"واشنطن بوست": هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل تكاليف حرب كبرى؟

هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تقول إن أكبر تهديد للأمن القومي الأميركي يأتي من الداخل.

0:00
  • "واشنطن بوست": أكبر تهديد للأمن القومي الأميركي يأتي من الداخل

هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تنشر مقالاً يتناول العلاقة بين الدين العام الأميركي والقدرة على تمويل الدفاع والحروب مستقبلاً، موضحاً كيف يهدد تضخم الدين والإنفاق غير الدفاعي قدرة الولايات المتحدة على تمويل الحروب وتحديث جيشها، بما قد يتحول إلى خطر على الأمن القومي.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

للعدو رأي في الشؤون الخارجية، ولا أحد يعلم ما يخبئه لنا العقد القادم. هل ستغزو الصين تايوان؟ هل سيحتاج حلفاء "الناتو" إلى الدفاع ضد روسيا؟ هل سيستدعي الإرهاب في الشرق الأوسط أو أفريقيا رداً من الولايات المتحدة؟ هل سيستدعي تهديد ناشئ آخر تحركاً أميركياً؟

الميزانية الفيدرالية غير مستعدة لمثل هذه الاحتمالات. بالنظر إلى حجم العجز وحده، قد يظن المرء أنّ الولايات المتحدة تخوض حرباً أوسع نطاقاً بكثير من قصف إيران المتقطع. إنّ عبء الاقتراض الإضافي لتمويل صراع شامل ومطول قد يدفع الميزانية إلى منطقة أكثر خطورة مما هي عليه الآن.

قال رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، مايكل مولين، في عام 2010، عندما كان الدين الوطني أقل بنحو 27 تريليون دولار مما هو عليه اليوم: "إن أخطر تهديد لأمننا القومي هو ديوننا".

يُعدّ الأمن القومي الغاية الأساسية للحكومة الفيدرالية. وعلى مدار جزء كبير من التاريخ الأميركي، شكّلت نفقات الدفاع الجزء الأكبر من الإنفاق الفيدرالي. وكان من الممكن تحديد الحروب بمجرد النظر إلى ذروة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ثم، بعد انتهاء الحرب، تعود هذه النسبة إلى الانخفاض مع تراجع الحاجة إلى الاقتراض. لكن الوضع تغيّر الآن، إذ طغى الإنفاق غير الدفاعي على الإنفاق الدفاعي.

كان الانتصار في الحرب العالمية الثانية مكلفاً، وفي عام 1945، شكّل الإنفاق على الدفاع الوطني 90% من النفقات الفيدرالية. وخلال حرب فيتنام، تراوحت النسبة بين 35% و50%. وبحلول عام 1999، بعد انتهاء الحرب الباردة وتحقيق مكاسب السلام، انخفضت حصة الدفاع إلى 16%. وحتى الحروب في أفغانستان والعراق بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 لم ترفع الإنفاق الدفاعي إلا قليلاً، إلى ما يزيد على 20% من الإنفاق الفيدرالي.

يُمثل الإنفاق الدفاعي هذا العام 13% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن ينخفض هذا الرقم إلى خانة الآحاد بحلول عام 2035. وبدءاً من عام 2032، سيُخصص أكثر من نصف الإنفاق الفيدرالي للضمان الاجتماعي وبرامج الرعاية الصحية الرئيسية.

وبالطبع، لا تزال الولايات المتحدة تُنفق مبالغ طائلة على الدفاع، تتجاوز 900 مليار دولار هذا العام. أحد أسباب ارتفاع ميزانية الدفاع الأميركية مقارنةً بغيرها من الدول هو كون الولايات المتحدة دولة ذات أجور مرتفعة وقوات عسكرية تعتمد كلياً على المتطوعين. فبدلاً من إجبار الأفراد على الخدمة، يتنافس الجيش مع أصحاب العمل في القطاع الخاص على استقطاب العمال.

كان لإلغاء التجنيد الإجباري أثر إيجابي في الحريات الشخصية، ويحقق الجيش أهدافه في التجنيد بنجاح. إلا أن الاعتماد على المتطوعين بدلاً من المجندين يعني أن رواتب الجنود يجب أن تُشكل جزءاً كبيراً من ميزانية الجيش، كما أن خفض المزايا يجعل وزارة الدفاع أقل جاذبية كجهة توظيف.

يُخصص نحو 40% من ميزانية البنتاغون لتعويض الأفراد العسكريين أو الموظفين المدنيين. ويُعدّ الجيش الهندي جهة توظيف أكبر من الجيش الأميركي، وتتجاوز تكاليف تعويضات أفراده ميزانية الدفاع الهندية بأكملها بأربعة أضعاف تقريباً. وترتبط زيادات رواتب العسكريين قانوناً بمتوسط زيادات رواتب القطاع الخاص، ما يعني أن تكاليف رواتب البنتاغون تنمو بمعدل مماثل تقريباً لمعدل نمو الاقتصاد ككل.

ونظراً إلى تأخر جهود تحديث الدفاع لسنوات، تحتاج الولايات المتحدة إلى تجديد قواتها التقليدية وقدرتها على الردع النووي في آنٍ واحد. وتعتمد أركان الثالوث النووي الثلاثة (القاذفات والغواصات والصواريخ الأرضية) على تكنولوجيا عفا عليها الزمن. وقد أظهر الصراع الإيراني أن الجيش والبحرية والقوات الجوية تعاني من نقص حاد في الموارد. وقد بدأت جهود التحديث جزئياً، وستستمر حتى ثلاثينيات القرن الحالي وما بعدها.

ثمّة احتياجات مستقبلية غير معروفة. تتطلب حرب الطائرات المسيّرة، استناداً إلى تجربة أوكرانيا، أنظمة شراء أكثر مرونة، إذ يمكن أن تصبح التكنولوجيا قديمة في غضون أشهر بدلاً من عقود. صحيح أن كل وحدة من التكنولوجيا غير المأهولة رخيصة، لكن التكاليف تتراكم بسبب الكم الهائل من الطائرات المسيّرة المطلوبة وسرعة نفادها. لن تحلّ الطائرات المسيّرة محلّ الأسلحة التقليدية الأكثر تكلفة، على الأقل ليس في الوقت الراهن، لذا ستُمثّل تكلفة إضافية في ثلاثينيات القرن الحالي. ولن تُغني عن الإنفاق الحالي.

هناك الكثير مما يمكن لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) فعله لزيادة كفاءتها. فهي بيروقراطية حكومية كغيرها، عُرضة للتضخم، حيث يقيس البيروقراطيون نجاحهم بحجم ميزانياتهم. إن سوق الدفاع غير التنافسية بطبيعتها، حيث يتعامل عميل واحد مع عدد قليل من المقاولين، لا تُساعد على تحقيق فعالية التكلفة.

لكن الإنفاق الدفاعي ليس هو المحرك الرئيسي للدين الوطني. يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن ينمو الإنفاق الدفاعي بوتيرة أبطأ من نمو الاقتصاد خلال العقد القادم، ما يعني أنه سيُخفّض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي المتوقعة. بالطبع، هذه توقعات أساسية تفترض عدم وقوع حروب، ولا تشمل مقترحات مثل ميزانية الدفاع السنوية التي يرغب بها الرئيس دونالد ترامب والبالغة 1.5 تريليون دولار.

للتوضيح، فإن تكلفة حاملة طائرات من فئة جيرالد فورد، البالغة 13 مليار دولار، تعادل تقريباً نفقات الضمان الاجتماعي لثلاثة أيام. وبلغت تكلفة جميع مشتريات الأسلحة حتى عيار 30 ملم لجميع فروع الجيش في عام 2025 نحو 650 مليون دولار، أي أقل من نفقات الضمان الاجتماعي لأربع ساعات. أما التكلفة الإجمالية المتوقعة لشراء وتشغيل وصيانة وتحديث وتزويد برنامج طائرات إف-35، المعروف بتكلفته الباهظة، بالوقود طوال دورة حياته الممتدة 94 عاماً، فهي أقل من إنفاق العام الماضي، البالغ 2.3 تريليون دولار، على برنامجي الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.

إنّ الدفاع عن الوطن هو المسؤولية الأساسية لواشنطن. ومن المتوقع أن تقترض الحكومات في زمن الحرب وتسدد ديونها في زمن السلم. إن استنزاف سوق الدين الحكومي إلى أقصى حد في زمن السلم يُعدّ تقصيراً في أداء الواجب، وفي نهاية المطاف، خطراً على الدفاع الوطني.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.