"نيويورك تايمز": التراجع المأساوي للبحرية الأميركية

الهيمنة البحرية الأميركية تتراجع أمام صعود الصين وتصاعد التهديدات للممرات المائية، ما ينذر بتقويض ركائز التجارة العالمية وزعزعة استقرار النظام الدولي القائم.

  • البحرية الأميركية

سلّطت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الضوء على التراجع التدريجي للهيمنة البحرية للولايات المتحدة، محذرة من أن انشغال واشنطن بالحروب البرية الطويلة قد سمح لمنافسين مثل الصين بتجاوزها في عدد السفن، ما يضع مستقبل التجارة العالمية والنظام الدولي القائم على الممرات المائية المفتوحة في خطر داكن.

في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

كان ألفريد ثاير ماهان، الضابط البحري البارز في القرن الـ19 والخبير الاستراتيجي العسكري المرموق، يؤمن بأن بلاده الفتية مُقدَّر لها أن تصبح عظيمة بفضل أسطولها البحري. وفي أواخر خدمته، ألّف ماهان، الذي كان آنذاك نقيبًا في البحرية الأميركية، كتاباً تاريخياً عن عصر السفن الشراعية. وقد قرأه بشغف ملوك ورؤساء وزراء ورؤساء دول — بمن فيهم ثيودور روزفلت، والقيصر فيلهلم الثاني، ووينستون تشرشل في شبابه — بحيث طرح هذا الكتاب فكرة عالم حرّ يرتكز على القوة البحرية الأميركية.

وكان ماهان يرى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى عدد كبير من السفن لخوض معارك حاسمة والحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة واستمرار حركة التجارة الدولية. وقد تحققت هذه الرؤية، التي جمعت بين البعد الإنساني والمصلحة الذاتية، سريعاً ابتداءً من الحرب الإسبانية-الأميركية التي دعمها ماهان بحماسة. وبعد الحرب العالمية الثانية، امتلكت البحرية الأميركية نحو 7 آلاف سفينة، وواصلت هيمنتها على المحيطات طوال نصف القرن التالي. وهكذا، شرعت الولايات المتحدة، بما تتمتع به من موقع جغرافي متميز يطل على محيطين، في رسم مسارها الإمبراطوري، مستندةً إلى قوة بحرية تدعم قيمها.

لكن ثمة مفارقة كامنة في هذا التوسع المفاجئ للقوة الأميركية. فكما كتب ماهان، فإن "أمة مسالمة محبة للمكاسب" مثل الولايات المتحدة "ليست بعيدة النظر، وبُعد النظر ضروري للاستعداد العسكري الكافي".

وبعد مرور أكثر من 130 عاماً على كتابات ماهان، أثبتت الولايات المتحدة صحة مقولته إلى حدٍّ كبير، إذ قامت بتقليص إنفاقها العسكري عقب النزاعات، وانشغلت بسلسلة من الحروب البرية المشتتة في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، تشهد البحرية الأميركية تراجعاً مقارنةً بتاريخها وبنمو البحرية الصينية، كما فقدت السيطرة على أهم الممرات المائية الحيوية في العالم التي كانت تهيمن عليها في مطلع القرن الـ21. و أصبح بحر الصين الجنوبي، الذي يمر عبره ما يصل إلى 40% من التجارة البحرية العالمية فضلاً عن النفط والغاز الطبيعي، خاضعاً لهيمنة الصين. كما يتعرض مضيق باب المندب، وهو نقطة عبور حيوية للخروج من البحر الأحمر، لهجمات اليمنيين.

والآن، يمكننا إضافةً مضيق هرمز إلى القائمة. فهذا المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلًا بحريًا في أضيق نقاطه، لا يتيح لناقلات النفط والسفن الكبيرة الأخرى سوى ممر محدود للعبور. وقد تمكّن النظام الثوري الإسلامي في إيران، مستفيدًا من ساحل مليء بالجبال والخلجان، من تعطيل هذا الممر المائي فعليًا باستخدام الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام. قد تكون السفن الحربية الأميركية قادرة على فرض حصار، لكن البحرية لا تزال عاجزة عن فتح المضيق. وحتى في هذه الحالة، فإن تركيز هذا العدد من السفن الأميركية في المنطقة يستنزف موارد كان ينبغي توظيفها في الدوريات وإبراز القوة في المحيط الهادئ. فبينما كانت الولايات المتحدة في السابق قادرة على تأمين جميع مواقعها أو نقاط الاختناق الحيوية، فإنها اليوم، وفي ظل مرحلة التراجع التدريجي الذي تشهده، باتت مضطرة إلى اتخاذ خيارات صعبة.

ولم يكن بإمكان النخب العالمية في منتديات مثل منتدى "دافوس" ومجموعة "بيلدربيرغ" أن تنجح لولا وجود البحرية الأميركية، حتى وإن لم يكن بعض أفراد هذه النخبة مدركين لذلك. فعلى الرغم من أننا نعيش في عصر الطيران، فإن ما بين 80% و90% من التجارة العالمية من حيث الحجم يُنقل عبر البحار. وهذا يعني أن هذه البحار يجب أن تبقى آمنة نسبياً، لا سيما في مناطق مثل مضيق هرمز. وتُظهر التحديات الأخيرة التي واجهتها دبي، بوصفها أحد رموز العولمة، مدى هشاشة عالمنا، وما كان عليه دائماً. 

وفي حال لم تحقق البحرية الأميركية زيادة ملحوظة من حيث الحجم، فقد تكون العواقب كارثية على العالم بأسره. فالتجارة الحرة، وتدفقات رأس المال العالمية، والهجرة — وهي ركائز القوة العالمية للولايات المتحدة — لن تكون ممكنة من دون بحرية أميركية قوية. الأمر بهذه البساطة.

قبل عقد من الزمن، خدمتُ في لجنة استشارية تابعة لرئيس العمليات البحرية، وكانت موضوعات النقاش تدور غالباً حول حوادث تصادم السفن، والأعطال، والصعوبات العامة في صيانة السفن الحربية، إلى جانب تصاعد التهديد البحري الصيني.

علاوةً على ذلك، وكما تعلمتُ بصفتي أستاذاً في الأكاديمية البحرية الأميركية خلال حربي العراق وأفغانستان، فإنّ القوات البحرية الصينية والهندية كانتا من أشدّ المؤيدين لأفكار ماهان. وقد خفت بريق أفكاره نسبياً في أنابوليس، على الرغم من وجود مبنى يحمل اسمه هناك. وفي حين كان دور البحرية الأميركية قد تضاءل علناً آنذاك، كانت بكين ونيودلهي تُركّزان على التوسع البحري وتعزيز قدراتهما القتالية. وللتعويض عن ركود عدد سفنها الحربية، سعت البحرية الأميركية إلى تعزيز الشراكات مع بحريات الدول الحليفة كوسيلة لإخفاء تراجعها النسبي.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، حذّرتُ في مجلة "ذا أتلانتيك" من "التراجع الأنيق" للبحرية. وأكدتُ أن عدد السفن في البحار سيصبح في نهاية المطاف أكثر أهمية من عدد الجنود على الأرض. لكن القوة البحرية كانت أبعد ما تكون عن اهتمامات الناس وسط النقاشات المحمومة حول مكافحة التمرد في العراق وأفغانستان، وكيفية عكس مسار التراجع في أوضاعنا داخل صحارى الشرق الأوسط الكبرى المضطربة.

وهذا أمرٌ مُقلق، إذ لطالما كانت القوة البحرية المقياس الأدق لقدراتنا الوطنية. فالبحرية الأميركية تُعد الأداة الاستراتيجية الرئيسة للبلاد، وليست ترسانتنا النووية. فالأسلحة النووية، وفقاً للعقيدة العسكرية الغربية منذ نهاية الحرب الباردة، أشبه بغنائم حرب لا يمكن استخدامها أبداً، بينما البحرية تمثل "فريقنا العامل خارج الحدود"، كما قال لي مسؤول في البنتاغون ذات مرة. إذ يمكنك نقل مجموعة حاملة طائرات ضاربة - بما فيها من طرادات ومدمرات وفرقاطات وغواصات، فضلاً عن آلاف الضباط والبحارة الذين يُشغلون أسلحة كافية لتدمير مدينة - إلى منتصف الكرة الأرضية من دون أي نقاش في الكونغرس أو وسائل الإعلام. وهذا أمر لا يمكن تحقيقه بالقوات البرية.

لكن كل ذلك مكلف للغاية. فحاملة طائرات واحدة من طراز "فورد"، تعمل بالطاقة النووية بكامل قدرتها التشغيلية وتضم ما يصل إلى 90 طائرة مقاتلة ومروحية، قد تصل كلفتها إلى نحو 20 مليار دولار. وتحتفظ البحرية الأميركية بـ11 حاملة طائرات في أي وقت. كما يمكن أن تتجاوز كلفة الغواصة الجديدة المزودة بصواريخ باليستية 10 مليارات دولار، بينما تزيد كلفة المدمّرة المزودة بصواريخ موجهة على ملياري دولار. وتشغّل البحرية نحو 70 غواصة (معظمها غواصات هجومية أقل كلفة، وليست من فئة الصواريخ الباليستية) و80 مدمّرة، إضافةً إلى الطرادات والفرقاطات وسفن الإمداد وغيرها.

وجميع هذه السفن تتقادم مع مرور الوقت، ويتعيّن استبدالها كل بضعة عقود. وتُقدَّر تكلفة صيانة البحرية الأميركية، ناهيك عن تطويرها أو توسيعها، بتريليونات الدولارات. ولا نبالغ إن قلنا إن الأموال التي أُنفقت على حربي العراق وأفغانستان كانت كافية لبناء أسطول بحري جديد بالكامل. 

ويُبيّن المؤرخ بول كينيدي، من جامعة "ييل"، في كتابه الصادر عام 2022 "النصر في البحر" (Victory at Sea) كيف يمكن تتبع صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى من خلال عدد السفن الحربية التي قامت ببنائها. ففي حين كانت البحرية الأميركية تملك أقل من 800 سفينة في بداية الحرب العالمية الثانية، ارتفع العدد إلى نحو 7 آلاف سفينة في نهايتها، في حين انهارت أو تقلص حجم أساطيل الدول المنافسة الأخرى. أما اليوم، ووفق آخر الإحصاءات، فيبلغ عدد السفن العاملة نحو 290 سفينة. وعلى الرغم من أنها تمتلك قوة نارية تفوق بكثير أسطول منتصف القرن الـ20، فإن نحو ثلثها فقط يكون منتشراً في أقاصي البحار في أي وقت، وبكون ثلث آخر في مناورات تدريبية، بينما يخضع الثلث المتبقي لأعمال الصيانة. وبالمقارنة، شهد أسطول البحرية الصينية نمواً يصل إلى نحو 400 سفينة، بالإضافة إلى مئات سفن الإمداد. وعلى الرغم من تفوق جودة أسطولنا، إلا أن الصين تعمل بسرعة على تقليص هذه الفجوة أيضاً.

وخلال عهد أوباما، كثّفت الصين احتلالها للجُزر والمعالم الجغرافية الصغيرة في بحر الصين الجنوبي، إلى جانب بناء منشآت عسكرية ونشر مزيد من قواتها البحرية هناك. وبما أنّ هذا التصعيد كان مدروساً وتدريجياً، واجهت البحرية الأميركية صعوبة في الرد من دون أن تبدو وكأنها تبالغ في ردة فعلها أو تُثير نزاعاً. ولا تزال الولايات المتحدة تبحث عن الطريقة المناسبة للتعامل مع هذا التحدي.

ونأخد في الاعتبار أنه كلما دخل الأسطول مرحلة من الركود، أصبحت الكمية تعادل الجودة، إذ لا يمكن لسفينة حربية أن تتواجد في مكانين في الوقت نفسه. إن الحشد الأميركي قرب مضيق هرمز يضعف قدرة الردع في مواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي وبالقرب من تايوان. ولا يشمل ذلك حتى مسألة فترات الانتشار الطويلة الحالية، التي أدّت إلى مشكلات في الصيانة وفرضت ضغوطاً كبيرة على الطواقم وعائلاتهم. فحاملة الطائرات "جيرالد آر. فورد"، المنتشرة في الشرق الأوسط ويخدم على متنها أكثر من 4,500 فرد، أمضت في البحر حتى الآن 10 أشهر، وهو رقم قياسي منذ نهاية الحرب الباردة.

وليس واضحاً ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة بناء أسطول بحري جديد حتى لو توفر لها التمويل والإرادة السياسية. فعلى مر العقود، انخفض عدد أحواض بناء السفن الخاصة والعامة، وتواجه الأحواض المتبقية صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بقوتها العاملة من اللحامين والكهربائيين، ما يعني أن قاعدة المعرفة اللازمة لهذه المهارات المتخصصة في بناء السفن تتقلص وتشيخ. ومما زاد الطين بلة، إلغاء البحرية الأميركية في عام 2025 معظم فرقاطات فئة "كونستليشن" بسبب تجاوزات هائلة في التكاليف. وكان استعصاء حل هذه المشكلة أحد العوامل التي دفعت وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى إقالة وزير البحرية جون فيلان مؤخراً، والذي شعر هيغسيث بأنه لا يتحرك بالسرعة الكافية لإعادة بناء الأسطول.

في خضم كل ذلك، واصلت الصين تعزيز قوتها البحرية بوتيرة متسارعة. وقد بدأت هذه الجهود بجدية عقب قيام إدارة بيل كلينتون بنشر مجموعتين من حاملات الطائرات الهجومية بالقرب من مضيق تايوان خلال أزمة عام 1996. وقد صُدم الصينيون من هذه الخطوة الجريئة، وعزموا على ألا يظهروا مرة أخرى بمثل هذا الضعف والهشاشة. والنتيجة اليوم هي امتلاك الصين لقوة بحرية منافسة أكبر من قوتنا. وربما لم يعد بإمكان الولايات المتحدة حالياً تنفيذ استعراض مماثل للقوة قرب تايوان من دون المخاطرة بإشعال نزاع مسلح. 

وفي مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، استخدم اليمنيون طائرات مسيرة وصواريخ لمهاجمة السفن القريبة. وفي محاولة لحماية هذا الممر المائي، أطلقت البحرية الأميركية صواريخ من مدمراتها القريبة باتجاه اليمنيين، لكن حل المشكلة يتطلب حرباً أوسع نطاقاً. فالقدرة القتالية لليمنيين تعتمد على وسائل منخفضة التكلفة مقارنةً بالمدمرات الأميركية التي تبلغ كلفتها مليارات الدولارات. كما أن هذا التحول في طبيعة الحرب يصب في مصلحة الدول الفقيرة وجماعات المقاومة المسلحة.

في منتصف القرن الـ19، تمكنت البحرية الملكية البريطانية، بالتعاون مع شركة الهند الشرقية البريطانية، من حماية المشيخات والإمارات العربية في الخليج العربي. وقد أسهم ذلك في تأمين طريق التجارة الممتد من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الهند، المستعمرة التابعة للتاج البريطاني. وكانت جميع نقاط الاختناق مؤمّنة بفضل الاستعمار الأوروبي.

وأشار الباحث في جامعة برينستون آرون فريدبيرغ في كتابه " The Weary Titan" إلى أنّ تراجع البحرية الملكية البريطانية، التي كانت الضامن لقوة الإمبراطورية البريطانية، بدأ مع مطلع القرن الـ20 عندما اتضح أنها لم تعد قادرة على أداء جميع مهامها في آنٍ واحد. ولذلك، بدأت بريطانيا تبحث عن دعم عبر المحيط الأطلسي، في الوقت الذي كان ألفريد ثاير ماهان يدعو إلى تعزيز الوجود البحري الأميركي في الخارج. وبفضل حصول بريطانيا (على الرغم من كل عيوبها) على دعم من إمبراطورية أنغلوساكسونية أخرى أكبر وأكثر حباً للحرية — أي الولايات المتحدة (على الرغم من عيوبها أيضاً) — تمكنت من المضي قدماً والفوز بحربين عالميتين حتى بعد مرور نصف قرن على بدء تراجعها.

قد لا نكون محظوظين إلى هذا الحد. فالصين وروسيا قوتان تسعيان إلى مراجعة النظام العالمي أكثر من كونهما محبتين للحرية. ولا يمكن حماية النظام العالمي من تدخلهما من دون أسطول بحري ضخم ومتنامٍ. وبحريتنا لا تتوسع، بل تعاني من نقص متزايد في الموارد. خلال ولايته الأولى، اقترح الرئيس ترامب أسطولاً بحرياً أكبر بكثير يضم ما يزيد عن 355 سفينة حربية. وسيتحدد مصير هذا المقترح بناءً على الصراعات الحزبية والسيولة المتاحة في اقتصاد مثقل بالديون. ومما يزيد الطين بلة إصرار ترامب، بدافع من غروره، على فئة جديدة من البوارج الحربية تحمل اسمه. 

وسيؤدي ارتفاع درجة حرارة المحيط المتجمد الشمالي نتيجة لتغير المناخ إلى تفاقم الوضع. فـالصين بدأت بالفعل توجّه جزءاً من طاقتها البحرية نحو القطب الشمالي. كما أن روسيا، وهي قوة شبه حبيسة برياً في الشمال — حيث تُغلق موانئها بالجليد لنصف العام — قد تشهد زيادة كبيرة في قوتها البحرية. ومن أي زاوية نظرنا، فإننا نتجه نحو بيئة دولية متعددة الأقطاب تتسم بعدم الاستقرار.

ومع تحوّل أساليب الحرب نحو منح الأفضلية للقوى الأضعف، وصعود الصين كقوة بحرية عظمى، وتأثير تغير المناخ الذي يصب في مصلحة روسيا، سيواجه سلاح البحرية الأميركية صعوبة بالغة في الحفاظ على هيمنته خلال العقود القادمة. وكانت حربا العراق وأفغانستان كارثيتين من نواحٍ عدّة، لكنهما زودتا الجيش ومشاة البحرية بدروس قيّمة. في المقابل، لم يخض سلاح البحرية، الذي غاب عن الأنظار خلال عقد من حروب الشرق الأوسط، أي معركة على مستوى الأسطول منذ معركة خليج ليتي ضد اليابانيين قرب الفلبين عام 1944.

قد تبدو البحرية الأميركية مهيمنة في الوقت الراهن، لا سيما في ظلّ تصريحات الرئيس ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث ومقترحاتهما لبناء المزيد من السفن. لكن لا تنخدعوا. 

وكثيراً ما تُستحضر أزمة السويس عام 1956 للمقارنة مع العملية الأميركية الحالية في الخليج العربي. فكلتاهما انطوت على نقاط اختناق بحرية رئيسة، وصراعٍ حول من يسيطر عليها، القوات الغربية أم القوى المحلية. علاوة على ذلك، شكلت أزمة السويس نجاحاً عسكرياً، لكنها فشلت سياسياً. فقد تمكنت الجيوش البريطانية والفرنسية والإسرائيلية من السيطرة على منطقة القناة، في محاولةٍ لمنع تأميم مصر للممر المائي، لكنها اضطرت للتراجع أمام مطالب الرئيس دوايت أيزنهاور، وقدرة الزعيم المصري جمال عبد الناصر على حشد شعبه.

وحتى وإن كانت النتيجة النهائية للحرب مع إيران غير محسومة، فإن الولايات المتحدة قد تخسر حتى في حال تحقيقها نصراً. فالصراع يشكّل جزءاً من عملية استنزاف وتشتيت عسكري واقتصادي، في وقت تواصل الصين وروسيا تهديد النظام العالمي واستغلال انشغال واشنطن.

وُلِد ألفريد ثاير ماهان عام 1840 في ويست بوينت، وهو ابن أستاذ في الأكاديمية العسكرية الأميركية. ويحمل اسمه الأوسط "ثاير" تكريماً لـسيلفانوس ثاير، الذي يُعرف بـ"أب الأكاديمية العسكرية" والذي ارتقى بالمؤسسة إلى معايير حديثة. وقد تبدو فكرته عن بحرية عظيمة ومتنامية أشبه بحلم دعاة الحروب، إلا أن ماهان كان واقعياً. فقد دعا إلى بناء أسطول قوي لهدف محدد، لأنه كان يؤمن بالرسالة الروحية للولايات المتحدة.

أيّ نوعٍ من العالم نرغب بالعيش فيه؟ إن عالمًا توحّده الديمقراطيات التي تلتزم بمعايير معيّنة لحقوق الإنسان لا ينسجم مع بحريةٍ ضعيفة. ذلك لأن عالمًا مستقراً وإنسانياً يتطلّب ازدهاراً اقتصادياً، وهذا بدوره يعتمد على تجارة عابرة للقارات تسير من دون عوائق تُذكر، وهذا الأمر يتطلب ممراتٍ مائية آمنة.

لقد أسهمت الممرات المائية الآمنة في جعل الولايات المتحدة قوةً عظمى في القرن الـ20، وإذا أرادت الولايات المتحدة والعالم مواصلة الازدهار، فستظل البحار الآمنة ضرورة خلال القرن الـ21. ومن السهل القول إن تحالفًا من القوات البحرية العالمية قادر على تحقيق ذلك، لكن الواقع أن مثل هذا التحالف يحتاج إلى قيادة. وإذا أردنا تجنب إفقار القرن الـ21، فلا بد أن يكون الفكر الماهاني في صميم هذا التغيير.

نقله إلى العربية: زينب منعم.