوثه إذا ما قُتل عدد كبير من الجنود الأميركيين على الأراضي الإيرانية؟ فهل تتعالى أصوات مُناهضة الحرب على قنوات الأخبار والبرامج تطالب بإنهاء الحرب، ويعلن ترامب ومسؤولوه انسحابهم؟ أم أن يُمنح أشدَّ المُتطرفين في واشنطن احتكاراً للإعلام للمطالبة بانتقامٍ دمويٍّ، وحينها يصرُّ ترامب على موقفه لتعويض ما يعتبره إهانةً؟ وإذا كان الرئيس يجدُ صعوبةً في إيجاد مخرجٍ يحفظ ماء وجهه من هذه الورطة الآن، فسيكون الأمر أصعب بكثيرٍ إذا قتلت القُوّات الإيرانية عدداً أكبر من الجنود الأميركيين.
والأمر المثير للسخرية هو أنَّه ليس من الضروري أن يحدث أي من هذا. بإمكان ترامب تجنُّب هذه السيناريوهات، بل وإنهاء الحرب تماماً ومنع تفاقم الأزمة الاقتصادية القادمة، لو أنَّه تخلَّى عن مطالبه المتطرّفة وسعى للسلام. لكنَّه يرى في ذلك ضعفاً. ولذلك، برفضه مُواجهة الواقع وسعيه اليائس لإيجاد مخرجٍ وهميٍّ، ينجذب حتماً إلى تصعيد الموقف والتعمُّق في الحرب، مما يزيد صعوبة الخروج. فبدلاً من طلب سلمٍ للخروج من المأزق، يستمرُّ بعنادٍ في الحفر والحفر. وبينما يفعل ذلك، يجرُّنا معه إلى عمق الظلام.
نقله إلى العربية: الميادين نت.