"counterpunch": تصاعد النضال ضد حرمان الولايات المتحدة لكوبا من النفط

اليوم، وفي ظلّ تهديد غير مسبوق، فإنّ سقوط الثورة الكوبية من شأنه أن يقضي على نضال طويل خاضه عدد لا يُحصى من الناس ضد الإمبريالية الأميركية.

  • الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، والزعيم السابق راؤول كاسترو، يسيران أمام السفارة الأميركية في هافانا خلال احتجاج على الحصار (20 كانون الأول/ديسمبر 2024)

يتناول موقع "counterpunch" سياسات الحظر الأميركية المستجدّة على كوبا والتي تفرض رسوماً جمركية على الدول التي تبيع النفط لهافانا، ويتحدّث عن الآثار الكارثية لهذا القرار وكيف تحرّكت مجموعات الضغط والحقوقيون للدفاع عن كوبا حول العالم.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً نهاية الشهر الماضي، أعلن من خلاله حالة طوارئ وطنية وضعت "آلية لفرض رسوم جمركية على السلع المقبلة من الدول التي تبيع النفط لكوبا، أو تزوّدها به بأيّ شكل من الأشكال". وأشار القرار إلى أنّه يهدف إلى "مواجهة النظام الكوبي، والتصدّي لنفوذه الخبيث". كذلك قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أثناء إدلائه بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ: "أعتقد أننا نرغب في رؤية النظام هناك يتغيّر".

تواجه كوبا كارثة. وتتفاقم الأوضاع الآن بفعل الآثار التراكمية من 6 عقود من الحصار الاقتصادي الأميركي الذي تشدّد خلال إدارتي ترامب، وزاد تدهور الأوضاع المعيشية، حيث تفاقم نقص النفط وانقطاع إمداداته من فنزويلا بعد الغزو الأميركي لها في 3 كانون الثاني/يناير، ما أدّى إلى تراجع حادّ في إنتاج الطاقة الكهربائية في البلاد.

مع تصاعد هذه الأخطار الإنسانية من جرّاء الاعتداء الأميركي على استقلال كوبا وسيادتها، تندفع حركات التضامن الدولية والأميركية مع كوبا إلى التحرّك بشكل عاجل، من بينها "حملة التضامن البريطانية مع كوبا"، التي أعلنت في بيان عن أنّ "التصعيد الأميركي الأخير سيؤدّي إلى شلّ شبكة الكهرباء، مما يدمّر كلّ جوانب الحياة اليومية من ضمنها المستشفيات، وأجهزة حاضنات وأجهزة دعم الحياة المعطّلة، وغرف العمليات الجراحية الطارئة التي تُجرى في الظلام، وإغلاق المدارس وأماكن العمل قسراً، وتوقّف المخابز عن العمل، ونقص الوقود الذي يعوق نقل المواد الغذائية والإمدادات الطبية، وتلف الطعام في الثلاجات والمجمّدات، وانتشار الجوع والمرض والمعاناة.

واعتبرت الحملة أنّ الهجوم متعمّد على المدنيين جميعهم، و"يهدف إلى إلحاق الألم والحرمان واليأس بهم. إنه عمل قاسٍ ومدروس، وسيكلّف أرواحاً كثيرةً، وسيكون لانتصار الولايات المتحدة على الثورة الاشتراكية في كوبا عواقب وخيمة، كما يوضح محلل أوروبي، ويضيف أنّ "كوبا لا تزال المثال الحيّ الوحيد لدولة لا تزال تسعى إلى بناء نظام اشتراكي قائم على الملكية الاجتماعية والتخطيط وقوة الطبقة العاملة، بدلاً من هيمنة السوق والتراكم الرأسمالي".

كذلك أثار قرار ترامب بفرض عقوبات على مورّدي النفط إلى كوبا موجة من البيانات الداعمة لهافانا، من ضمنها إدانات العديد من الأحزاب الشيوعية في العالم، ومن الصين وروسيا وفيتنام وجامعة الدول العربية والمؤتمر الوطني الأفريقي والتحالف البوليفاري لشعوب أميركا اللاتينية ومنظمات التضامن المتعدّدة مع كوبا ومنظمات الكوبيين المقيمين في الخارج والاتحاد العالمي لنقابات العمال.

وعلّق الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مؤخراً، أنّه "تحت ذريعة كاذبة وحجج فارغة، يروّج لها أولئك الذين يمارسون السياسة، ويثرون أنفسهم على حساب معاناة شعبنا، حيث يسعى الرئيس ترامب إلى خنق الاقتصاد الكوبي من خلال فرض تعريفات جمركية على الدول التي تتاجر بالنفط مع كوبا، وهو حقّ سيادي لنا". كذلك، نفت وزارة الخارجية الكوبية الاتهامات الأميركية، مؤكّدة أنّ كوبا "لا تؤوي أو تدعم أو تموّل أو تسمح بوجود منظّمات إرهابية أو متطرّفة"، ولا "تستضيف قواعد عسكرية أو استخباراتية أجنبية، ولا تمثّل تهديداً لأمن الولايات المتحدة".

حتى النفط المرسل إلى كوبا لأسباب إنسانية سيُحظر، ومن ضمنه الكميات الضئيلة من النفط المُرسل عبر الصين أو روسيا.

قد تعجز كوبا قريباً عن استيراد أيّ نفط. ووفقاً لموقع "فاينانشال بوست دوت كوم" آخر الشهر الماضي، "لم يتبقَّ لدى كوبا من النفط سوى ما يكفيها لمدة تتراوح بين 15 و20 يوماً، خاصة مع تشديد دونالد ترامب للضغوط". كذلك أوضح المحلّل غابرييل فيرا لوبيز، أنّ كوبا تُنتج وحدها 30% من إجمالي استهلاك النفط اليومي البالغ 120 ألف برميل. وقدّمت فنزويلا لكوبا في عام 2025 ما يصل إلى 35 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 29% من الإجمالي. كما قدّمت المكسيك 17,200 برميل يومياً خلال العام الماضي، لكنها تراجعت الآن نتيجةً للضغوط الأميركية. أما روسيا، فتُساهم بكمية ضئيلة من النفط إلى كوبا.

كذلك حتى النفط المُرسل لأسباب إنسانية سيُحظر، من ضمنها الكميات الضئيلة من النفط المُرسل إلى كوبا عبر الصين أو روسيا. وباستثناء النفط المُنتج في كوبا نفسها، لا يتبقّى سوى النفط المكسيكي. والأهمّ من ذلك، أنّ "الأمر التنفيذي الجديد يبدو الآن مُوجّهاً بشكل مباشر إلى الإمدادات المكسيكية. وكانت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم قد أكدت، الاعتبارات الإنسانية واحترام القانون الدولي. وأصرّت على أنّ الحكومة المكسيكية ستتفاوض مع المسؤولين في واشنطن، موضحةً أنّ "اعتبارات تعاقدية"، وليست ضغوطاً سياسية، هي التي دفعت شركة النفط "بيمكس" إلى تعليق شحناتها مؤخراً. وأضافت شينباوم أنّ "المكسيك ستظل دائماً متضامنة مع كوبا، وستسعى باستمرار لإيجاد أفضل السبل لدعم الشعب الكوبي".

لا تُصدّر المكسيك سوى 1% من إجمالي إنتاجها النفطي إلى كوبا، بينما تصل نسبة صادراتها إلى الولايات المتحدة إلى 84%. في الواقع، تربط المكسيك والولايات المتحدة علاقة تبادلية غير متكافئة فيما يتعلّق بالمنتجات الهيدروكربونية، وقد يكون الحفاظ على هذه العلاقة أولوية على حساب احتياجات كوبا.

الكاتب ماتيو كروسا نشر مقالة بعنوان "ثورة الغاز الصخري، والإمبريالية الأميركية في مجال الطاقة، وتبعيّة المكسيك" قال فيه: "في سياق ثورة النفط الصخري التي وضعت الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط في العالم والمصدر الرئيسي للنفط المكرّر، أصبحت المكسيك أكبر سوق للولايات المتحدة، حيث استوردت ما قيمته 30 مليار دولار من النفط المكرّر في عام 2023، وهو ما يمثّل 28%، من 107 مليارات دولار التي صدّرتها الولايات المتحدة في ذلك العام.

يضيف كروسا: "يسلّط هذا النمط الضوء على تحوّل مقلق في ديناميكيات الطاقة، حيث أصبحت المكسيك منخرطة بشكل متزايد في دور تابع يضعف استقلالها الاقتصادي واستقلالها في مجال الطاقة، حيث لم تصبح المكسيك أكبر مستورد للغاز الطبيعي الأميركي فحسب، بل تؤدّي أيضاً دوراً محورياً في استراتيجية الطاقة الإمبريالية الأميركية الأوسع، وتعمل كمنصة لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا".

كذلك يستجيب نشطاء التضامن مع كوبا في الولايات المتحدة. ففي رسالة إلى اللجنة الدولية لتحالف التطبيع بين الولايات المتحدة وكوبا، صرّح الناشط العمالي مارك فريدمان، المنتمي إلى تحالف لوس أنجلوس: "أوقفوا التدخّل في كوبا"، وقال إنّه "علينا التحرّك بشكل عاجل والتواصل مع تلك القوى التي لم تكن مستعدةً في الماضي لاتخاذ موقف، وعلينا النضال من أجل وحدة حركة التضامن مع كوبا".

وبعد انضمامي إلى اجتماع عاجل للتحالف أول الشهر الجاري، لاحظت التوسّع الكبير في حملة المساعدات المادية الحالية لكوبا، والتواصل مع الحركة العمالية والناشطين الذين يحشدون ضدّ إدارة الهجرة والجمارك الأميركية والحروب الأميركية، وعقد ندوات تثقيفية محلية، والتركيز على الدفاع عن استقلال كوبا السيادي.

إنّ التحرّك المتجدد اليوم من أجل كوبا هو استمرار للنضال الذي بدأ فعلياً في الولايات المتحدة بقيادة بطل كوبا القومي، خوسيه مارتي. وقد واصل الثوّار داخل كوبا، الذين عارضوا الجمهورية الزائفة الخاضعة للهيمنة الأميركية (1902-1959)، هذا النضال. واشتدّت حدة الكفاح المناهض للإمبريالية بعد عام 1959 مع الدفاع عن الثورة الاشتراكية الكوبية.

واليوم، وفي ظلّ تهديد غير مسبوق، فإنّ سقوط الثورة من شأنه أن يقضي على نضال طويل خاضه عدد لا يُحصى من الناس ضدّ الإمبريالية الأميركية.

كان فيدل كاسترو قد حدّد من خلال "إعلان هافانا الثاني" في 4 شباط/فبراير 1962)، نضال كوبا ضدّ الهيمنة الأميركية، مستنداً على رائد حركة الاستقلال الكوبي خوسيه مارتي الذي حذّر من الخطر المحدق بقارة أميركا من الإمبريالية. وأوضح لشعوب أميركا اللاتينية أنّ لهم، أكثر من أيّ أحد آخر، مصلحة في ألا تستسلم كوبا لجشع اليانكي. توفي مارتي عام 1895، وبعد 67 عاماً تحوّلت بورتوريكو إلى مستعمرة أميركية، ولا تزال كذلك، وحينها سقطت كوبا أيضاً في براثن الإمبريالية، وفُرض عليها تعديل قانون "بلات" كبند مهين يُجيز الحقّ البغيض للتدخّل الأميركي في كوبا.

وهكذا أصبحت ثروات كوبا بين أيديهم، وزُيّف تاريخ البلاد، وشُكّلت الحكومة وسياستها بالكامل لمصلحة المستعمرين، وخضعت الأمة لنحو 60 عاماً من الاختناق السياسي والاقتصادي والثقافي. لكنّ كوبا استطاعت أن تُنقذ نفسها، وتكسر القيود التي ربطت مصيرها بمصير المُستعمر الإمبريالي، ورفعت رايتها كأرض حرّة في أميركا.

 

نقله إلى العربية: حسين قطايا.