"FPIF": محور إسلام آباد وصعود النظام الدبلوماسي في الجنوب العالمي

"خطة إسلام آباد" تشير إلى أنّ الطرق القديمة لتحقيق السلام باتت متقادمة وأن مجموعة جديدة من الوسطاء مستعدة لملء الفراغ الذي خلفه تراجع الغرب نحو الأحادية.

0:00
  • محور إسلام آباد وصعود النظام الدبلوماسي في الجنوب العالمي
    محور إسلام آباد وصعود النظام الدبلوماسي في الجنوب العالمي

أكد موقع "FPIF" أنّ وساطة باكستان وانعقاد المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد مثّلت خروجاً عن احتكار ارتباط الإنجازات الدبلوماسية الكبرى في "الشرق الأوسط" بالأراضي الأميركية أو العواصم الأوروبية، مشيرةً إلى أنّ مركز ثقل حل النزاعات الدولية يبتعد عن الغرب.

فيما يلي نص الموقع منقولاً إلى العربية:

السلام ليس مستحيلاً، لكن الطرق القديمة لتحقيقه أصبحت بالية بشكل متزايد.
 
يُنظر إلى انهيار المحادثات الأميركية الإيرانية في إسلام آباد هذا الأسبوع، وما أعقبه سريعاً من إعلان واشنطن فرض حصار بحري على مضيق هرمز، على نطاق واسع باعتباره عودة إلى أنماط حقبة الضغط الأقصى المألوفة.

مع ذلك، فإنّ النظر إلى هذه الأحداث من منظور فشل ثنائي فقط يُغفل تحولاً هيكلياً أعمق في الدبلوماسية العالمية.

فرغم توقف المفاوضات بعد 21 ساعة من المداولات الشاقة بين نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، إلا أن مكان انعقادها وآليتها كشفا عن حقيقة جوهرية: وهي أن مركز ثقل حل النزاعات الدولية يبتعد عن الغرب.
 
لعقود طويلة، ارتبطت الإنجازات الدبلوماسية الكبرى في الشرق الأوسط بالأراضي الأميركية أو العواصم الأوروبية. فمن "كامب ديفيد" إلى اتفاقية "غرين تري"، كان السيناريو متوقعاً: الولايات المتحدة لعبت دور الوسيط الذي لا غنى عنه، موفرةً الضمانات الأمنية والحوافز الاقتصادية لجذب الأطراف إلى طاولة المفاوضات.

إلا أن محادثات إسلام آباد تمثل خروجاً عن هذا الاحتكار التاريخي. باختيار عاصمة جنوب آسيوية كممر رئيسي للتفاعلات الحاسمة، أقرّ المجتمع الدولي فعلياً بنموذج إسلام آباد الجديد، الذي يقوم على وساطة دول الجنوب بدلاً من الإملاء الغربي.
 
في ظل المناخ الجيوسياسي الراهن، لم يعد يُقاس تأثير القوة العظمى بقدرتها على الإكراه، بل بقدرتها على التعاون.

وكما يُشير نموذج إسلام آباد، فإن مستقبل الاستقرار العالمي يرتكز على عاتق من يختارون العمل الجاد للوساطة بدلاً من طريق المواجهة السهل. وتؤكد الجهود الباكستانية الأخيرة لتيسير جولة ثانية من المحادثات هذا التحول. فإسلام آباد لا تُوفر مجرد منبر، بل تُوفر شرعية إقليمية لم يعد بإمكان واشنطن صنعها بمفردها.
 
يُعزى فشل التوصل إلى اتفاق في إسلام آباد إلى ما وصفه مسؤولون إيرانيون بمطالب مفرطة من الوفد الأميركي. فعلى وجه التحديد، يُشير الإصرار على توسيع نطاق المحادثات ليشمل قضايا إقليمية غير نووية في اللحظات الأخيرة إلى افتقارٍ للمرونة اللازمة للدبلوماسية الحديثة. في المقابل، ركّز الدور الذي لعبته باكستان، بدعمٍ خفيّ من الصين وتركيا والسعودية، على نهجٍ أكثر براغماتية وتدريجية. سعى هذا الفريق إلى إرساء دعائم الاستقرار القائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة، ولا سيما أمن ممرات الطاقة الحيوية للعالم النامي.
 
يُعدّ التباين في المنهجية صارخاً. لا يزال النهج الأميركي متجذراً في منطق المحصلة الصفرية للعقوبات والحصار. ففي غضون 12 ساعة من انهيار المحادثات، تحوّل البيت الأبيض نحو سياسة اعتراض السفن.

هذا تكتيك يتجاهل المشهد الاقتصادي المتغير لعام 2026. اليوم، لم يعد الحصار مجرد مناورة عسكرية، بل هو اعتداء مباشر على أمن الطاقة للدول المحايدة في آسيا وأفريقيا.

ومن خلال تسخير الممرات البحرية كسلاح، تُسرّع واشنطن، دون قصد، الاتجاه الذي تخشاه أكثر من غيره: التحوّل إلى نظام مالي متعدد الأقطاب، حيث لم يعد الدولار النفطي هو الحكم الوحيد في التجارة.
 
إن التداعيات الاقتصادية لهذه الأحادية المتشددة باتت واضحة للعيان. فمع ارتفاع أسعار النفط مجدداً نحو 100 دولار للبرميل عقب إعلان الحصار، تتحول استراتيجية "أميركا أولاً" تدريجياً إلى "أميركا وحدها".

وباعتبار مضيق هرمز ساحةً للاحتواء بدلاً من كونه شرياناً حيوياً عالمياً، تُخاطر واشنطن بعزل حلفائها الذين تحتاجهم بشدة للحفاظ على نظام دولي متماسك. لا ينظر الجنوب العالمي إلى هذا الأمر على أنه دفاع عن حرية الملاحة، بل كعمل من أعمال القرصنة الاقتصادية التي تُعطي الأولوية للضغط التكتيكي على حساب الاستقرار العالمي.
 
يُعدّ دور الصين في هذا المشهد المتغير بالغ الأهمية. فعلى عكس النهج الغربي القائم على المصالح المتبادلة، كرّست بكين العام الماضي لتعزيز ما تسميه "مجتمع المصير المشترك". وبينما لا تزال الولايات المتحدة منشغلة بالمدمرات البحرية وقوائم العقوبات، ركّزت الصين على بناء البنية التحتية وتعزيز المرونة التكنولوجية. ويُعدّ نشر الذكاء الاصطناعي المُدمج مؤخراً في مهام صناعية عالية المخاطر في المنطقة مثالًا واضحاً على ذلك. فهو يُذكّرنا بأنه في حين تسعى إحدى القوى إلى إغلاق الممرات، تسعى الأخرى إلى بناء الأنظمة التي تجعل هذه الممرات أكثر كفاءة وأمانًا.
 
هذا هو جوهر الواقع الدبلوماسي الجديد. تُشير "خطة إسلام آباد" إلى أن دول الجنوب العالمي لم تعد راضية بأن تكون ساحة سلبية للتنافس بين القوى العظمى. فقد أصبحت دول المنطقة الآن جهات فاعلة، تُوفّر أرضية محايدة وأطرًا إبداعية ضرورية للحوار. حتى وإن كان وقف إطلاق النار الحالي -المقرر انتهاؤه في 22 أبريل- هشًا، فإن لجوء الولايات المتحدة إلى التفاوض في إسلام آباد، بدلًا من إجبار الإيرانيين على الاجتماع في عاصمة أوروبية، يُعدّ تنازلًا في سبيل هذا النظام الجديد.
 
يتجه العالم نحو منظومة دبلوماسية تعددية. في هذا العالم الجديد، تستمد شرعية الوسطاء من قدرتهم على توفير الاستقرار والتنمية، لا من قدرتهم على استخدام القوة العسكرية فحسب. ومع عودة واشنطن إلى أساليب الحصار، قد تجد أن العالم قد تجاوز هذه المرحلة، ساعياً إلى الأمن في الممرات الشرقية الجديدة.
 
إن الدرس المستفاد من الأيام القليلة الماضية ليس استحالة السلام، بل أن الطرق القديمة لتحقيقه باتت متقادمة. وقد أظهرت محادثات إسلام آباد، رغم جمودها الحالي، أن مجموعة جديدة من الوسطاء مستعدة لملء الفراغ الذي خلفه تراجع الغرب نحو الأحادية.

ويتمثل دور المجتمع الدولي الآن في ضمان تعزيز هذه المسارات الدبلوماسية الجديدة، لتوفير بديلٍ ضروري لدائرة الضغط والصراع التي هيمنت على القرن الماضي. وإذا ما استطاعت عملية إسلام آباد تجاوز استعراض القوة البحرية هذا الأسبوع، فقد تُشكّل الخريطة النهائية لعالم ما بعد القطبية الأحادية.

 

نقلها إلى العربية: الميادين نت.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.