"نيويوركر": دبلوماسية الدولار لجاريد كوشنر
يمثّل صهر دونالد ترامب، جاريد كوشنر، نموذجاً من الشخصيات في واشنطن التي يصبح فيها المنصب العام وسيلة لتحقيق ثروة استثنائية.
-
جاريد كوشنر وخلفه مسؤول سعودي
مجلة "نيويوركر" الأميركية تنشر تقريراً مطوّلاً يتناول صعود جاريد كوشنر بوصفه أحد أبرز مبعوثي ترامب في الملفات الدولية، ويركّز خصوصاً على ما يصفه التقرير بـمزج كوشنر بين الدبلوماسية والأعمال الخاصة، بحيث تتداخل أدواره في التفاوض بشأن إيران وأوكرانيا وغزة والشرق الأوسط مع مصالحه الاستثمارية وعلاقاته المالية مع حكومات المنطقة.
ويستعرض التقرير أسلوب كوشنر وويتكوف في التفاوض القائم على مقاربة الصراعات كما لو كانت صفقات تجارية أو عقارية، ويناقش الانتقادات الموجهة إليهما بسبب محدودية الخبرة التقنية والدبلوماسية، ولا سيما في مفاوضات إيران.
أما المحور الأبرز، فهو تضارب المصالح: إذ يتتبع التقرير استثمارات بمليارات الدولارات حصل عليها صندوق كوشنر من السعودية وقطر والإمارات، ويطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه الدول تستثمر، بصورة غير مباشرة، في علاقته السياسية بترامب ونفوذه داخل الإدارة الأميركية. ويشير خبراء أخلاقيات حكومية إلى أنّ مصالحه المالية قد تتقاطع مباشرة مع الملفات الدبلوماسية التي يتولاها.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
مُنح كوشنر، صهر دونالد ترامب ذو المظهر الشاب، خلال السنوات الأخيرة مهمة استثنائية. فإلى جانب ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس، أُوكل إليه العمل على إنهاء الحروب في غزة وأوكرانيا، وتقريباً في أي مكان آخر قد تندلع فيه نزاعات. وكوشنر، البالغ من العمر 45 عاماً، لا يبدي اهتماماً كبيراً بفن الدبلوماسية. ومن وجهة نظره، فإن معرفة تاريخ منطقة ما أو تفاصيل المواقف التفاوضية لأطراف النزاع أقل أهمية من مجرد الاستماع إلى الطرفين، ثم تقسيم الفارق بينهما. وقد قال إنّ اتفاقات السلام تشبه صفقات العقارات؛ فكلاهما ينطوي على مساومات صعبة، وأحياناً على التهديد بالخداع أو المساومة عبر الادعاء بامتلاك ما لا يملكه المرء فعلياً.
ويرى كوشنر أنّ عجز كثير من الدبلوماسيين الذين سبقوه عن حل هذه القضايا ليس دليلاً على استعصاء المشكلات الدولية، بل على ضعف أساليب أسلافه. وقال عام 2020، بعد أن كشف ترامب عن أول خطة له للسلام في الشرق الأوسط: "لقد تعرضتُ للانتقاد طوال العامين الماضيين من جانب جميع الأشخاص الذين حاولوا وفشلوا، لأنني لا أفعل ذلك بالطريقة نفسها التي فعلوه بها. لو كان شخص ما قد نجح، لما كنت أتعامل مع هذا الأمر".
إيران: مفاوضات على حافّة الحرب
عندما بدأ كوشنر وويتكوف لقاءاتهما مع المفاوضين الإيرانيين في شباط/فبراير، كانت الدولتان على شفا الحرب. ففي عام 2025، كانت القوات الأميركية والإسرائيلية قد قصفت منشآت لتخصيب اليورانيوم في إيران، قال القادة الغربيون إنها كانت جزءاً من مسعى مستمر منذ عقود لتطوير سلاح نووي. وبعد ذلك، أعلن ترامب أن قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم قد "دُمّرت بالكامل". (وعندما عارض رئيس أعلى جهاز استخبارات عسكري في الولايات المتحدة هذا التقييم الذي أطلقه الرئيس، أُقيل من منصبه).
ومع ذلك، أراد ترامب ومسؤولون غربيون آخرون الحصول على تنازلات إضافية. فقد احتفظ الإيرانيون بمخزون كبير من اليورانيوم منخفض التخصيب. وكان هذا المخزون مدفوناً تحت الأنقاض التي خلّفتها ضربات عام 2025، لكن ترامب وبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أصرّا على أن يتخلى الإيرانيون عنه بالكامل، وأن يتعهدوا بالتخلي عن أي نية لتخصيب اليورانيوم مستقبلاً.
أرسل ترامب كوشنر وويتكوف ليقدّما إلى الإيرانيين ما كان بمنزلة خيار ثنائي: سلّموا مخزونكم بالكامل، أو توقّعوا هجوماً. ولتعزيز تهديداته، كان قد أرسل أسطولاً عسكرياً ضخماً إلى الشرق الأوسط. وقال: "علينا أن نتوصل إلى اتفاق ذي مغزى، وإلا فستحدث أمور سيئة".
إنّ المفاوضات بشأن الحد من البرنامج النووي الإيراني معقدة إلى حد كبير، إذ تنطوي على تحديات تقنية، مثل تحديد سرعات أجهزة الطرد المركزي التي يمكن استخدامها، وتحديات دبلوماسية، مثل التحقق من صحة ادعاءات الإيرانيين، التي غالباً ما تكون موضع شك، بشأن تفكيك برنامجهم النووي.
لكن كوشنر وويتكوف لم يصطحبا إلى المفاوضات أي مستشار تقني؛ ورغم أنّ خبيراً من وزارة الطاقة الأميركية كان من ضمن فريق ويتكوف، فإنه لم يكن حاضراً داخل غرفة المفاوضات. (ونفى البيت الأبيض ذلك).
-
جاريد كوشنر وستيف ويتكوف
وكأنهما أرادا إظهار مدى ثقتهما بنفسيهما، كانا يتفاوضان، في الوقت نفسه، مع ممثلين روس بشأن الحرب في أوكرانيا. وكانت محادثات إيران تُجرى صباحاً، فيما تُعقد محادثات أوكرانيا بعد الظهر.
وقال دبلوماسي أميركي سابق أُطلع على تفاصيل المفاوضات مع إيران إن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عندما بدأ بتقديم تنازلات، لم يتمكن الرجلان الأميركيان من فهم ما كان معروضاً على الطاولة بدقة.
وفي مؤتمر صحافي عقب المفاوضات، تذرّع كوشنر بأنّ الإيرانيين كانوا يحاولون فقط المماطلة. وقال: "كانوا يحاولون فقط كسب الوقت من أجل الحفاظ على ما يستطيعون الحفاظ عليه، حتى يتجاوزوا فترة ولاية الرئيس ترامب".
لكن بعض الخبراء الذين تابعوا المحادثات اعتقدوا أن مقترحات عراقجي كانت جادة بالفعل. فمن بين أمور أخرى، عرض الإيرانيون تعليق تخصيب اليورانيوم بالكامل، وهو أمر لم يسبق لهم أن وافقوا عليه من قبل، كما عرضوا خفض مستوى تخصيب اليورانيوم الذي ظل بحوزتهم.
وفي المؤتمر الصحافي، أدلى المفاوضان الأميركيان بتصريحات محيّرة. فقد اتهم ويتكوف الإيرانيين باستخدام مفاعل طهران للأبحاث، وهو منشأة تنتج النظائر الطبية، لتخصيب اليورانيوم وتخزينه بصورة غير قانونية، رغم أنّ عمليات التفتيش المتكررة التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تجد أي دليل على استخدام المنشأة لأغراض عسكرية.
وقالت كيلسي دافنبورت، وهي خبيرة في منع الانتشار النووي لدى رابطة الحد من الأسلحة في واشنطن العاصمة، لي: "يمكنك أن تدرك، من خلال ما يقوله كوشنر وويتكوف، أنهما لا يفهمان كثيراً من المسائل التقنية". وكان أحد أصدقاء كوشنر أكثر صراحة، فقال: "إنه رجل لطيف، لكنه غارق تماماً في أمر يفوق قدراته".
وكان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، الذي استضافت بلاده مفاوضات جنيف، قلقاً إلى درجة كبيرة من سير المحادثات، ما دفعه إلى السفر إلى واشنطن في محاولة لمنع اندلاع الحرب.
ولم يتمكن من الحصول على لقاء مع ترامب، لكنه التقى بنائب الرئيس ج. د. فانس، الذي كان يعارض الحرب. ثم، في خطوة غير معتادة للغاية بالنسبة إلى دبلوماسي محترف، ظهر على شبكة "سي بي إس" ووجّه نداءً إلى التحلي بالصبر، قائلاً: "إن اتفاق السلام في متناول أيدينا".
في واشنطن، أخبر كوشنر وويتكوف ترامب أنّ الإيرانيين رفضوا الاستسلام. وبعد ساعات، شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" سلسلة من الضربات المدمرة التي أسفرت عن اغتيال آية الله علي خامنئي وعدد من كبار القادة الإيرانيين الآخرين.
وقال المسؤول السابق في البيت الأبيض إنّ الإدارة الأميركية سارعت إلى الدخول في صراع كان من الممكن تجنّبه. وأضاف: "أنا لا ألومهم على فشل المفاوضات. لكن لماذا تنتقلون بهذه السرعة إلى شنّ حرب، وتقضون على القيادة بأكملها؟".
ومع اندلاع الحرب، قدّم كوشنر مبرراً مفاجئاً لضرب الإيرانيين، إذ قال: "كان بإمكانهم، كما تعلمون، أن يكونوا على بُعد أيام أو أسابيع من امتلاك سلاح، لو أنهم بذلوا الجهد في ذلك". لكن هذا الطرح لم يكن مقنعاً؛ فمنذ الضربات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، لم ترصد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي مؤشرات على إحياء برنامج لتصنيع الأسلحة النووية.
في الواقع، يبدو أنّ نتنياهو هو من دفع ترامب إلى الانخراط في الصراع، إذ كان يعتقد أن حملة منسقة يمكن أن تُسقط النظام الإيراني بسرعة. وعندما حدّد مسؤولو الاستخبارات الأميركية مواقع كبار القادة الإيرانيين، اختارت "إسرائيل" توجيه ضربة إليهم.
وعند تلك النقطة، قرر ترامب أنّ الولايات المتحدة لا تستطيع تجنّب الحرب، وفقاً لوزير الخارجية ماركو روبيو، الذي قال: "كان هناك عمل إسرائيلي سيحدث. وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأميركية".
وخلال الأشهر السبعة التي تلت ذلك، غرقت إدارة ترامب في حرب مكلفة يبدو أنها لا توفر مخرجاً سهلاً. فقد قصفت الولايات المتحدة إمدادات مياه مدنية، وضربت مدرسة للفتيات، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 طفل. كما استنزفت نسبة هائلة من مخزوناتها من الصواريخ المتقدمة، ما أضعف قدرتها على ردع خصوم مثل الصين وروسيا. ومع حلول نظام أكثر تشدداً محل النظام الإيراني المتشدد أصلاً، تخلّت الإدارة الأميركية فعلياً عن السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم.
حين تختلط الدبلوماسية بالأعمال
بالنسبة إلى أي مبعوث رئاسي آخر، كانت نتيجة المحادثات مع إيران ستُعدّ كارثة. أما بالنسبة إلى كوشنر، فلم تكن حتى أهم مهمة في ملفه. فبينما كان يتفاوض مع إيران، كان يدير أيضاً استثمارات بمليارات الدولارات أودعتها حكومات أخرى في المنطقة في صندوق الأسهم الخاصة الذي يملكه.
طوال عهد ترامب، بنى كوشنر مسيرته المهنية على الجمع بين الأعمال والسياسة. وهو يجادل بأن كونه رجل أعمال يساعده في جهوده الدبلوماسية، لأنه يتيح له إيجاد حلول مبتكرة لمشكلات يتولاها عادةً بيروقراطيون يفتقرون إلى الخيال. لكنه، في أثناء تنقله حول العالم لصالح ترامب، أصبح أكثر تورطاً في الشؤون التجارية للدول التي يعمل فيها.
وهو يمثّل نوعاً جديداً من الشخصيات في واشنطن، يصبح المنصب العام بالنسبة إليها وسيلة لتحقيق ثروة استثنائية. وخلال العامين الماضيين، استخدم عدد من الأشخاص المرتبطين بالبيت الأبيض ، ومن بينهم أبناء ويتكوف، ومستشار العملات المشفرة ديفيد ساكس، وأفراد آخرون من عائلة ترامب، مناصبهم الرسمية لجني مليارات الدولارات لأنفسهم.
وقال لي مسؤول أميركي سابق خدم في الشرق الأوسط: "أنا أعرف كل هؤلاء الرجال. يدخلون هذه الاجتماعات، ويقومون بالأعمال التجارية بالتوازي مع دبلوماسيتهم. حسناً، كفى حديثاً عن وقف إطلاق النار. لدينا هذا الفندق الذي نريد بناءه. هذا هو نوع السياسة الخارجية التي أصبحت لدى أميركا الآن".
من فلوريدا إلى البيت الأبيض مجدداً
عندما غادر كوشنر واشنطن بعد ولاية ترامب الأولى، كان منهكاً من أربع سنوات من الصراعات الداخلية، وشعر بالإحراج بسبب كارثة أعمال الشغب في السادس من كانون الثاني/يناير. وقال لي أحد أصدقائه: "اتخذ جاريد وإيفانكا قراراً متعمداً بالابتعاد عن الظهور باعتبارهما ممثلين لترامب".
انتقل آل كوشنر إلى إنديان كريك في فلوريدا، حيث اشتروا قصراً بقيمة أربعة وعشرين مليون دولار على جزيرة خاصة، في منطقة تُعرف باسم "ملجأ المليارديرات". وبدأ كوشنر صندوقه الخاص للاستثمار في الأسهم الخاصة، واستعان بعلاقاته لبناء محفظة استثمارية مربحة. وقال عام 2024: "رغبتي في هذه المرحلة من حياتي هي التركيز على شركتي".
-
كوشنر مع زوجته إيفانكا ترامب
لكن بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، طلب من صهره أن يعود. اعترض كوشنر، ومازح ذات مرة قائلاً: "هناك احتمال أن تغيّر زوجتي الأقفال عندما أعود إلى المنزل". لكن ترامب أصرّ، وفي النهاية رضخ كوشنر.
اتسمت ولاية ترامب الثانية بتراجع جذري في دور أميركا في العالم، من خلال تقليص الالتزامات الخارجية، وإهانة أقدم حلفاء البلاد، وتفريغ السلك الدبلوماسي من كوادره. وبدلاً من السفراء المخضرمين، يُرسل كوشنر وويتكوف إلى مناطق الأزمات، ونادراً ما يمكثان فيها أكثر من ليلة أو ليلتين.
ويحمل الرجلان إلى طاولة المفاوضات أسلوبين مختلفين جداً. فقد كوّن ويتكوف ثروته من شراء العقارات المتعثرة في نيويورك، وكان أحياناً يستطلع الأحياء سيئة السمعة ليلاً في سيارة متهالكة. وهو معروف بأنه مفاوض عملي ومباشر، يهتم بالشخص الجالس أمامه أكثر مما يهتم بتفاصيل المقترح.
وقال لي أحد معارفه القدامى: "إنه حرفياً مالك عقارات سيئة السمعة من البرونكس. لديه مزيج لطيف من دهاء الشارع والسحر الشخصي، ونوع من الدفء المتوسطي".
أما كوشنر، فعلى النقيض، فيبدو دقيقاً، متحفّظاً، وبارد العاطفة. وحتى صوته، بنبرته المرتفعة والواضحة، قد يوحي أحياناً بالتعالي أو الانفصال. وقال لي مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى عمل معه في ملفات الشرق الأوسط إن كوشنر كان يبدو، في بعض الأحيان، غير مرتاح في العالم العربي، حيث يميل كثير من كبار القادة إلى إظهار قدر أكبر من التعبير الجسدي والعاطفي.
وقال المسؤول السابق: "جاريد ليس ودوداً أو عاطفياً بهذه الطريقة، فيما يميل العرب بطبيعتهم إلى تقدير قدر من الدفء في العلاقات. لم يأتِ لقضاء الوقت أو بناء الألفة؛ بل جاء لإنجاز العمل".
وقال لي ويتكوف مؤخراً إن بينه وبين كوشنر نوعاً من التنافس الأخوي البنّاء. وأضاف: "كلانا يريد بلوغ خط النهاية والعودة إلى الرئيس بنتائج إيجابية. نحن مهووسان بالأمر إلى حدّ ما؛ فالفوز يعني لنا الكثير".
أوكرانيا: دبلوماسية بمنطق الصفقات
وتجعل صلة كوشنر العائلية بترامب احتمال إبعاده أقل من احتمال إبعاد مسؤولين آخرين، لكنها تربطه في الوقت نفسه برئيس متقلب المزاج، وغالباً ما يفتقر بصورة لافتة إلى الإلمام بالتفاصيل.
وفي أواخر العام الماضي، طُلب من كوشنر المساعدة في المحادثات المتعثرة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، اتسمت سياسته تجاه الصراع بتقلبات حادة يصعب تفسيرها.
وقال لي مسؤول أميركي سابق في المنطقة: "كان كل يوم أشبه بركوب الأفعوانية. هل سيستيقظ الرئيس اليوم وينشر عن صفقات عظيمة مع الروس وعن مدى قربه من بوتين؟ أم سيكون هذا هو اليوم الذي يستيقظ فيه ويُظهر احتراماً لزيلنسكي؟"
وقال لي ويتكوف إنه وكوشنر لا يمانعان العمل في ظروف متوترة ومليئة بعدم اليقين. وأضاف: "أنا وجاريد ندرك ما لا نعرفه. لا نجد مشكلة في الاعتراف بأننا نجهل شيئاً ما، ثم يدفعنا الفضول إلى التعمق فيه ومعرفة المزيد".
لكن مسؤولاً سابقاً رفيع المستوى في السياسة الخارجية خلال إدارة ترامب قال لي إن فهمهما للحرب كان محدوداً جداً عندما بدآ العمل على ملف أوكرانيا. ووفقاً للمسؤول، كان كلاهما يرى أن فلاديمير بوتين "رجل جيد"، وأن "الجيش الروسي لا يُقهر". وأضاف: "إنهما يتعاملان معها كما لو كانت صفقة عقارية. ويبدو أنهما لا يدركان أنها حرب".
وبعد اجتماعات مع وفود من الجانبين في جنوب فلوريدا، خرج كوشنر وويتكوف بخطة سلام كانت ستُلزم أوكرانيا بقبول معظم مطالب روسيا تقريباً، بما في ذلك التنازل عن أراضٍ، والتعهد بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتقليص حجم جيشها بصورة كبيرة.
وأشادت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم ترامب، بالمقترح ووصفته بأنه "خطة جيدة لكل من روسيا وأوكرانيا". لكن عندما أصبح المقترح علنياً، انهار تحت موجة من الغضب والاستنكار. وحتى روبيو، وفقاً لتقارير، سخر منه ووصفه بأنه "قائمة أمنيات روسية".
ويشتبه بعض المراقبين في أن روسيا عرضت فعلياً على الأميركيين فرصاً تجارية مقابل التوصل إلى اتفاق سلام يصبّ في مصلحتها. وقال المسؤول الأميركي السابق في المنطقة: "هذا هو الانطباع السائد عموماً".
ويشير تقرير سري أعدته وكالة استخبارات أوروبية إلى أن ترامب وعدداً من المحيطين به ناقشوا عقوداً محتملة عدة في روسيا. والتقرير غير مؤرّخ، لكن المسؤول الأوروبي الذي سلّمنيه قال إن هذه التفاصيل نوقشت للمرة الأولى في وقت ما بعد دعوة ترامب بوتين إلى أنكوريج في آب/أغسطس 2025.
وفي مناسبتين خلال ذلك العام، سُمح لكيريل دميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادي الروسي، بدخول الولايات المتحدة، حيث تحدّث عن فرص استثمارية محتملة.
وقال المسؤول الذي سلّمني التقرير: "إن خصخصة السياسة الخارجية الأميركية قطعت شوطاً بعيداً جداً". ونفى متحدث باسم كوشنر أن يستفيد المسؤولون الأميركيون من الصفقات قيد المناقشة.
يسرد التقرير 10 مشاريع محتملة، ويقول إنها تبدو "قد صُممت في الأصل من جانب النخب السياسية والتجارية في الكرملين". وتشمل إعادة تشغيل خط أنابيب "نورد ستريم 2" تحت السيطرة الأميركية، واستئناف عمليات إكسون موبيل في جزيرة ساخالين، والتنقيب عن النفط في بحر أوخوتسك.
ووفقاً للتقرير، دارت مناقشات بشأن رفع التجميد عن الأصول الروسية الخاضعة للعقوبات الأميركية. ويذكر المستند أسماء أشخاص قد يشاركون في هذه المشاريع، من بينهم ترامب وويتكوف وكوشنر. كما يورد اسمَي ريتشارد غرينيل، المبعوث الرئاسي السابق، وجينتري بيتش، صديق دونالد ترامب الابن، الذي حصل على عقود مواتية في أماكن كانت الإدارة الأميركية تجري فيها مفاوضات.
وقال لي المسؤول الأوروبي: "ستُنفَّذ الصفقات في اللحظة التي يقدّم فيها ترامب اتفاق سلام".
ومنذ انخراط كوشنر في مفاوضات أوكرانيا، أظهر قدراً غير معتاد من المرونة. وقال مسؤول شارك في المفاوضات إن وجوده "غيّر الديناميكية". وأضاف: "قال للجميع: أريد أن أسمع إلى أين يتجه هذا الأمر. أريد أن أفهم".
وتابع المسؤول: "ربما تكون هذه هي الطريقة التي تجعله فعّالاً بالفعل في دوره كرجل أعمال". لكن يبقى من الصعب أحياناً التمييز بين الانفتاح الذهني والسذاجة.
هذا الشهر، زار كوشنر وويتكوف روسيا وأوكرانيا، آملين في إعادة إطلاق المحادثات المتوقفة. وفي موسكو، سلَّما على بوتين كما لو كان صديقاً قديماً، وسمحا لمضيفيهما بنقلهما في سيارة ليموزين روسية بدلاً من سيارة تابعة للسفارة الأميركية، وهو خطر أمني لم يكن سوى عدد قليل من أسلافهما ليسمحوا به.
وفي كييف، تحدث كوشنر عن الحرب بلغة تجارية مرتبة، ولم يُبدِ اهتماماً كبيراً بحجم إراقة الدماء والدمار اللذين أحدثهما غزو بوتين. وقال: "في عالم الأعمال، تفكر في الأمور ضمن سياق الربح للجانبين".
وتصور هو وويتكوف "حزمة سلام" يمكن لروسيا وأوكرانيا من خلالها "التركيز على تحقيق إمكاناتهما الهائلة، وإيجاد طرق لاستفادة أحدهما من الآخر".وبعد ساعات من مغادرتهما كييف، استأنف بوتين قصفه.
ثقة بلا حدود
في عام 2024، ألقى كوشنر محاضرة في جامعة هارفرد، وقدّم تقييمات لاذعة لبعض الإنجازات الدبلوماسية البارزة للإدارات السابقة. وقال إنّ اتفاق باراك أوباما للحد من البرنامج النووي الإيراني كان "واحداً من أغبى الاتفاقات" على الإطلاق. أما اتفاقات أوسلو، التي وضعت عام 1993 مساراً لإقامة دولة فلسطينية، فكانت "فشلاً ذريعاً". وكان أكثر سخاءً في تقييم عمله هو نفسه، إذ قال: "أعتقد حقاً أن سجلّي في النجاح في الشرق الأوسط لا يُضاهى خلال السنوات العديدة الماضية".
وقد أثارت ثقة كوشنر بنفسه حفيظة الدبلوماسيين المخضرمين. وقال لي مسؤول أميركي سابق عمل معه: "إنه واثق بنفسه بشكل لا يُصدق، ومتعجرف إلى حد كبير".
الجذور العائلية وصعود كوشنر
بدأ شعور كوشنر بالاستثنائية في وقت مبكر. نشأ في ليفينغستون، وهي بلدة ثرية في شمال نيوجيرسي، ضمن عائلة يهودية أرثوذكسية حديثة. وكان والده، تشارلز، قد كوّن ثروة في مجال بناء المنازل. ورغم أن تشارلز كان يتبرع بسخاء للجمعيات الخيرية المحلية، فإنه عانى من صعوبة في التخلص من الشكوك المتعلقة بشخصيته.
وقال لي أحد معارف العائلة: "كان لكوشنر سمعة سيئة جداً في المجتمع اليهودي، باعتباره شخصاً أحمق ومكروهاً، وكان آل كوشنر معروفين بالجشع والطمع".
التحق جاريد بمدرسة فريش، وهي مدرسة يهودية نهارية في باراموس، حيث كان طالباً متوسط المستوى. وقال أحد معارف العائلة: "إنه صورة كاريكاتورية لشخص أُعطي كل شيء".
وعلى الرغم من مؤهلاته الأكاديمية المحدودة، قُبل كوشنر في جامعة هارفرد، بعد أن تعهد والده بالتبرع بمبلغ 2.5 مليون دولار، على أن تبدأ التبرعات بمجرد أن يبدأ ابنه الدراسة.
وأثناء دراسته الجامعية، بدأ جاريد الاستثمار في المباني السكنية، وكان كثير منها في سومرفيل، على مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من الحرم الجامعي.
وكتب في مذكراته "Breaking History": "كنت ألاحظ كل تفصيل في أي مبنى أدخله. تخرجت من هارفرد بمرتبة الشرف، بينما كنت أجني ملايين الدولارات من استثماراتي العقارية".
وبينما كان كوشنر يشق طريقه في عالم الأعمال، كان والده تشارلز يخضع لتحقيق جنائي بقيادة كريس كريستي، المدعي العام الأميركي لولاية نيوجيرسي آنذاك، للاشتباه في إخفائه تبرعات سياسية عبر نسبها إلى أفراد من عائلته.
ووُجهت إلى تشارلز تهم بالتهرب الضريبي والتلاعب بشاهد والاحتيال الإلكتروني، قبل أن يقرّ بالذنب ويُحكم عليه بالسجن عامين في منشأة منخفضة الحراسة في ألاباما.
وكان كوشنر، الذي كان آنذاك طالباً في القانون وإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، قد تولّى إدارة شركة العقارات العائلية.
وفي عام 2007، وكان يبلغ من العمر 25 عاماً، التقى إيفانكا ترامب خلال مأدبة غداء للتعارف والتواصل المهني، وبعد عامين تزوجا. وقال أحد معارف العائلة: "لم يكن الاتحاد التاريخي بين آل كوشنر وآل ترامب أمراً مستبعداً، كان زواجاً ملكياً. فكلاهما من أبناء السلطة، ومن أبناء القوة التي يمنحها المال".
ومع بدء ترامب مسيرته السياسية، رأى كوشنر فرصة للانتقام لوالده. وفي عام 2016، بعد أن أصبح ترامب المرشح الجمهوري المفترض لمنصب الرئيس، اختار كريستي لإدارة عملية الانتقال إلى السلطة.
وفي أيار/مايو من ذلك العام، كان الرجلان جالسين معاً عندما دخل كوشنر، من دون سابق إنذار، وطلب من حميه استبعاد كريستي من الفريق. تردد ترامب لفترة، لكنه أقال كريستي بعد الانتخابات.
كان كوشنر مبتدئاً في السياسة؛ فقد كان يدير بسعادة شركات كوشنر وصحيفة "أوبزرفر"، وهي صحيفة أسبوعية متعثرة كانت تمنحه بعض المكانة بين نخب نيويورك. ولم يكن حتى ينتمي إلى حزب ترامب السياسي.
وقال في محاضرته بجامعة هارفرد: "لم يكن لدي سوى صديق واحد كان جمهورياً. كنت ببساطة أعيش داخل غرفة صدى هائلة".
لكن ترامب وثق به. وقال مسؤول سابق رفيع المستوى في ولاية ترامب الأولى: "جاريد من العائلة، وهو ذكي، ويمكنه تقديم نصائح جيدة في بعض الأمور. أعني، الأمر ليس مثل دونالد الابن أو إريك أو إيفانكا. أعتقد أن هناك فرقاً".
من العقارات إلى السياسة الخارجية
عندما تولى ترامب منصبه، أصبح كوشنر نوعاً من الوزير بلا حقيبة، يعمل على قضايا متنوعة، مثل إصلاح قوانين إصدار الأحكام الجنائية وإعادة التفاوض بشأن الاتفاقات التجارية. ومثل حميه، كان يميل إلى الاعتماد بدرجة أقل على موظفي الحكومة، وبدرجة أكبر على أصدقائه الأثرياء.
وسرعان ما بدأ كوشنر يركز على الشرق الأوسط، حيث ساعد في إدارة سياسة تقوم على الدعم غير المشروط لـ"إسرائيل".
وكان قد نشأ وسط آراء متشددة بشأن المنطقة. فقد كان والده يتبرع كثيراً لقضايا إسرائيلية، بما في ذلك بعض الجهات، مثل "أصدقاء بيت إيل الأميركيين"، التي كانت تدعم المستوطنات في الضفة الغربية. وكان نتنياهو صديقاً قديماً للعائلة، وقد سبق أن أمضى ذات مرة ليلة في غرفة نوم جاريد.
وشعر ترامب ومستشاروه بأن إيران، الخصم الأساسي لأميركا في الشرق الأوسط، سُمح لها بالعمل من دون مواجهة. ولاحتواء إيران، أرادوا تعزيز السعودية، التي أبقتها إدارة أوباما على مسافة باردة بسبب سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان. وكلّف ترامب كوشنر بإعادة بناء العلاقة.
وكانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد قيّدت وصول كوشنر إلى المواد شديدة السرية، خشية أن تجعله مصالحه التجارية عرضة للاستغلال من جانب خصوم أجانب.
لكن بعض الدبلوماسيين اعتقدوا أن خلفيته جعلته مناسباً بصورة طبيعية للشرق الأوسط؛ فمثل الملكيات الخليجية، كانت عائلتا ترامب وكوشنر تعملان، في جوهرهما، كشركتين عائليتين سلاليتين.
محمد بن سلمان: محور العلاقة الخليجية
حدّد كوشنر سريعاً محوراً لجهود أميركا: محمد بن سلمان، الابن السابع للملك السعودي. وكان ابن سلمان، يُقدَّم آنذاك في الخليج باعتباره قائداً مستقبلياً ديناميكياً. لكنه كان يحتل المرتبة الثانية فقط في ترتيب ولاية العرش؛ أما الأول فكان ابن عمه محمد بن نايف، الحليف القديم لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (C.I.A.) في مكافحة الإرهاب.
وكان ترامب يحمل عداءً عميقاً تجاه الوكالة، التي كانت تشتبه في أن حملته الانتخابية عام 2016 تلقت مساعدة روسية. وقال لي مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية خدم في الشرق الأوسط: "كان الدافع الرئيسي لدى ترامب للانحياز إلى M.B.S. هو الانتقام من الوكالة. إضافة إلى ذلك، كان ابن نايف صادقاً تماماً".
رتّب كوشنر لمحمد بن سلمان تناول الغداء مع ترامب في البيت الأبيض، وساعد في إقناع الرئيس بالسفر إلى السعودية في أول رحلة خارجية له. وفي الرياض، عومل ترامب كحاكم عظيم؛ فاستُقبل بعزف الأبواق، وبالسيوف الذهبية.
-
ترامب يلقي كلمة خلال مأدبة عشاء أُقيمت على شرف الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض
وخلال زيارته، وافق على اتفاق لبيع السعوديين أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار، من بينها صواريخ موجهة بدقة كانت إدارة أوباما قد عطلت نقلها. وساعد كوشنر في تأمين الصفقة عبر مكالمة هاتفية مع الرئيس التنفيذي لشركة لوكهيد مارتن.
سرعان ما أصبح كوشنر ومحمد بن سلمان صديقين. كان كلاهما في الثلاثينيات من عمره، وكانا ينظران إلى نفسيهما باعتبارهما قائدين مبتكرين يشقان طريقهما عبر بيروقراطيات متحجرة. وكانا يتحدثان كثيراً عبر الهاتف، ودُعي كوشنر إلى الإبحار في البحر الأحمر مع محمد بن سلمان على متن يخته، الذي تبلغ قيمته نصف مليار دولار، "سيرين".
حصار قطر وخاشقجي: اختبارات العلاقة
ووفقاً لمسؤولين أميركيين، شجّع دعم إدارة ترامب محمد بن سلمان على الإقدام على سلسلة من المبادرات المتهورة. فبعد أسبوعين من قمة الرياض، بدأ هو والإمارات العربية المتحدة حصاراً على قطر. وكان لدى المسؤولين السعوديين قائمة طويلة من المظالم ضد قطر، من بينها دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية عالمية.
لكن كثيراً من المراقبين خشوا أن يكون الهدف الحقيقي لمحمد بن سلمان هو إطاحة النظام الملكي في قطر والاستيلاء على احتياطياتها الهائلة من الغاز الطبيعي. ووفقاً للمسؤول الأميركي السابق، لم يتدخل كوشنر لوقف الحصار، الذي أوصل المنطقة إلى شفا نزاع مسلح. وقال المسؤول: "كان جاريد يعرف بالأمر، ووافق عليه ضمنياً".
وكان لعائلة كوشنر بعض التاريخ مع القيادة القطرية. ففي نيسان/أبريل 2017، أي قبل بضعة أشهر من بدء الحصار، اجتمع مسؤولون من صندوق الثروة السيادي القطري في فندق سانت ريجيس في نيويورك للنظر في استثمارات محتملة. زارهم تشارلز كوشنر وقدّم عرضاً. فقبل نحو عقد من الزمن، كانت عائلته قد اشترت مبنى مكاتب، هو "666 فيفث أفينيو"، بأكثر من مليار دولار.
ومنذ ذلك الحين، فقد المبنى جزءاً كبيراً من قيمته، وأصبح الرهن العقاري معرضاً لخطر التخلف عن السداد. لكن تشارلز جادل بأن القطريين يمكن أن يستفيدوا من الاستثمار في العقار. وقال لي محلل مالي مقرب من الصندوق إن القطريين رفضوا المقترح. وأضاف: "هم ببساطة لم يعتقدوا أنه سيحقق أرباحاً يوماً ما".
واقترح أن القطريين أضاعوا فرصة لبناء حسن النية: "لو كانوا قد أعطوا كوشنر المال، هل كان سيحدث الحصار؟ لا أعتقد ذلك".
عمل وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيم ماتيس مع كوشنر لتهدئة الحصار. لكن بعد بضعة أشهر، أطلق محمد بن سلمان مناورة أخرى مذهلة، إذ احتجز مئات الأمراء السعوديين وشخصيات بارزة أخرى في فندق الريتز كارلتون في الرياض، وطالبهم بتقديم مبالغ مالية وتعهدات بالولاء.
كما استدعى محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى الرياض، حيث صُفع مراراً وأُجبر على قراءة خطاب استقالته على الهواء مباشرة.
بلغت الأزمة ذروتها في أواخر عام 2018، عندما قُتل جمال خاشقجي، الكاتب السعودي الأميركي في صحيفة "واشنطن بوست"، وقُطّعت جثته على يد فريق اغتيال داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.
وخلص مسؤولو الاستخبارات الأميركية إلى أنّ عملية الاغتيال نُفذت، على الأرجح، بأوامر من محمد بن سلمان، واندلعت ضجة دولية. وقال مسؤول الاستخبارات المركزية السابق: "كان ذلك واحداً من أخطر التهديدات للعلاقة الأميركية السعودية".
لكن كوشنر دافع عن محمد بن سلمان داخل البيت الأبيض، وفقاً لمسؤولين سابقين تحدثت إليهم. وأعلن ترامب علناً أنه مقتنع بأن محمد بن سلمان "لم يكن يعلم شيئاً" عن الحادثة.
بالنسبة إلى كوشنر، كان كل ما يهم هو تحقيق أهداف أميركا في المنطقة. وقال في ذلك الوقت: "أعتقد أن السعودية كانت حليفاً قوياً جداً من حيث التصدي لعدوان إيران". وفي كل الأحوال، كان الميل إلى إحداث اضطراب يُنظر إليه على أنه صفة قيّمة في الحليف.
وقال لي مسؤول أميركي كان يخدم في المنطقة: "كان أشخاص مثل جاريد مقتنعين بأن كل من سبقه قد فشل، وأن آخر شيء يحتاج إليه هو الخبرة. من الصعب التأكيد بما يكفي على مدى عدم فهم البيت الأبيض لطريقة عمل الشرق الأوسط".
بعد مقتل خاشقجي، اضطرت الإدارة إلى إبعاد نفسها عن محمد بن سلمان، لكنها حافظت على الاتصالات معه.
في أوائل عام 2017، كان محمد بن سلمان يستعد لإطاحة منافسه محمد بن نايف. وكان لدى الرجلين أنصار مسلحون، وكان مسؤولو الاستخبارات الأميركية يخشون اندلاع أعمال عنف. اتصل محمد بن سلمان بكوشنر لمناقشة خططه، في محادثة جرى تسجيلها سراً.
وقال لي مسؤول استخباري إقليمي سابق إنه اطّلع على نسخة من تسجيل المكالمة: "أخبر كوشنر محمد بن سلمان أن الجميع في الحكومة الأميركية، باستثناء أجهزة الاستخبارات، يقفون إلى جانبه. لقد كانت تلك إشارة الضوء الأخضر". (ونفى المتحدث باسم كوشنر ذلك).
وبعد بضعة أشهر، احتجز محمد بن سلمان محمد بن نايف، ثم أجبره على توقيع بيان يوافق فيه على التخلي عن السلطة. ومنذ عام 2020، ظل بن نايف قيد الاحتجاز أو الإقامة الجبرية.
وسرعان ما شرع محمد بن سلمان في مشروع إصلاحي طموح من النوع الذي كان كوشنر يؤيده. فقد رفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات، وأضعف صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخصخص جزئياً شركة النفط الحكومية.
وفي الوقت نفسه، تحرّك لسحق المعارضة الداخلية، وقمع الصحافة التي كانت تعاني أصلاً من التضييق.
وفي عام 2023، بعد أن عبّر مدرّس متقاعد يُدعى محمد الغامدي عن تعاطفه مع السجناء السياسيين في السجون السعودية، حُكم عليه بالإعدام بتهمة "دعم أيديولوجية إرهابية".
اتفاقات أبراهام... الإنجاز الأكبر
وساعدت علاقات كوشنر الوثيقة في الخليج أيضاً على تسهيل أكبر إنجاز دبلوماسي له: اتفاقات أبراهام، التي طبّعت العلاقات بين "إسرائيل" وعدة دول إسلامية في الشرق الأوسط.
بدأ الاتفاق بأزمة. ففي عام 2020، أشار نتنياهو، مدفوعاً بالدعم الذي تلقته "إسرائيل" من إدارة ترامب، إلى أنه يعتزم ضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وهي خطوة كان من المؤكد أن تشعل صراعاً واسعاً في العالم العربي.
وبعد ذلك بوقت قصير، نشر يوسف العتيبة، السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة، مقالاً في صحيفة إسرائيلية قال فيه إنه إذا ألغى نتنياهو خطة الضم، فإن الإمارات العربية المتحدة ستعمل باتجاه تطبيع العلاقات مع "إسرائيل".
كان كوشنر في موقع جيد لإبرام اتفاق؛ فقد كان من المقربين من العتيبة، وكان نتنياهو صديقاً للعائلة. وربما كان الأهم، كما قال لي مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب الأولى، إنه "كان يحظى بدعم حميه، وكان كل شخص يتعامل معه يعرف ذلك".
وقّعت "إسرائيل" والإمارات والبحرين الاتفاق، ثم انضم إليهما السودان والمغرب.
لكن صفقة كوشنر تجاهلت مسألة محورية؛ إذ لم تتضمن أي بند يتعلق بالسكان الفلسطينيين. ورفضت السعودية، التي كانت منذ فترة طويلة من المدافعين عن إقامة دولة فلسطينية، الانضمام.
لكن كوشنر خرج من الأمر محتفظاً بعلاقته بمحمد بن سلمان، وبعلاقات جديدة مع الملكيات الخليجية، وهي علاقات ستثبت أنها مربحة للغاية في السنوات التالية.
"أفينيتي": أموال الخليج بعد البيت الأبيض
في حزيران/يونيو 2021، بعد ستة أشهر من انتهاء الولاية الأولى لترامب، اجتمع عدد من مديري الاستثمار المشرفين على صندوق الثروة السيادي السعودي في برج صندوق الاستثمارات العامة، وهو ناطحة سحاب مؤلفة من 80 طبقة في الرياض.
كان موضوع الاجتماع طلباً من كوشنر لاستثمار ملياري دولار في "Affinity Partners"، وهو صندوق للأسهم الخاصة كان يعمل على تأسيسه.
ووفقاً لمحضر الاجتماع، كان ممثلو كوشنر يستهدفون مستثمرين أجانب حصراً، لأنهم "يرغبون في تجنب اهتمام وسائل الإعلام".
وكانت الدول الثلاث التي كان كوشنر يزورها، وهي السعودية وقطر والإمارات، تدير صناديق استثمار سيادية ضخمة. كما أنها دول لا يخضع قادتها إلا لقدر محدود من المساءلة عن قراراتهم.
ولم تكن لدى كوشنر خبرة سابقة في إدارة صندوق استثماري، لكنه كان يتمتع بعلاقات وثيقة مع حكام الخليج. كما ضمّ فريقه مسؤولين اثنين على الأقل عملا معه خلال الولاية الأولى لترامب: ميغيل كوريا، الملحق العسكري السابق في السفارة الأميركية لدى الإمارات، وآفي بيركوفيتز، المستشار السابق في البيت الأبيض للعلاقات الدولية.
ولم يكن لدى السعوديين تحفظ كبير حيال الاستثمار مع مسؤولين سابقين؛ فقد استثمروا مليار دولار في صندوق يديره ستيفن منوتشين بعد انتهاء عمله وزيراً للخزانة في إدارة ترامب.
لكن لجنة الاستثمار عارضت طلب كوشنر، وأورد محضر الاجتماع اعتراضات عدة، من بينها فشل الشركة في "تقديم سجل استثماري قابل للقياس الكمي"، وتحمّل السعودية "الجزء الأكبر من الاستثمار والمخاطر"، فضلاً عن اعتبار رسوم الإدارة المقترحة "مفرطة".
كما خلص فحص العناية الواجبة إلى أن عمليات الشركة "غير مرضية من جميع الجوانب". وقال أحد أصدقاء كوشنر: "لم يكن جاريد قد استثمر من قبل في شيء يتجاوز حساب 401(k)".
لكن محمد بن سلمان، بصفته رئيس صندوق الاستثمارات العامة، تجاوز اعتراضات اللجنة، ومضت الصفقة قدماً. وكانت المساهمة السعودية تضمن لكوشنر وفريقه دخلاً كبيراً، بغضّ النظر عن أداء الصندوق.
فمع رسم إدارة يبلغ 1.25%، كان الصندوق سيحصل على أكثر من 25 مليون دولار سنوياً، إضافة إلى 20% من أي أرباح.
كما استثمرت الإمارات 200 مليون دولار إضافية، وقدمت الحكومة القطرية 200 مليون دولار أخرى.
وأثارت هذه الاستثمارات غضباً في الولايات المتحدة. وتساءل النائب روبرت غارسيا في مجلس النواب: "لماذا تلقى جاريد كوشنر ملياري دولار، مع حرف الـB، من الحكومة السعودية بعد شهرين فقط من مغادرته البيت الأبيض؟".
ولم يُجب كوشنر عن هذا السؤال، لكنه دافع عام 2024 عن عمله في إدارة ترامب خلال مؤتمر استثماري في ميامي، قائلاً للحضور: "أما منتقديّ، فأقول لهم: أشيروا إلى قرار واحد اتخذناه لم يكن في مصلحة أميركا".
وعندما سُئل عن دور محمد بن سلمان في مقتل خاشقجي، بدا نافد الصبر، وقال: "هل ما زلنا نتحدث عن هذا حقاً؟".
ولا يوجد دليل مباشر على أن السعوديين كانوا يعتزمون مكافأة كوشنر أو ترامب على قرارات اتُّخذت خلال وجودهما في السلطة.
لكن مسؤولاً سابقاً في الاستخبارات الأميركية، عمل في الشرق الأوسط، قال إن مساعدة كوشنر في إنقاذ العلاقات الأميركية-السعودية بعد مقتل خاشقجي كان من شأنها أن تخلق نوعاً من الدين السياسي لدى محمد بن سلمان.
وكان من الممكن أن يُحدَّد لاحقاً، بعد انتهاء ولاية ترامب، كيف سيُسدَّد هذا الدين.
وقال المسؤول: "تفاصيل كيفية ترتيب الأمر، ومن سيحصل على ماذا، ومن سيدفع الأموال، لم يكن دونالد ترامب ليتولى تنظيمها بنفسه. هذا النوع من الأمور كان جاريد سيتولاه؛ فخلفيته العائلية جعلته خبيراً بها".
واستفاد ترامب أيضاً من هذه العلاقة. فبعد مغادرته منصبه عام 2021، أصبحت نواديه الخاصة محطات رئيسية لاستضافة بطولات "LIV Golf"، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة السعودي. كما وقّعت شركاته اتفاقات ترخيص لمشاريع عقارية جديدة في المنطقة، من بينها برج ترامب في جدة.
وفي عام 2024، استدعت اللجنة المالية في مجلس الشيوخ تشاد ميزيل، كبير المسؤولين القانونيين في "Affinity"، للتحدث مع محققيها.
وأبلغ ميزيل المحققين أن "Affinity" مموّلة بالكامل من عدد محدود من المستثمرين الأجانب. وإلى جانب الدول الخليجية الثلاث، كان المستثمران الآخران الوحيدان هما تيري غو، الملياردير التايواني الذي يوظف نحو مليون شخص في الصين، وطرف خامس رفض الكشف عن هويته.
وعندما سأل المحققون عن العوائد التي حققتها "Affinity" للمستثمرين، كانت الإجابة مفاجئة: لم تكن قد حققت أي عوائد حتى ذلك الحين.
ورغم أن صناديق الأسهم الخاصة لا تحقق عادةً نتائج فورية، أثار أداء "Affinity" مخاوف أخرى. فبعد نحو 3 سنوات من فترة استثمار مدتها 5 سنوات، كانت الشركة تدير 3 مليارات دولار من أموال عملائها، لكنها لم تستثمر سوى نحو ثلثها. وفي الفترة نفسها، قدّرت اللجنة المالية أنها جمعت 157 مليون دولار من الرسوم.
واشتبه السيناتور رون وايدن وآخرون في أن "Affinity" ليست سوى وسيلة لإثراء كوشنر بأموال حكام الخليج، وهو ما نفاه المتحدث باسمه.
وحذّر وايدن، في رسالة إلى ميزيل، من أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تمنح دول الخليج نفوذاً كبيراً، وكتب: "ستكون لدى الإدارة دوافع مالية لاتخاذ قرارات في السياسة الخارجية قد تتعارض مع المصلحة الوطنية، من أجل ضمان استمرار كوشنر وإيفانكا ترامب في تحصيل ملايين الدولارات من الرسوم".
ورغم إصرار كوشنر على أنه لا ينوي العودة إلى الحكومة، كان مستثمروه يعتقدون أنه سيظل مؤثراً. وقال لي مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى: "كان الإماراتيون يرون جاريد شخصاً ثابت الحضور، سيبقى موجوداً لفترة طويلة. كانوا يستثمرون في العلاقة".
عودة ترامب وتدفّق استثمارات جديدة
ومع تزايد احتمال عودة ترامب إلى البيت الأبيض، قدّمت قطر والإمارات مساهمات جديدة لصندوق كوشنر بلغ مجموعها 1.5 مليار دولار.
وجاءت هذه المساهمات قبيل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لكن كوشنر لم يكشف عنها علناً إلا بعد انتهاء الانتخابات.
وقال لي أحد معارفه: "الأمر ليس معقداً. جميع دول الشرق الأوسط تستثمر في صندوق جاريد وتتودد إليه، حتى تتمكن من الحصول على خدمات سياسية من إدارة ترامب".
تضارب المصالح يعود مع الدبلوماسية
وعندما عاد كوشنر إلى العمل الدبلوماسي، رفض تقاضي راتب، فيما رأى محامو البيت الأبيض أن ذلك يمنع تعارض مصالحه الحكومية والتجارية.
لكن معظم خبراء أخلاقيات العمل الحكومي يرون أن مسألة الراتب لا صلة لها بجوهر القضية؛ فالقانون الفيدرالي يحظر على العاملين لمصلحة الحكومة المشاركة في ملفات تكون لهم فيها مصالح مالية.
وقالت لي فيرجينيا كانتر، المستشارة السابقة في البيت الأبيض والمحامية المتخصصة في الأخلاقيات لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات: "كوشنر غارق في تضارب المصالح. من المفترض أن يعمل لمصلحة الشعب الأميركي، لكنه يمتلك في الواقع حوافز مالية هائلة لتعزيز مصالح مستثمريه".
ورفض كوشنر وويتكوف المخاوف المتعلقة بتضارب المصالح، كما لم يصطحبا صحافيين في رحلاتهما الدبلوماسية. ويقول ويتكوف إنه تخلى عن السيطرة على مصالحه التجارية ونقل إدارتها إلى أبنائه.
واستخفّت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بهذه الانتقادات، قائلة: "جاريد يتبرع بوقته وجهده لحكومتنا ولرئيس الولايات المتحدة من أجل إحلال السلام العالمي، وهذا أمر نبيل جداً".
وفي ولاية ترامب الثانية، لم تفصل الصفقات التي أبرمها كوشنر بوضوح بين علاقاته الشخصية، وشركاء الحكومة، والروابط العائلية.
ففي أيلول/سبتمبر 2025، أطلق جولة تمويل أولى لشركة ناشئة تُدعى "Brain Co."، تهدف إلى بيع خدمات الذكاء الاصطناعي للشركات والحكومات.
وشريكه في المشروع هو لويس فيديغاراي، وزير الخارجية المكسيكي السابق، الذي كان نظيره في المفاوضات التجارية خلال ولاية ترامب الأولى.
وضمت قائمة الممولين رؤساء تنفيذيين في وادي السيليكون، بينهم باتريك كوليسون، الذي تبرع بمئات آلاف الدولارات للجمهوريين خلال موسم انتخابات 2024، وبرايان أرمسترونغ، الذي ساهمت شركته بمليون دولار في صندوق تنصيب ترامب.
وفي كانون الأول/ديسمبر، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يحد من قدرة الولايات على تنظيم الذكاء الاصطناعي.
وبمقاييس هذه الإدارة، تبدو حالات تضارب المصالح هذه غير استثنائية. فقد أشرف ديفيد ساكس، أحد كبار مسؤولي التكنولوجيا لدى ترامب، على عشرات اللوائح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وقاد وزير التجارة هوارد لوتنيك صفقة لاستخراج التنغستن في كازاخستان، مدعومة بتمويل فيدرالي يصل إلى 1.6 مليار دولار. وكانت شركة لوتنيك القديمة، كانتور فيتزجيرالد، التي أصبحت الآن تحت سيطرة أبنائه، قد ساعدت في تأمين استثمارات في المشروع، ومن المتوقع أن تحصل على ملايين الدولارات من الرسوم.
أما ترامب نفسه، فقد كشف مؤخراً أنه حقق أكثر من ملياري دولار منذ تنصيبه، وجاء جزء كبير من ذلك من أعماله في مجال العملات المشفرة، التي جذبت استثمارات من حكومات وأفراد أجانب يسعون إلى النفوذ.
وفي عام 2025، اشترت صناديق إماراتية حصة بقيمة نصف مليار دولار في "World Liberty Financial"، وهي شركة أسسها أفراد من عائلتي ويتكوف وترامب، ومن بينهم إريك ترامب ودونالد ترامب الابن، ثم استخدمت عملتها المشفرة لتنفيذ صفقة بقيمة ملياري دولار.
وبعد أسبوعين، منح ترامب الإمارات العربية المتحدة إمكانية الوصول إلى إمدادات من أكثر رقائق الحاسوب تطوراً في العالم، رغم مخاوف مسؤولي الأمن القومي من أن تشارك الإمارات هذه الرقائق مع الصين.
غزة... "مشروع شروق الشمس"
في كانون الثاني/يناير الماضي، خلال التجمع السنوي لقادة الأعمال والحكومات الدوليين في دافوس بسويسرا، قدّم كوشنر عرضاً يشرح أفكاره لإعادة بناء غزة.
كانت المنطقة قد دُمّرت إلى حد كبير في الحرب بين حماس و"إسرائيل"، وكان معظم سكانها، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، يعيشون في خيام أو بين الأنقاض، فيما غمرت صور المعاناة الإنسانية الشاشات حول العالم.
لكن حيث رأى الآخرون الدمار، رأى كوشنر فرصة للتنمية، وأطلق على خطته اسم "مشروع شروق الشمس".
وفي سلسلة من شرائح "باوربوينت"، عرض رؤيته لساحل غزة بعد 10 سنوات: شقق سكنية فاخرة ولامعة، وأبراج مكاتب، وشبكة قطارات عالية السرعة، و"توظيف كامل بنسبة 100%". وبدا المشهد أقرب إلى ميامي بيتش منه إلى غزة.
وقال كوشنر إن كلفة المشروع ستبلغ 112 مليار دولار، بتمويل من المانحين الدوليين والدول المجاورة، ووعد بـ"فرص استثمارية مذهلة" للقطاع الخاص، داعياً الحاضرين إلى الاستعداد لـ"نجاح كارثي".
لكن العرض بدا، بالنسبة إلى بعض الحاضرين، منفصلاً تماماً عن الواقع. وقال لي فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض: "كان الناس يهزون رؤوسهم بسخرية. بدا للجميع وكأنه خيال كامل".
ومع ذلك، كان العرض ينسجم مع طرح ترامب لإعادة بناء غزة وتحويلها إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".
بدأ انخراط كوشنر في ملف غزة قبل تنصيب ترامب لولاية ثانية، عندما عمل هو وويتكوف مع مسؤولين في إدارة بايدن لمحاولة التوصل إلى وقف لإطلاق النار والإفراج عن آخر رهائن حماس.
وقال لي مسؤول كبير سابق في إدارة بايدن: "كان جاريد مباشراً وغير حزبي إلى حد كبير".
وكان دور كوشنر في المحادثات يفترض قدراً من الحياد، لكن ربما كانت لدى مفاوضي حماس أسباب تدفعهم إلى التشكيك فيه. فقد قال لي أحد أصدقائه إنه عاد إلى البيت الأبيض جزئياً لأنه "يعتقد أنه يستطيع مساعدة إسرائيل".
وعلى الرغم من حديثه أحياناً عن تحسين حياة الفلسطينيين، أظهر كوشنر استعداداً لتجاوز مصالحهم من أجل الدفع باتجاه اتفاقات أبراهام. ففي هارفرد عام 2024، قال إن أفضل مكان لسكان غزة ربما يكون في صحراء النقب، من دون أن يوضح كيف سينتقلون إليها أو ما إذا كان سيُسمح لهم بالعودة. كما وصف غزة بأنها مكان ديستوبي "بنته المنظمات غير الحكومية والإرهابيون".
وتنقل كوشنر وويتكوف بين "إسرائيل" وقطر، حيث كان قادة حماس يقيمون بناءً على طلب أميركي، كما التقيا قادة أتراكاً وسعوديين وعدداً محدوداً من الفلسطينيين.
وجاءت نقطة التحول في أيلول/سبتمبر، عندما قصفت طائرات إسرائيلية قطر، وقتلت ابن خليل الحية، كبير مفاوضي حماس.
غضب ترامب بشدة، معتقداً أن "إسرائيل" تحاول تخريب المحادثات، وأجبر نتنياهو على الاعتذار لرئيس وزراء قطر أمام الكاميرا، فيما كان ترامب ممسكاً بالهاتف.
بعد ذلك، أرسل كوشنر وويتكوف للقاء قادة حماس في مصر، وتمكنا من التوصل إلى وقف لإطلاق النار والإفراج عن آخر الرهائن، كما حصلا على تعهد إسرائيلي بوقف العمليات الهجومية واسعة النطاق في غزة.
لكن دور ترامب كان حاسماً. وقال المسؤول الكبير السابق في إدارة بايدن: "جاريد وويتكوف لم يحققا وقف إطلاق النار فعلياً. اتصل ترامب ببيبي وقال: "أوقف القصف اللعين"، وانتهى الأمر".
وفي تشرين الأول/أكتوبر، وُقّع اتفاق سلام من 20 نقطة، يدعو إلى نزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة إعمار غزة.
وللإشراف على تنفيذه، أنشأ ترامب هيئة مدعومة من الولايات المتحدة سمّاها "مجلس السلام"، وتصورها كنوع من الأمم المتحدة المخصخصة، بحيث تستطيع أي دولة الانضمام إليها إذا وافقت على المساهمة بمليار دولار. كما أنشأ مجلساً فلسطينياً منفصلاً للإشراف على إعادة إعمار القطاع.
وعقد ترامب الاجتماع الأول لمجلس السلام في شباط/فبراير، لكن بعد أقل من أسبوع بدأت ضرباته على إيران. ومع استحواذ الحرب الإيرانية على اهتمام البيت الأبيض، بدأ الوضع في غزة ينهار من جديد.
فرفضت حماس تسليم أسلحتها، وتوغلت القوات الإسرائيلية أكثر داخل غزة، وسيطرت على أكثر من نصف القطاع وفرضت قيوداً صارمة على الوصول إليه، فيما بدأ بعض قادة حكومة نتنياهو الدعوة إلى إعادة فتح غزة أمام المستوطنين.
وخلال الأشهر التالية، قتلت الهجمات الإسرائيلية نحو ألف فلسطيني، كان كثير منهم من المدنيين.
وأعلن نيكولاي ملادينوف، ممثل مجلس السلام لشؤون غزة، أن حماس وافقت مؤخراً على خطة جديدة، تبدأ بموجبها بتسليم أسلحتها إذا بدأت "إسرائيل" الانسحاب. لكن "إسرائيل" رفضت التحرك قبل أن تنزع حماس سلاحها بالكامل.
وعلى الرغم من تعهد الدول الأعضاء في المجلس بتقديم 17 مليار دولار، لم يُودع أي مبلغ حتى الآن في حسابه الرسمي. كما خضع نحو 5 آلاف مجند لقوة شرطة جديدة لعملية تدقيق أمني، لكن التدريب لم يبدأ بعد.
ومع ذلك، أشاد المسؤول الكبير السابق في إدارة بايدن بكوشنر وويتكوف وترامب لنجاحهم، على الأقل، في وضع حد لأسوأ مراحل القتال. وقال: "هل كنا سنؤدي بصورة أفضل؟ لا أعتقد ذلك. إنه وضع فظيع".
لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين، أصبحت الحياة أكثر يأساً. وقال لي عمال إغاثة إن القوات الإسرائيلية تسمح، في المتوسط، بدخول نحو ثلث كمية الغذاء والمساعدات الإنسانية الأخرى التي وافقت الحكومة على إدخالها.
ويُعتقد أن نحو ثلثي سكان غزة يعانون سوء التغذية، وأن ما يصل إلى 7 من كل 10 أطفال يولدون بوزن منخفض. ولا تكاد توجد مياه جارية، فيما يضطر نحو مليوني شخص إلى الاستحمام في البحر. ويقول كثير من سكان غزة إن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى طردهم.
وقال هاني المعدون، الذي يدير شبكة من المطابخ في غزة: "إنها معاناة مصطنعة بنسبة 100%". وأضاف: "لا أعتقد أن كوشنر شخص فظيع. أعتقد أنه يحاول المساعدة، لكنه لا يملك أي تأثير في غزة".
ألبانيا: مشاريع استثمارية تصطدم بالشارع
في صيف عام 2021، دُعي إدي راما، رئيس وزراء ألبانيا، إلى متن اليخت الفاخر "بلانيت ناين"، الراسي قبالة مدينة دورّس القديمة على ساحل البحر الأدرياتيكي. وكان اليخت مملوكاً للممول نات روتشيلد، أحد أفراد عائلة المصرفيين الأوروبية الشهيرة، ومن بين ضيوفه كوشنر وإيفانكا ترامب.
كان راما آنذاك في عامه الثامن رئيساً لوزراء ألبانيا، وتعامل معه كوشنر باحترام. وقال راما: "عندما تشاهده على التلفزيون، يبدو جاريد كقاتل بارد الدماء، وتبدو إيفانكا بعيدة ومنشغلة بذاتها. لكن في الواقع، لن تصدق مدى تواضعهما".
وكان أحد المباني المرتبطة بمشروع آخر لكوشنر قد صُنّف موقعاً ثقافياً محمياً، ووافق كوشنر على مراعاة مخاوف المؤرخين من خلال بناء نصب تذكاري "مكرّس لجميع ضحايا عدوان حلف شمال الأطلسي (الناتو)".
وسارعت حكومة الرئيس ألكسندر فوتشيتش، الشعبوي والمؤيد بقوة لترامب، إلى تسريع إجراءات الموافقة. لكن الاحتجاجات اندلعت، واتهم المدعون العامون الصرب لاحقاً وزير الثقافة بتزوير وثائق للحصول على التصاريح، وهو ما نفاه الوزير.
ولم يكن هناك ما يشير إلى أن أحداً من فريق كوشنر خالف القانون، لكنه قرر في نيسان/أبريل الانسحاب من المشروع. وقالت "أفينيتي" في بيان: "المشاريع ذات المعنى ينبغي أن توحّد الناس، لا أن تفرّقهم".
أما في ألبانيا، فقد وحّد مشروع كوشنر كثيرين ضده. ففي شباط/فبراير 2024، أقرّ حزب راما، الذي كان يملك الأغلبية في البرلمان، تعديلاً يسمح بإقامة مشاريع فاخرة في المناطق المحمية، بما فيها زفيرنيك. وبعد أسابيع، أعلن كوشنر خططه، قبل أن يبدأ المشروع بالاصطدام بالواقع السياسي في البلاد.
ورغم أن إيفانكا وصفت سازان بأنها "جزيرة خاصة"، فإن المنطقة كانت مفتوحة للجمهور منذ زمن طويل. كما كان من المخطط إقامة مشروع زفيرنيك وسط محمية طبيعية تبلغ مساحتها 40 ألف فدان. وسرعان ما أقام شركاء كوشنر المحليون سياجاً حول موقع كان مقصداً شهيراً لرواد الشاطئ.
وبدأ الألبان يتساءلون عن حصول كوشنر على حقوق التطوير من دون إعلان عام أو مناقصة تنافسية، وعن التعديل الذي أُقرّ على عجل وفتح المجال لاستغلال الأراضي المحمية. كما سمح راما ببناء مطار داخل المحمية.
وسرعان ما وجد راما نفسه في مواجهة غضب واسع، فيما أصبح كوشنر، في نظر كثيرين، مليارديراً يريد تحويل مساحة واسعة من البلاد إلى ملعب للأثرياء. وزاد الغموض المحيط بالمشروع من الاستياء؛ فعلى الرغم من أن رجال أعمال ألباناً يملكون نحو ربع المشروع، فإن أسماءهم مخفية خلف شركة مسجلة في الخارج.
وفي حزيران/يونيو، هدم سكان محليون السياج المحيط بالشاطئ، ثم بدأت التظاهرات. وكل ليلة، كان المحتجون يتجمعون في الساحة الرئيسية في تيرانا ويسيرون نحو مقر إقامة راما، مرددين الهتافات.
في البداية، ركّز المحتجون على وقف مشروع كوشنر، لكن أهدافهم سرعان ما اتسعت لتشمل المطالبة برحيل راما وإعادة تشكيل النظام السياسي في ألبانيا.
وقال إيرليس تشيلا، أستاذ الاتصالات في تيرانا، بينما كان يسير مع آلاف المتظاهرين: "الأمر أكبر بكثير من جاريد كوشنر الآن. هناك مجموعة صغيرة جداً من الناس في هذا البلد تملك أموالاً أكثر مما ينبغي، وتتخذ، بين ليلة وضحاها وفي الظلام، كل قرارات البلاد".
وبالنسبة إلى كثيرين ممن تحدثت إليهم، كان مشروع كوشنر يعكس واقعاً مقلقاً في ألبانيا، حيث تتركز الثروة والسلطة في أيدي حفنة من الأوليغارشيين، اتُّهم بعضهم بجمع ثرواتهم عبر أنشطة غير قانونية، بينها غسل الأموال لصالح جماعات إجرامية دولية.
وقالوا إن آثار الأموال المغسولة واضحة في أنحاء تيرانا، في مبانٍ سكنية شبه فارغة يطلق عليها الألبان اسم "البنوك الخرسانية".
وقال فاتوس لوبونيا، الصحافي الذي سُجن سياسياً في الحقبة الشيوعية: "أنشأ راما نظاماً يعمل فيه الأوليغارشيون والسياسيون ووسائل الإعلام معاً، ويمنحهم ذلك ترخيصاً لفعل كل ما يريدون تقريباً. راما يحتاج إلى أشخاص مثل كوشنر ليكونوا واجهة له ويوفروا له الدعم الدولي".
ظل كوشنر صامتاً حيال الاحتجاجات، لكن راما لم يتراجع، وعزا المعارضة للمشروع إلى مزاج سياسي سائد بين الشباب الألباني. وقال: "هناك أيديولوجيا كاملة في الخارج، أيديولوجيا الجيل زد المناهضة للرأسمالية، لا علاقة لها بالحقيقة والوقائع. أنا لست قلقاً من هذه الاحتجاجات. لا يوجد احتجاج سيتمكن من إيقاف هذا".
لكن عقبة أخرى قد تكون أكثر تأثيراً. فمن تيرانا، قدت السيارة على طول ساحل البحر الأدرياتيكي نحو المنطقة التي يريد كوشنر تطويرها. وبالقرب من زفيرنيك، مررت بدير أرثوذكسي يُعرف بدير القديسة مريم، يعود إلى الحقبة البيزنطية، ثم وصلت إلى سوق، حيث أخبرني عدد من السكان المحليين أن معظمهم يملكون أراضي داخل المنطقة المقرر تطويرها. وقالوا إن كوشنر أقحم نفسه في نزاع قانوني مستمر منذ سنوات لم يكن يدرك تعقيداته.
واصطحبني مينيلا كونومي، وهو عامل سابق في قطف الفاكهة متقاعد، إلى تلة تطل على البحر الأدرياتيكي. وكانت طيور الفلامينغو والصقور حمراء الأرجل تحلق فوق البحيرة، فيما يمتد خلفها شريط من الكثبان الرملية والشاطئ.
وأشار كونومي إلى بقعة بعيدة قال إنها تمثل قطعة الأرض التي تملكها عائلته. وأضاف أن أسلافه كانوا يزرعون الذرة والبصل هناك منذ العهد العثماني، وأن الأرض بقيت بوراً في السنوات الأخيرة، لكنه يملك وثائق تثبت دفع الضرائب عليها بانتظام. وقال: "نحن هنا منذ 100 عام".
وفي عام 2006، قال كونومي إنه أُبلغ بأن أرضه استحوذ عليها أرتور شيهو، وهو رجل أعمال ألباني خضع سابقاً للتحقيق للاشتباه في تورطه في تهريب المخدرات والمهاجرين. ولم تؤدِّ تلك التحقيقات إلى إدانته، لكنه فرّ من البلاد بعد ما وصفته الشرطة بأنه تبادل لإطلاق النار مع عصابة منافسة.
وانتقل شيهو إلى ميامي بيتش، حيث حصل على اللجوء السياسي بعدما قال إن حلفاء الحكومة الشيوعية السابقة كانوا يلاحقونه. لكنه واصل ممارسة الأعمال في ألبانيا، وتمكن في النهاية من تجميع مساحة كبيرة من الأراضي حول زفيرنيك. ويقول السكان المحليون إن بعض تلك الأراضي يعود إليهم قانونياً. وقال كونومي: "شيهو زوّر الوثائق".
وفي نيسان/أبريل، دفعت شركة تعمل على تطوير مشروع كوشنر 125 مليون دولار لشيهو مقابل أراضٍ في زفيرنيك. وبعد شهرين، أصدر المدعون العامون مذكرة اعتقال جديدة بحقه للاشتباه في الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال.
وقال المدعون في وثائق قُدمت إلى محكمة ألبانية إن الأراضي الداخلة في مشروع كوشنر "يُشتبه في الاستحواذ عليها بصورة غير قانونية من خلال عمليات تزوير". وقد نفى شيهو جميع الاتهامات. وإذا حكمت المحكمة لصالح الادعاء، فقد يتعين وقف المشروع.
وبالنسبة إلى لوبونيا، يشكل مصير المنتجع اختباراً لمدى التقدم الذي أحرزته البلاد. وقال: "يعتقد الناس أن نظام العدالة المُصلح في ألبانيا يعمل. أما أنا فأرى أن هذا مستحيل. الأمر أشبه بأسطول من السفن يسير كله في اتجاه واحد؛ لا يمكنك تغيير مساره بسفينة صغيرة واحدة".
إيران مجدداً... وأموال جديدة لـ"أفينيتي"
وفي وقت سابق من هذا العام، وبينما كان كوشنر يشارك في محادثات مع إيران، كان يعمل سراً أيضاً على جمع 5 مليارات دولار إضافية لصالح "أفينيتي" في الشرق الأوسط.
وبعد بدء الهجمات على طهران، برزت شكوك في وجود صلة بين المسارين. وقال لي أميركي تربطه علاقات وثيقة بقادة في الشرق الأوسط: "انطباعي أنه كان يعتقد أنه يضرب عصفورين بحجر واحد: يساعد العرب على هزيمة الإيرانيين، ويريد أن يحصل على مقابل لذلك".
ومع تحوّل الحرب إلى مستنقع، تراجع دور كوشنر وويتكوف في محادثات السلام، وتولى فانس قيادة الجولة الأخيرة هذا الصيف.
وقال لي مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى إن الملكيات الخليجية شعرت بخيبة أمل بسبب فشل كوشنر في منع الحرب: "كانوا يستثمرون المال فيه، ويعتقدون أن ذلك سيمنحهم قدراً من النفوذ يحميهم، لكنه فعل العكس". وأضاف: "كان نموذج أعمالهم بأكمله قائماً على الاستقرار. والآن اختفى الاستقرار".
توسّع "أفينيتي" وصفقة "إلكترونيك آرتس"
ومع ذلك، واصل كوشنر تحقيق مكاسب كبيرة. ففي عام 2025، ساعدت استثمارات جديدة من الشرق الأوسط صندوقه على النمو بنسبة 30%، ليتجاوز حجمه 6 مليارات دولار، ما يعني أنه يجني عشرات ملايين الدولارات سنوياً من الرسوم. وتقدّر "أفينيتي" معدل عائدها الداخلي السنوي بنحو 25%.
ومن بين استثماراتها مشروعان كبيران في "إسرائيل": 110 ملايين دولار في "شلمو غروب"، وهي شركة لتأجير السيارات، ونحو 300 مليون دولار في "فينيكس فايننشل"، وهي شركة تأمين. ومرة أخرى، استخدم كوشنر أموالاً سعودية ضمن هدف أوسع يتمثل في فتح "ممر استثماري" بين السعودية و"إسرائيل".
ولم يعترض محمد بن سلمان على الصفقة، رغم الجدل المحيط بسجل "فينيكس" في ما يتعلق بحقوق الفلسطينيين؛ إذ تملك الشركة أسهماً في شركات مدرجة ضمن قاعدة بيانات للأمم المتحدة تضم شركات تعمل في المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان المحتلة. وفي تموز/يوليو، باعت "أفينيتي" ربع حصتها في "فينيكس" مقابل نحو 350 مليون دولار.
لكن أكبر صفقات كوشنر الأخيرة، بفارق كبير، كانت الاستحواذ على شركة "إلكترونيك آرتس" (E.A.)، إحدى كبرى شركات ألعاب الفيديو. ففي آب/أغسطس الماضي، عرّف كوشنر، الذي يستمتع بلعب ألعاب الفيديو مع محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي إلى أندرو ويلسون، رئيس الشركة.
والتقى الرجلان في نيوم، المدينة المستقبلية التي يبنيها محمد بن سلمان على البحر الأحمر، ولعبا جولة من الغولف. وقال لي أميركي تربطه علاقات وثيقة بقادة في الشرق الأوسط: "جاريد هو من أحضر الصفقة إلى محمد بن سلمان".
وبعد وقت قصير، شكّل محمد بن سلمان ائتلافاً يضم "أفينيتي" للاستحواذ على "إلكترونيك آرتس" مقابل 55 مليار دولار، في ما وُصف بأنه أكبر استحواذ مموّل بالديون في التاريخ.
وأثارت الصفقة مخاوف تنظيمية، نظراً إلى تعامل الشركة مع كميات هائلة من بيانات المستخدمين. لكن لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وهي هيئة اتحادية مشتركة بين عدة وكالات تتولى مراجعة مثل هذه الصفقات، تتألف إلى حد كبير من مسؤولين في إدارة ترامب، فيما يملك الرئيس الكلمة النهائية. وقد تمت الموافقة على الصفقة الشهر الماضي.
مخاطر المزج بين السياسة والأعمال
وبالنسبة إلى كوشنر، يكمن خطر المزج بين السياسة والأعمال في احتمال أن تنقلب الظروف السياسية ضده؛ فقد يتوقف داعموه في الخارج عن اعتباره حليفاً ذا قيمة، أو قد يجد خصومه في الولايات المتحدة سبلاً لملاحقته قانونياً على خلفية ما يرونه انتهاكات لقواعد الأخلاقيات.
وإذا فاز الديمقراطيون بالأغلبية في أي من مجلسي الكونغرس هذا الخريف، فمن المرجح أن تخضع تعاملاته لتدقيق أكبر. وقال لي أحد مساعدي الديمقراطيين إنهم قد يستدعونه للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، أو يطالبوا شركة "إس. إي. آي. إنفستمنتس"، التي تدير أمواله، بتسليم سجلاتها. وأضاف: "سنضغط بقوة من أجل ذلك".
لكن من غير الواضح مدى قدرة المشرعين، أو حتى المدعين العامين، على التحرك. فقد منحت المحكمة العليا ترامب حصانة قانونية واسعة، كما يتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة في إصدار العفو، وتعهد بالعفو عن أعضاء فريقه الذين يواجهون تحقيقات.
وقالت فيرجينيا كانتر، المحامية المتخصصة في أخلاقيات العمل الحكومي: "لو لم يكن كوشنر صهر الرئيس، لكان خاضعاً للتحقيق من مكتب التحقيقات الفيدرالي. لا يستطيع أي شخص آخر الإفلات من هذا".
نقله إلى العربية: الميادين نت.