"Counterpunch": الكلب الذي لم ينبح
اعترف ترامب صراحة بأن تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا كان من أجل السيطرة على النفط وتعويض الشركات الأميركية، ولم يواجه غضباً شعبياً يُذكر.
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
موقع "Counterpunch" ينشر مقالاً يقدّم فيه قراءة نقدية للسياسة الأميركية، موضحاً التكرار التاريخي للتدخلات العسكرية والاقتصادية، وصراحة ترامب حول أهدافه، واستجابة المجتمع الأميركي، مع التأكيد على أهمية التنظيم الشعبي كوسيلة لتحقيق تغييرات جوهرية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
الجريمة التي وقعت الأسبوع الماضي، والمتمثلة في قصف دولة أجنبية واختطاف رئيسها، لم تكن جديدة. فقد قامت الولايات المتحدة بالفعل بعمل مشابه في بنما عام 1989، وفي ليبيا بعد ذلك باثنتي عشرة سنة، رغم أن الرئيس معمر القذافي في الحالة الأخيرة قُبض عليه وعُذّب وقُتل على أيدي قوات محلية متحالفة. إن قائمة الدول التي هاجمتها الولايات المتحدة أو غزتها أو أطاحت قادتها خلال الخمسة والسبعين عاماً الماضية مألوفة لدى العديد من قراء "كاونتربانش". أقدّمها هنا في قالب شعري قاتم:
غواتيمالا، غرينادا، باكستان، الصومال، كوبا، السودان، بنما، ليبيا، أفغانستان، كمبوديا، كوريا، فيتنام، السلفادور، العراق، إيران، اليمن، نيكاراغوا، لبنان، لاوس، فنزويلا، وجمهورية الدومينيكان.
ويُستثنى من ذلك الدول التي تآمرت فيها الولايات المتحدة على انقلابات أو اغتيالات، وهي أحداث ضئيلة مقارنةً بغيرها؛ فقد أودت الحرب على فيتنام بحياة نحو مليوني شخص، مقابل 55 ألف أميركي فقط. ومنذ أحداث 11 سبتمبر، ووفقاً لمشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون، تسبب العنف الأميركي، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، في مقتل نحو 4.5 ملايين شخص في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان.
وباستثناء الحالات التي استعرضت فيها الولايات المتحدة أعداد قتلى العدو في بداية حرب فيتنام لإظهار التقدم في ساحة المعركة، فقد قلّل المسؤولون الحكوميون الأميركيون عموماً من شأن أعداد القتلى أو أنكروها. وحيثما استحال التمويه، برروا أنفسهم بالادعاء بأن الحرب فُرضت على الولايات المتحدة، وأن الدولة المحتلة: أ) كانت المعتدية؛ ب) تواطأت مع الشيوعيين أو الإرهابيين الإسلاميين أو تجار المخدرات؛ ج) هددت جيرانها والسلام العالمي؛ د) امتلكت أسلحة دمار شامل؛ هـ) عرّضت التجارة العالمية والازدهار الأميركي للخطر؛ أو و) استخدمت المدنيين كدروع بشرية.
لم يعترف أي مسؤول أميركي رفيع المستوى قط بمسؤوليته الأخلاقية أو القانونية، حتى بعد مرور عقود على أعمال العنف. ووفقاً للرئيس باراك أوباما، الحائز جائزة نوبل للسلام عام 2009، فقد اتسمت إدارة حرب فيتنام بـ"أخطاء" لا بجرائم، بل قال إن "العار" الحقيقي يكمن في فشل الولايات المتحدة في تكريم المحاربين القدامى العائدين بشكل لائق. ومهما كانت نتائج مغامرة فنزويلا، فلا يتوقع من أي مسؤول في الإدارة التراجع أو الاعتذار.
اعترافٌ مُفاجئ
كان الهجوم على فنزويلا مُدبّراً، ولم يكن مفاجئاً إلا في جانب واحد مهم: لم يُخفِ المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم الرئيس كثير الكلام، دوافعهم، ولم يُقلّلوا من شأن العنف، ولم يُراوغوا، أو بالأحرى، لم يُقدّموا الكثير من التبريرات. قال ترامب، مُضمراً الحقيقة، إن الولايات المتحدة غزت فنزويلا واختطفت رئيسها للسيطرة على صناعة النفط فيها، ولتعويض الشركات الأميركية التي "سُرقت" ممتلكاتها من قبل الحكومة السابقة.
في الواقع، لم يكن قانون التأميم لعام 1976 سرقة، ولم يكن مثيراً للجدل في ذلك الوقت، إلا بالنسبة لأولئك الذين اعتبروه استسلاماً للمصالح الأميركية ومصالح الشركات. فقد دفعت الحكومة الفنزويلية مليار دولار كتعويضات لأكبر شركتين منتجتين للنفط، هما كريول بتروليوم (الولايات المتحدة الأميركية) وشل أويل (شركة متعددة الجنسيات)، وحافظت على اتفاقيات الخدمات القائمة. وفي عام 2007، أصدر الرئيس هوغو تشافيز مرسوماً يقضي بتقليص حصة شركات النفط الأجنبية من عائدات النفط الفنزويلية. لم يرضَ بعض شركات النفط العملاقة، ولا سيما إكسون موبيل وكونوكو/فيليبس، بالتسوية، فرفعت دعاوى قضائية للمطالبة بالتعويض أمام المحكمة الدولية. ووافقت فنزويلا على تسوية أقل مما قضت به المحكمة، ولا تزال المفاوضات جارية.
لكن بالنسبة لأي شخص يتذكر شعار "لا دماء من أجل النفط" الذي رُدد في الاحتجاجات ضد حرب الخليج الأولى (1990-1991) والغزو الأميركي للعراق (2003)، كان اعتراف ترامب صادماً. وإليكم كلماته حرفياً، كما نُشرت في موقعه الإلكتروني "تروث سوشيال":
"يسرني أن أعلن أن السلطات المؤقتة في فنزويلا ستُسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط عالي الجودة، الخاضع للعقوبات، إلى الولايات المتحدة الأميركية.
"سيُباع هذا النفط بسعر السوق، وسأُشرف أنا، بصفتي رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، على هذه الأموال لضمان استخدامها لصالح شعب فنزويلا والولايات المتحدة!"
انتهز الصحافيون وكتّاب الأعمدة وبعض السياسيين الأميركيين هذا الكشف للتأكيد أن تدخل ترامب في فنزويلا لا علاقة له بشحنات المخدرات المزعومة، كما ادعى سابقاً. (في الواقع، لا تُصدّر فنزويلا أي فنتانيل، ولا تُصدّر سوى كميات قليلة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة). بل كان دافعه الجشع وانتقام الشركات. فقد أسهمت مصالح الوقود الأحفوري الأميركية بما يقارب 500 مليون دولار في حملة ترامب الانتخابية لعام 2024، وتعهد الرئيس بإعادة هذا الاستثمار مع فوائده.
كان اعتراف ترامب في جوهره اعترافاً بأثر رجعي ومستقبلي في آن واحد. فإذا كان الغزو الحالي لدولة نفطية كبرى حرباً من أجل النفط، فكذلك الحال بالنسبة للتدخلات السابقة للدول النفطية في الشرق الأوسط. ومهما كانت المبررات الخطابية التي استخدمها بوش الأب عام 1991 (حرمة حدود الكويت) وبوش الابن عام 2003 (أسلحة الدمار الشامل)، فقد بات من المسلّم به الآن أنها مجرد مغالطات.
في الواقع، إن صرح السياسة الخارجية الأميركية برمته قد انهار. وتشير اعترافات ترامب إلى أن السياسة الخارجية الأميركية كانت نسيجاً من الأكاذيب: "الاحتواء"، "الفجوة الصاروخية"، "الإرهاب الإسلامي"، "التوسع السوفياتي"، "التوجه نحو آسيا"، "النظام القائم على القواعد"، وما إلى ذلك. الشيء الوحيد الاستثنائي في السياسة الخارجية الأميركية هو زيفها وحجم ميزانيتها العسكرية التي تدعمها، والتي تتجاوز ميزانيات جميع دول العالم مجتمعة.
"حادثة الكلب الغريبة في الليل"
في قصة آرثر كونان دويل القصيرة "قصة سيلفر بليز" (1892)، يُحل لغز الحصان المسروق ومدربه المقتول بفضل ما عُرف بـ"حادثة الكلب الغريبة في الليل"، اكتشاف شرلوك هولمز أنّ الكلب الحارس للإسطبل لم ينبح، ما يعني أن المجرم كان شخصاً مألوفاً لديه. وقد يُلاحظ محقق شارع بيكر ملاحظة مماثلة اليوم.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة بشأن اعتراف ترامب في فنزويلا هو أنّ "الكلب" لم ينبح، لم يكن هناك غضب شعبي عارم، ولا مطالبات بالتحقيق، ولا دعوات لعزله. وتشير استطلاعات الرأي إلى أنّ نسبة الأميركيين الذين يؤيدون تصرفات الرئيس في فنزويلا (43%) أعلى بقليل من نسبة من يؤيدون أداءه العام (41%). هل كان الأميركيون على دراية مسبقة بالحقيقة التي اعترف بها ترامب؟
لطالما حرصت أجيال من الرؤساء على إخفاء المخططات الإمبريالية خشية أن يرفضها الناخبون ويعاقبوا واضعيها. لكن ترامب أقرّ علناً بأن هدف سياسته الخارجية هو ترهيب الضعفاء وزيادة أرباح الشركات. وقد برر مساعده، ستيفن ميلر، اعتقال مادورو مصادرة النفط الفنزويلي بعبارات نيتشوية: "نحن نعيش في عالم… العالم الحقيقي، تحكمه القوة، يحكمه الإكراه، تحكمه السلطة". وكان وزير الدفاع ووزير الخارجية وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة على القدر نفسه من الصراحة.
كيف نفسّر الظهور المفاجئ لما وصفه تي. جيه. كلارك مؤخراً بـ"سياسة لا يخفى فيها شيء"؟ وما الذي يفسّر هذا التجاهل الجماعي من جانب الأميركيين؟
قد يكون أحد التفسيرات المحتملة للأمر هو أن العنف المروع أصبح غاية في حد ذاته، لا وسيلة، في السياسة الحكومية. إن تصاعد الفوضى التي ترعاها الولايات المتحدة، في غزة، وفي أعالي البحار، وفي إيران، وفنزويلا، وفي الداخل في المجتمعات التي تستهدفها إدارة الهجرة والجمارك، قد يكون نهاية مأسوية للرأسمالية الديمقراطية الأميركية. وقد بدأت تظهر أعراض مقلقة منذ فترة: أحزاب سياسية خاضعة تماماً لمصالح الشركات؛ ناخبون يختارهم ممثلوهم لا العكس (التلاعب بالدوائر الانتخابية)؛ ممثلون عاجزون عن فرض ضرائب على أصحاب المليارات أو تنظيم الشركات خوفاً من نقلهم أو استبدالهم للعمال بالذكاء الاصطناعي.
وبسبب افتقارهم للسلطة الحقيقية، يلجأ ترامب وحاشيته إلى استعراض العنف والحرب، وهو "المجال"، كما يكتب كلارك، "حيث لا تزال الدولة هي صاحبة القرار". وقد قال كلاوزفيتز قولته الشهيرة: "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى". وبشكل متزايد، في عهد ترامب، أصبحت السياسة استمراراً للحرب بوسائل أخرى. تتراجع التشريعات المتعلقة بالمخدرات والهجرة أمام عمليات تفجير قوارب المخدرات المزعومة، وقصف كراكاس، ورعب عملاء إدارة الهجرة والجمارك الملثمين والمسلحين وهم يحاصرون أو يطلقون النار على المهاجرين (وغير المهاجرين) في المدن التي يقودها الديمقراطيون.
هناك تفسيران للامبالاة العامة تجاه اعتراف ترامب باستهدافه فنزويلا لسداد ديون "شركات النفط الأميركية". أولهما، كما ذُكر سابقاً، أن سيطرة شركات مثل إكسون موبيل، وشيفرون، وكونوكو فيليبس، وفاليرو إنرجي، وماراثون بتروليوم، وغيرها، على السياسة الأميركية أمر معروف. لا يحتاج المرء إلى قراءة آدم سميث ليدرك احتكار أسعار النفط؛ فمحطات الوقود المتنافسة التي تبيع البنزين بنفس السعر (بدقة تصل إلى عُشر السنت) تُقدّم للسائقين درساً يومياً في التلاعب بالأسعار. وإذا استمر الأميركيون في التصويت لسياسيين مدينين لشركات النفط، فذلك لأنهم يُدركون، عن حق، أن الاحترام الذي تُبديه هذه الشركات للسياسة لا يختلف كثيراً سواء كان الجمهوريون أم الديمقراطيون في السلطة.
أما السبب الثاني لهذه اللامبالاة الجماعية، فهو أن الناس، مهما كانت دوافعهم، ينتظرون ليروا إن كانوا سيربحون أم سيخسرون من الهجوم على فنزويلا. فإذا انخفضت أسعار البنزين والغذاء والإيجار والرعاية الصحية والتعليم والترفيه، فسيدعمون ذلك. وإن لم يحدث ذلك، فلن يفعلوا. عندما تكون الظروف الداخلية كارثية، تصبح السياسة الخارجية مجرد ضجيج في الخلفية.
آفاق المقاومة
مع ذلك، ينبغي عدم التسليم بأن غالبية الأميركيين سيظلون غير مبالين إلى الأبد بمشهد العنف في الخارج والداخل. استغرق الأمر سنوات، وتزايد عدد القتلى الأميركيين، حتى انقلب الرأي العام ضد حرب فيتنام، ولكن عندما حدث ذلك، تخلت الولايات المتحدة عن ساحة المعركة. وقد أقنعت تهديدات ريغان ومبادرة "حرب النجوم" ملايين الأميركيين بأن بقاءهم يعتمد على احتجاجات مستمرة ضد الأسلحة النووية، وأسفرت هذه التحركات عن سلسلة من معاهدات الحد من الأسلحة النووية مع الاتحاد السوفياتي، والتي ألغى بعض الرؤساء الجمهوريين، بمن فيهم الرئيس الحالي، هذه المعاهدات جزئياً.
بدأت تظهر بالفعل بوادر التعبئة ضد فاشية ترامب (وقد انتهى الجدل حول هذا المصطلح). فقد أدى دعم الحكومة للإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة إلى احتجاجات طلابية حاشدة العام الماضي. كما أدى انتشار عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، وهم أشبه بقوات اقتحام، في المدن التي يقودها الديمقراطيون، إلى دفع الآلاف للانضمام إلى دوريات مدنية لتحذير المهاجرين من المداهمات الوشيكة، ومضايقة القوات الحكومية، غالباً بالتهكم وتسجيل مقاطع فيديو. ويبدو أن هذه المقاطع تُثير غضب العملاء الذين جرى تجنيدهم بوعد أن يصبحوا أبطالاً خارقين كما يرونهم على شاشة التلفزيون.
ورغم أن اليمين المتطرف كان يحتكر وسائل التواصل الاجتماعي حتى وقت قريب، إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير. فمقابل كل من تاكر كارلسون، ونيك فوينتيس، ولورا لومر، وستيف بانون على منصات مثل "X"، ويوتيوب، وإنستغرام، وتيك توك، وتروث سوشيال، يوجد الآن حسن بايكر، وديفيد باركمان، وآنا كاسباريان (من برنامج "الأتراك الشباب")، ومهدي حسن على المواقع نفسها أو من خلال قنواتهم وبودكاستاتهم الخاصة، وبينما لا يزال اليمين يحظى بمتابعة أكبر من اليسار، بدأت الفجوة تتقلص.
لكن ما يحتاجه الراديكاليون والتقدميون في الولايات المتحدة، بقدر أو أكثر مما يحتاجه نجوم وسائل التواصل الاجتماعي، هو ناشطون ومنظمون ميدانيون حقيقيون. فبينما قد يؤثر المؤثرون البارزون على الرأي العام اليومي، وربما حتى على عادات التصويت الدورية، إلا أنه يبدو أنهم لا يمتلكون ذلك التأثير طويل الأمد الذي يُفضي إلى تغيير هيكلي.
ولذلك، نحتاج إلى أشخاص على أرض الواقع، يتحدثون إلى المواطنين عن مخاوفهم، وشعورهم بالعجز، وآمالهم وتطلعاتهم. يستطيع المنظمون الموهوبون، وتزخر الولايات المتحدة بهم، وقد عرفتُ بعضهم، بناء علاقات مع أفراد المجتمع أعمق وأكثر ديمومة من تلك التي تربط المؤثرين بجمهورهم غير المرئي. بإمكانهم مساعدة الناس على فهم مسار حياتهم، والعقبات التي تغلبوا عليها، وكيفية تحقيق المزيد في المستقبل. وهذه الحوارات تُفضي حتماً إلى استراتيجيات لتوحيد الجهود مع الآخرين للتدخل في مراكز القوة.
لن تبدأ الجماعات والأحزاب اليسارية بتحويل السياسة من استعراضات الهيمنة إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية الحقيقية إلا عندما تبدأ بالتوعية والتنظيم في المنازل والمقاهي وأقبية الكنائس والمراكز المجتمعية وقاعات المدارس والشوارع. حينها فقط ستُطلق العدوانية التي شهدناها في فنزويلا وشوارع المدن الأميركية ناقوس الخطر الذي لا يمكن تجاهله، وستُثير مطالب لا يمكن رفضها.
أما مسألة نزاهة انتخابات كانون الثاني/يناير 2025 التي أعادت مادورو إلى الرئاسة، فليست من شأن أميركا أكثر من كون انتخاب دونالد ترامب عام 2016، حين حصل على ثلاثة ملايين صوت أقل من هيلاري كلينتون، مسألة أميركية.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.