"antiwar": عندما لا يعود "النصر" يبرر الحرب على إيران
الاستمرار في الحرب على إيران لم يعد اختباراً للقوة بل للعائد الاستراتيجي، حيث يهدد استنزاف الذخائر والجاهزية قدرة الولايات المتحدة على ردع التحديات الأكبر كالصين.
-
جنود أميركيون في قاعدة عسكرية في رومانيا (أرشيف)
سلّط موقع "antiwar" الأميركي الضوء على تحوّل التقييم الاستراتيجي داخل واشنطن بشأن الحرب مع إيران، حيث أشار إلى أن السؤال الذي يواجه الإدارة الأميركية اليوم لم يعد يتعلق بمقدار القوة المتاحة لمواصلة القتال، بل بمدى جدوى استمرار مهمة غامضة الأهداف تتسبب في استنزاف متزايد للأرواح والذخائر والجاهزية العسكرية المستقبلية.
النص منقولاً إلى اللغة العربية
السؤال الذي تواجهه واشنطن حالياً ليس ما إذا كان بإمكانها مواصلة الحرب، بل ما إذا كانت المهمة ما تزال تستحق التكلفة العالية في الأرواح والذخائر والجاهزية العسكرية المستقبلية التي تنفق عليها.
كشفت قناة "سي إن إن" الإخبارية هذا الأسبوع بأن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، نصح سراً بعض المسؤولين الكبار في إدارة ترامب للبحث عن مخرج من الحرب مع إيران. ووفقاً لثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات، حذر كين من أن أي تصعيد إضافي قد يأتي بنتائج عكسية، وأن القوة الجوية وحدها من غير المرجح أن تحقق أهداف الرئيس دونالد ترامب المعلنة.
مع ذلك، امتنع فريق مساعدي ترامب عن مناقشة المحادثات السرية، بينما أكد البيت الأبيض أن كين يقدم للرئيس خيارات، وليس توصيات سياسية. وهذا التمييز مهم، فالجنرال هو كبير المستشارين العسكريين للرئيس، وليس المسؤول الذي يقرر متى تنتهي الحرب.
لكن التقرير يكشف عن السؤال الذي لم يعد بإمكان واشنطن تجاهله، وهو ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القوة الكافية لمواصلة الحرب، بل مقدار قوتها المستقبلية التي ينبغي أن تنفقها على مهمة لا تزال غايتها السياسية غير واضحة. فالدولة القوية قادرة على مواصلة الحرب، لكن الدولة المنضبطة استراتيجياً يجب أن تدرك أيضاً متى يبدأ القتال المتصاعد في تقويض أمنها بدلاً من تعزيزه.
تكلفة استمرار الحرب
إن الجيش الأميركي وجد لتحقيق أهداف سياسية، لا لجعل استمرار النشاط العسكري هدفاً في حد ذاته. ولذلك تحتاج أي مهمة إلى غاية محددة، ومعيار قابل للقياس للنجاح، وعلاقة منطقية بين المكاسب المتوقعة والتكاليف، وعندما لا يستطيع التصعيد العسكري إيجاد فرص لتحقيق النتيجة السياسية المرجوة فإن القدرة على مواصلة الهجوم لا تعتبر بحد ذاتها استراتيجية.
وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت في الأسبوع الماضي بأن الولايات المتحدة استخدمت كمية كبيرة من مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة خلال النزاع الذي استمر 5 أشهر، كما تعرضت مخزونات الدفاع الجوي المتقدمة لنقص أيضاً. لكن، الرئيس ترامب نفى نقص الذخائر لدى الجيش، مؤكداً أن "الولايات المتحدة لديها أكثر مما تحتاج". إلا أن الخلاف حول مستويات المخزون الدقيقة لا يلغي القضية الاستراتيجية الأساسية، وهي أن استبدال الذخائر المتطورة يستغرق وقتاً.
لا يمكن التعامل مع جميع النفقات العسكرية بالطريقة ذاتها، حيث يمكن تخصيص الأموال، واستبدال بعض الأسلحة في نهاية المطاف، لكن إعادة تصنيع الأسلحة تحتاج إلى وقت طويل، بينما لا يمكن استعادة أرواح الجنود الأميركيين. ولذلك، لكل عملية تكلفة فرصة بديلة، فالموارد المخصصة للحرب على إيران هي موارد لا يمكن الاحتفاظ بها وبمستوى الجاهزية ذاته لأي طارئ آخر.
وهذا الأمر بالغ الأهمية، لأن الولايات المتحدة لا تحتفظ بجيشها لحروب اليوم فقط، واستراتيجيتها للدفاع الوطني لعام 2026 تولي اهتماماً كبيراً لردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع الحفاظ على التزاماتها وشراكاتها في أوروبا و"الشرق الأوسط". وبالتالي، فإن حرب استنزاف مطولة في جبهة ما قد تؤثر في الردع في جبهة أخرى. والمقياس الحقيقي للقوة لا يكمن فقط في حجم القوة التي تستطيع أميركا استخدامها اليوم، بل في الخيارات العسكرية المتاحة غداً.
لهذا السبب، فإن التساؤل عما إذا كانت المهمة تستحق أرواح الأميركيين وقدراتهم العسكرية المحدودة ليس حجة مناهضة للجيش، بل هي دعوة إلى استخدامه بانضباط. ويجب وضع أفراد الخدمة في مناطق الخطر عندما يكون هناك هدف سياسي واضح، وحاجة أمنية حقيقية، واحتمال معقول بأن العمل العسكري سيحقق النتيجة المتوخاة، والاستمرار في الحرب لمجرد إظهار أن الولايات المتحدة لن تتراجع يخاطر باستبدال الاستراتيجية بالرمزية السياسية.
تحديد النهاية قبل التصعيد مجدداً
كذلك تكشف التصريحات العلنية للإدارة الأميركية بشأن الحرب عن مشكلة. ففي بدايتها حدد البيت الأبيض عدة أهداف، وهي القضاء على التهديد النووي الإيراني، وتدمير ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وإضعاف شبكات حلفائها، وشل قواتها البحرية. هذه الأهداف ليست متطابقة، ويتطلب كل هدف منها مستوى مختلفاً من النجاح.
إذا كان الهدف هو القضاء على التهديد النووي، فإن واشنطن بحاجة إلى معيار موثوق لتحديد القدرات التي دمرت وما يمكن إعادة بنائه. وإذا كان الهدف هو "تغيير سلوك طهران"، فإن السؤال المهم هو ما إذا كانت الهجمات الإضافية تزيد احتمالية "تغيير السلوك" أم تقللها. وإذا كان الهدف هو التوصل إلى تسوية تفاوضية، فعلى واشنطن أن تقيم ما إذا كان الضغط العسكري يحسن موقفها التفاوضي أم يصعد المقاومة الإيرانية. فإذا اتسع نطاق الأهداف خلال الحرب، فإن الإدارة ملزمة بتقديم توضيح للجمهور بشأن الغاية الجديدة.
بإمكان مؤيدي استمرار الضغط تقديم حجج قوية، لكن خفض التصعيد في ظل استمرار إيران في المقاومة قد يُفسر في طهران على أنه دليل على جدوى الصبر. وقد يُضعف ذلك من قوة التفاوض الأميركية، ويطمئن إيران بأن واشنطن تفتقر إلى القدرة على الاستمرار، ويجعل التهديدات القسرية المستقبلية أقل مصداقية، ولا ينبغي تجاهل هذه المخاطر.
لكن هذه الحجة لا تصح إلا إذا كان التصعيد العسكري الإضافي يدفع الولايات المتحدة فعلاً نحو تحقيق نتيجة سياسية محددة بتكلفة مقبولة. فالعزيمة لا تقاس بمدة الحرب، وإذا استنزفت الهجمات الإضافية القدرات الشحيحة دون تحسين ملموس لاحتمالية تحقيق الهدف، فإن الاستمرار فيها قد يضعف النفوذ الذي يراد إظهاره.
هنا يجب أن تتلاشى وصمة "عار الانسحاب" لأنه ليس بالضرورة استسلاماً، والتفاوض ليس بالضرورة ضعفاً، وتقليص العمليات العسكرية ليس هزيمة تلقائية. فإذا تحققت الأهداف الأساسية، أو إذا وصل العمل العسكري إلى مرحلة استهلاك العائدات الاستراتيجية، فإن تغيير المسار قد يحافظ على القوة الأميركية بدلاً من تبديدها.
البديل هو منطق حساب التكاليف الكبيرة، بما أن الأرواح والأموال والذخائر قد أنفقت بالفعل، بينما واشنطن استنتجت أنها يجب أن تنفق المزيد حتى لا تبدو التكاليف السابقة قد أهدرت. لقد أدى هذا المنطق إلى إطالة أمد الحروب من قبل. ويمكن للتضحيات السابقة أن تفسر صعوبة اتخاذ القرار، لكنها لا تبرر وحدها التضحيات المستقبلية.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لسياسة ترامب تجاه إيران لن يكون عدد الأهداف المدمرة أو المدة التي ظلت فيها الولايات المتحدة مستعدة للقتال، بل سيكون ما إذا كانت أميركا ستخرج من هذا الصراع أكثر أماناً، وأقوى استراتيجياً، وأكثر استعداداً لمواجهة التهديد المقبل.
الولايات المتحدة قوية بما يكفي لمواصلة الحرب، لكن هذا لا يعني بالضرورة وجود مبرر كاف لذلك. يجب أن يكون المعيار موضوعياً، مع مراعاة النتائج والتكلفة. إذا كانت أرواح الأميركيين، والذخائر التي يصعب استبدالها، والجاهزية العسكرية المستقبلية تزهق، فعلى الإدارة أن تثبت أن العائد الاستراتيجي يبرر الثمن. وإذا لم تستطع، فإن البحث عن مخرج ليس اعترافاً بالضعف، بل موقف حكيم.
نقله إلى العربية: حسين قطايا