البرازيل في مواجهة إعادة بناء المجال الأميركي.. أزمة الممرّات وصراع التراكم في أميركا الجنوبية
الصراع الحقيقي مع برازيليا يدور حول الخطورة التي تستشعرها أميركا من كون البرازيل قادرة على بناء تراكم يسمح لها بأن تكون مركز مجال مستقلاً في أميركا الجنوبية، بالتعاون مع كل من الصين وروسيا، وهو ما لا يمكن للولايات المتحدة احتماله.
-
الصراع على البرازيل هو في جوهره صراع على من يحدد اتجاه التراكم.
يقول البرازيليون في تعبير شعبي شائع: «الله برازيلي» (Deus é brasileiro). والمقصود بهذا التعبير ليس المعنى الديني المباشر، وإنما التندر عن حظ البرازيل، وكون الظروف كثيرًا ما تنحاز لمصلحتها. لكن هذا التعبير الشعبي يبدو أنه يكتسب اليوم معنى جيوسياسياً أكثر إثارة للاهتمام؛ فالبرازيل تجد نفسها في لحظة تاريخية تتقاطع فيها وفرة مواردها واتساع مجالها وموقعها الأطلسي مع أزمة عالمية في الطاقة والممرات والتجارة.
في الـ5 من مارس 2026، وقف وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في مقر القيادة الجنوبية الأميركية بفلوريدا ليعلن ما وصفه بأنه «خريطة استراتيجية جديدة» رسمها الرئيس دونالد ترامب. لم تكن الخريطة مجرد إعادة تعريف لمفهوم الأمن الأميركي، وإنما محاولة لإعادة رسم المجال الجغرافي الذي تعتبره واشنطن جزءًا من محيطها الأمني المباشر.
أطلقت وزارة الحرب الأميركية على هذا التصور اسم «أميركا الشمالية الكبرى» (Greater North America)، ووفق تعريف هيغسيث فإنها تشمل كل دولة وإقليم يقع شمال خط الاستواء، من غرينلاند إلى الإكوادور، ومن ألاسكا إلى غيانا، بينما تُعامل أميركا الجنوبية الواقعة جنوب خط الاستواء باعتبارها المجال الذي ينبغي أن يتحمل مسؤولية أكبر في حماية جنوب الأطلسي وجنوب المحيط الهادئ بالتعاون مع الولايات المتحدة.
لم يكن اختيار هيغسيث للأمازون وجبال الأنديز كحاجزين جغرافيين تفصيلًا عابرًا. فالخطاب الأميركي الجديد يعيد تعريف نصف الكرة الغربي وفق المجال الجغرافي والممرات والبنية التحتية والموارد، ويضع قناة بنما والكاريبي والموانئ والمنشآت الاستراتيجية في قلب الأمن الأميركي.
والأهم أن هيغسيث تحدث صراحة عن مواجهة القوى التي تحاول «إزاحة العلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب في الأميركيتين» لمصلحة ما سمّاه «الجنوب العالمي»، وعن ضرورة استعادة السيطرة على البنية التحتية والممرات الاستراتيجية في المنطقة.
هنا تحديدًا تصبح البرازيل هي المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى واشنطن. فالمسألة بين الطرفين لا تقتصر على خلاف بين حكومة لولا وإدارة ترامب، ولا الاختلاف الأيديولوجي بين اليسار واليمين. المشكلة، في الواقع، هي أن البرازيل تمتلك المجال والموارد والتراكم الذي يسمح لها بأن تصبح مركز مجال مستقل في أميركا الجنوبية. ولذلك فإن إعادة بناء المجال الأميركي في النصف الغربي لا يمكن أن تكتمل من دون التأثير في اتجاه البرازيل.
إذاً، لم تعد البرازيل قادرة على التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة خارجية يمكن إدارة الخلاف معها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. ما يجري في أميركا اللاتينية منذ العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، والتصعيد تجاه كوبا، والضغط على الحكومات والانتخابات للدفع باليمين إلى السلطة، ما يكشف عن محاولة أميركية محمومة لإعادة بناء المجال الذي فقدت واشنطن جزءًا كبيرًا من قدرتها على التحكم فيه.
وفي قلب هذا الصراع تقف البرازيل، المحاطة حالياً بحكومات يمينية أو حكومات جرى ترويضها أميركياً، كونها الدولة الوحيدة في أميركا الجنوبية التي تمتلك الحجم الجغرافي والديمغرافي والصناعي والاقتصادي والسياسي الذي يسمح لها بتحويل استقلال القرار إلى مجال إقليمي فعلي ومؤثر في محيطها.
كانت العملية الأميركية في فنزويلا في يناير 2026 نقطة تحول. فالولايات المتحدة لم تكتفِ بالعقوبات والضغط السياسي، بل نفذت عملية عسكرية أسقطت حكومة نيكولاس مادورو وألقت القبض عليه، ثم أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا خلال المرحلة الانتقالية. وردّ لولا بأن العملية تجاوزت «خطًا غير مقبول» وأنها تمثل اعتداءً خطيرًا على سيادة فنزويلا وسابقة خطيرة للنظام الدولي. أهمية الحدث بالنسبة للبرازيل لا تكمن في موقفها من مادورو، وإنما في أن قوة خارجية أصبحت تستخدم القوة العسكرية لإعادة ترتيب أوضاع دولة تقع مباشرة داخل المجال الجغرافي لأميركا الجنوبية.
ولذلك، لم تنظر برازيليا إلى فنزويلا كأزمة فنزويلية فقط. إذا كان بإمكان واشنطن إسقاط حكومة في كراكاس بالقوة، فإن المجال الجنوب أمبركي نفسه يصبح موضع إعادة تفاوض بالقوة. وتأتي كوبا في الاتجاه نفسه. فواشنطن وسّعت الضغط الاقتصادي والعسكري على الجزيرة، وظهرت خلال العام تقارير عن دراسة خيارات عسكرية أميركية ضدها. ورغم أن دراسة الخيارات لا تعني اتخاذ قرار بالغزو، فإن انتقال الملف الكوبي إلى مستوى التخطيط العسكري يكشف أن كوبا أصبحت جزءًا من محاولة إعادة فرض السيطرة الأميركية على المجال الكاريبي.
بالنسبة إلى البرازيل، فإن فنزويلا وكوبا ليستا ملفّين منفصلين؛ إنهما علامتان على اتجاه واحد: إعادة بناء المجال الأميركي في نصف الكرة الغربي، في وقت أصبحت فيه دول أميركا اللاتينية أكثر ارتباطًا بالصين وروسيا وإيران والهند.
ولذلك فإن الصراع الحقيقي مع برازيليا يدور حول الخطورة التي تستشعرها أميركا من كون البرازيل قادرة على بناء تراكم يسمح لها بأن تكون مركز مجال مستقلاً في أميركا الجنوبية، بالتعاون مع كل من الصين وروسيا، وهو ما لا يمكن للولايات المتحدة احتماله.
هنا دخلت الانتخابات البرازيلية مباشرة في الصراع. وتظهر الأرجنتين في هذه المعادلة بوصفها الحلقة الإقليمية الأكثر وضوحًا. فخافيير ميلي، الحليف الأبرز لترامب في أميركا الجنوبية، سافر إلى البرازيل في يوليو للمشاركة في دعم ترشيح فلافيو بولسونارو، مقدمًا المعركة البرازيلية باعتبارها جزءًا من المواجهة الإقليمية بين اليمين واليسار. بل إن الصراع تجاوز الدعم السياسي العلني. فقد نشأ خلاف بين برازيليا وواشنطن حول محاولات أميركية للتدخل في النقاش المتعلق بنزاهة الانتخابات والنظام الانتخابي البرازيلي، بينما أعلن لولا أن بلاده لن تقبل التدخل الخارجي في انتخاباتها.
لكن المشكلة الأميركية أن البرازيل تدخل هذه المعركة وهي في وضع اقتصادي مختلف عن معظم دول أميركا الجنوبية. أزمة هرمز وباب المندب رفعت قيمة الطاقة والغذاء والموارد الطبيعية، والبرازيل تمتلك الثلاثة. خلال النصف الأول من 2026 ارتفعت صادراتها 11%، وكان أكثر من نصف الزيادة مدفوعًا بالصين، خصوصًا النفط واللحوم وفول الصويا، بينما ارتفع فائضها التجاري بنحو 40%.
الأهم أن هذه القوة لا تقوم على النفط وحده. فالبرازيل تمتلك قاعدة صناعية كبيرة، وزراعة ضخمة، وتعدينًا، وسوقًا داخلية هائلة، وقطاعًا نفطيًا يتوسع. وبلغ إنتاج Petrobras في الربع الثاني من 2026 نحو 2.7 مليون برميل يوميًا، بينما اقتربت صادراتها النفطية من مليون برميل يوميًا. وفي سبتمبر بلغ فائض التجارة البرازيلية منذ بداية العام نحو 58.7 مليار دولار، بزيادة تقارب 37% عن الفترة نفسها من العام السابق.
هنا تصبح أزمة هرمز وباب المندب مهمة بصورة خاصة. البرازيل تضررت بالفعل من اضطراب الممرات لأنها تعتمد على الأسمدة المستوردة، لكن الضرر لا يلغي ميزتها النسبية: فهي قوة زراعية وصناعية ونفطية ضخمة، وبعيدة جغرافيًا عن مركز الصراع، وتملك موانئ أطلسية وعلاقات تجارية واسعة مع آسيا. أما اضطراب باب المندب فيرفع تكلفة الطرق البحرية ويزيد أهمية طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يرفع من القيمة النسبية للمجال الأطلسي البرازيلي. وإذا استمرت أزمة هرمز فترة طويلة، فإن المشكلة بالنسبة إلى الأرجنتين ستكون أكبر. فالأرجنتين استفادت من ارتفاع عوائد Vaca Muerta؛ ففي الأشهر السبعة الأولى من 2026 ارتفعت صادراتها 22.9% إلى 58.4 مليار دولار، وبلغ فائضها التجاري 16.1 مليار دولار. لكن تركيب تجارتها يكشف اعتمادًا أكبر على الخارج، حيث توفر الصين 22.5% من وارداتها والبرازيل 21.6%، وسجلت الأرجنتين عجزًا تجاريًا مع البلدين.
وهنا يظهر الفارق، بصورة أكثر وضوحاً. الأرجنتين تملك النفط، لكنها تحتاج إلى استيراد جزء كبير من المدخلات التي تحول هذا النفط إلى إنتاج وتراكم. أما البرازيل فتملك النفط والغذاء والمعادن والصناعة والسوق الداخلية في وقت واحد. ولذلك فإن ارتفاع قيمة الموارد لا ينتج التراكم نفسه. في الأرجنتين يمكن أن تتحول عوائد النفط سريعًا إلى واردات من الصين والبرازيل وغيرها؛ أما في البرازيل فيمكن أن يبقى جزء أكبر من القيمة داخل المجال الاقتصادي الوطني.
وتزداد أهمية ذلك إذا تمكنت إيران من فرض وضعها كقوة مسيطرة فعليًا على مضيق هرمز. فالأزمة لن تتعلق بالنفط فقط، بل بالأسمدة والغاز والكيماويات والهيليوم وسلاسل صناعية كاملة. الأرجنتين تحتاج إلى كثير من هذه المدخلات. أما البرازيل، فرغم حاجتها إلى الأسمدة، فتملك قاعدة إنتاجية أوسع وقنوات سياسية واقتصادية مع الصين وروسيا وإيران، ومن خلال منظمة بريكس يجري توفير الإطار السياسي والمالي الذي يسمح لهذه العلاقات بالاتصال. لذلك فإنها تستطيع التعامل مع المجال الذي يملك الموارد أو الممرات من موقع تفاوضي أقوى من دولة تعتمد أساسًا على السوق الخارجية.
في المقابل، تواجه الأرجنتين مشكلة داخلية أخرى مرتبطة بنموذج ميلي. فالحكومة الأرجنتينية قلصت التزامات الدولة والإنفاق العام ووسعت مساحة رأس المال الخاص، بينما تحاول تحويل Vaca Muerta ومنطقة هضبة باتاغونيا إلى منصات ضخمة للتصدير والاستثمار. وقد حقق هذا النموذج فائضًا تجاريًا وتحسنًا في بعض المؤشرات، لكنه يفتح سؤالًا اجتماعيًا مباشرًا: من يحصل على التراكم الذي تنتجه الموارد الأرجنتينية؟ وتزداد حدة السؤال مع منطقة باتاغونيا خصوصاً. فالمنطقة أصبحت مركزًا لمشروعات النفط والغاز والطاقة المتجددة، كما يجري الترويج لها كموقع لمراكز بيانات ضخمة مرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي.
وإذا استمرت طفرة الذكاء الاصطناعي، فقد تحصل الأرجنتين على استثمارات ضخمة في الطاقة والحوسبة؛ لكن إذا انفجرت الفقاعة أو دخلت الصناعة مرحلة تصحيح حاد، فإن جزءًا من الرهان على مراكز البيانات قد يتبخر قبل أن يتحول إلى تراكم مادي دائم. عندها تصبح البنية التحتية والامتيازات التي صُممت لاستقبال رأس المال الخارجي مصدرًا لصراع سياسي جديد.
لقد بدأت باتاغونيا بالفعل تتحول إلى ساحة صراع حول ملكية المجال نفسه، مع احتجاجات على سياسات الملكية والأرض ونزاعات حول أراضي مجتمعات السكان الأصليين. وكان رفع شعار «الوطن ليس للبيع» الذي ظهر في احتجاجات 2026 معبّراً عن انتقال الصراع من الاعتراض على سياسة اقتصادية إلى سؤال أعمق حول موارد باتاغونيا وهل ستتحول إلى تراكم أرجنتيني وطني، أم إلى منصة لاستخراج الطاقة والأرض والموارد لصالح رأس المال الخارجي؟
هنا يظهر الفارق بين النموذجين بوضوح. حكومة لولا تستخدم أدوات الدولة، وعلى رأسها Petrobras والإنفاق الاجتماعي والائتمان والاستثمار الصناعي، لإعادة تدوير جزء من عوائد الموارد داخل المجتمع. أما نموذج ميلي فيعطي الأولوية لتقليص الدولة وإعادة فتح المجال أمام رأس المال الخاص. لذلك فإن ارتفاع قيمة الموارد لا يضمن النتيجة نفسها في البلدين؛ بل طريقة توزيع التراكم التي ستحدد مقدار القوة الاجتماعية التي تنتج عنه.
لهذا فإن الصراع على البرازيل هو في جوهره صراع على من يحدد اتجاه التراكم داخل أكبر مجال مستقل محتمل في أميركا الجنوبية. الولايات المتحدة تحاول إعادة بناء مجالها عبر الضغط على فنزويلا وكوبا والحكومات اليسارية والوطنية المعادية لهيمنتها، وعبر شبكة من الحكومات اليمينية، والضغط السياسي والاقتصادي على البرازيل، واستخدام الأرجنتين كحليف إقليمي.
لكن المفارقة أن هذه الضغوط نفسها تدفع البرازيل إلى توسيع بدائلها، عبر تقوية العلاقات مع الصين وروسيا وإيران، ودول منظمة بريكس عموماً، والاستقلال عن المجال الأميركي يتحول من موقف سياسي إلى مصلحة اقتصادية مباشرة. أي إن الخطر الحقيقي الذي تخشاه أميركا هو أن البرازيل أصبحت قادرة على الاستغناء التدريجي عن احتكار المجال الأميركي لمصادر تراكمها.
هذه هي المعركة الآتية في أميركا الجنوبية: هل تستطيع واشنطن إعادة البرازيل إلى مجالها قبل أن يتحول التراكم البرازيلي الجديد إلى مجال مستقل مكتمل؟ أم أن أزمة الممرات، وصعود بريكس، واتساع العلاقات مع الصين، وتراجع قدرة واشنطن على فرض اتجاه واحد للقارة، ستجعل المجال البرازيلي واقعًا لا يمكن التراجع عنه؟ في هذه المعركة، لا تقف البرازيل أمام الولايات المتحدة من موضع الضعف. فهي تعتمد على قاعدة إنتاجية وموارد وموقع جغرافي ما يجعل الأزمة العالمية نفسها مصدرًا محتملًا لتراكم جديد.
أما الأرجنتين، الحليف الأبرز للولايات المتحدة، فعلى الرغم من ثروتها النفطية الهائلة، فما زالت تواجه سؤالًا أكثر صعوبة يجري تداوله بين اليمين واليسار: هل تحوّل مواردها إلى تراكم داخلي وطني؟ أم تتحول العوائد إلى طلب جديد على التراكم الذي ينتجه الآخرون؟ وهنا تحديدًا قد يصبح الفارق بين نموذجي البرازيل والأرجنتين أحد أهم مفاتيح الصراع على مستقبل أميركا الجنوبية.