"مودرن دبلوماسي": الحرب التي غيرت "الشرق الأوسط".. صعود إيران كقوة إقليمية

موقع "مودرن دبلوماسي" الأميركي ينشر تقريراً يقر فيه بأن الصدام بين إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة قد يشكّل محطة تحول استراتيجية في الجغرافيا السياسية لـ "الشرق الأوسط".

  • "مودرن دبلوماسي": الحرب التي غيرت "الشرق الأوسط": صعود إيران كقوة إقليمية

نشر موقع "مودرن دبلوماسي" الأميركي تقريراً ذكر فيه، أن الصدام بين إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة قد يشكّل محطة تحول استراتيجية في الجغرافيا السياسية لـ "الشرق الأوسط"، خاصة مع انتقال طهران من عقيدة البقاء إلى عقيدة النفوذ الإقليمي، حيث يعاد تشكيل موازين القوى التي كوّنت المنطقة لعقود بشكل جذري.

تحول إيران من الدفاع إلى الطموح

وذكر الموقع أن إيران لم تعد تقاتل فقط من أجل البقاء، بل تختبر الظروف لتحقيق التفوق الإقليمي، حسب ما يصف عالم السياسة الأميركي روبرت بابي، بأنها "اللعبة الوسطى"، حيث تتجاوز إيران مرحلة الدفاع، وتبني الآن "حزاماً أمنياً للمقاومة"، يمتد من مضيق هرمز وصولاً إلى البحر الأحمر، إذ لم تعد طهران تكتفي بالرد، بل إنها تجمع نفوذها عبر منطقة الخليج إلى لبنان واليمن، وتحول المنطقة إلى مسرح استراتيجي تضع فيه القواعد، وتفرض تتبعها. 

ويضيف بابي، "نحن في منتصف اللعبة، وفي هذه المرحلة ثمة سمة مميزة بانتقال إيران من مرحلة إلى أخرى في طريق أن تصبح الدولة المهيمنة في منطقة الخليج، وهو أمر مهم، لأنه يشير إلى تغيير حقيقي في آلية الصراع، حيث أصبحت إيران أكثر تنسيقاً واستراتيجيتها هادفة، بينما واشنطن عالقة مع "تل أبيب" في دائرة ردود الفعل، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يكتفي بالإيماءات دون أي استراتيجية، فهو لا يصدق ما يراه، ويطلب من نتنياهو المتردد الامتثال لمطالب إيران، والتوقف عن قصف بيروت، مضيفاً أن "إسرائيل" عالقة في معضلة تصعيد كلاسيكية، فإذا لم ترد ستبدو ضعيفة ويتلاشى الردع، وإذا ردت فهي تخاطر بتأجيج الصراع الذي يهدد "أمنها".

ويؤكد ذلك المحلل تريتا بارسي، مشيراً إلى نقطة أكثر وضوحاً عن "إسرائيل"، إذ يرى أن وضعها الأمني ​​يزداد هشاشة، حتى مع ازدياد "جرأة عملياتها العسكرية"، على سبيل المثال "حادثة تسلل بعض مقاتلي حزب الله الأخيرة نحو المستوطنات الإسرائيلية، أظهر وضعاً عسكرياً بلا استراتيجية، حيث تؤدي توغلات المقاومين المحدودة إلى عواقب استراتيجية وخيمة عليها".

كذلك، تمارس إيران ضغوطاً في مواقع استراتيجية مهمة على القواعد العسكرية الأميركية في الكويت والبحرين لتضييق الخناق على الجيش الأميركي، وتردع الضربات الإسرائيلية على بيروت، وتهيمن على خطوط الملاحة العالمية وخطوط الطاقة في البحر الأحمر، فالفكرة الأساسية هي أن إيران تحول الجغرافيا إلى استراتيجية ليست بدافع الحصار واليأس، بل على العكس، فهذا دليل على استراتيجية تسعى لإعادة رسم خريطة موازين القوة الإقليمية، بحسب الموقع.

تقلص هامش المناورة لـ "إسرائيل"

وأضاف "مودرن دبلوماسي" أنه رغم قوة "إسرائيل" العسكرية، ورغم إرهاق "جيشها" وضعف معنوياته، فهي ما تزال تعتمد بشدة على الولايات المتحدة كـ "ضامنها الأمني ​​الأخير"، إلا أن قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على هذا الدور تتضاءل بسبب ضعف أداء "الجيش" وضغط الرأي العام المحلي.

وعلى المستوى السياسي، فالوضع لا يقل صعوبة عن العسكري، بحسب الموقع، فالدعم الدولي لـ "إسرائيل" يتضاءل وهو في أدنى مستوى له تاريخياً في الرأي العام الأميركي وحول العالم، وموقف "إسرائيل" الآن يجلب لها المزيد من المعارضة بدلاً من "الشرعية"، من اتهامها بالإبادة الجماعية في غزة، والسلوك الوحشي وغير الأخلاقي لـ "جيشها"، وعدم احترام القوانين والمعايير الدولية، ووحشية وسلوك المستوطنين الإجرامي في الضفة الغربية دون عقاب، وتدمير جنوب لبنان بطريقة مماثلة لما فعلته في غزة شكلت الأسباب الرئيسة لهذا.

لهذا السبب، تتجاوز الحرب مجرد تحديد المنتصر في ساحة المعركة، فهي تتعلق أيضاً بالتكاليف السياسية المتزايدة، كما أن استخدام "إسرائيل" المتكرر للقوة رسخ صورتها كـ "دولة تفضل التصعيد على الحوار، والعسكرة على الدبلوماسية".

ووفقاً لـ بابي وبارسي، فإن هذا النهج يضعف موقفها فعلياً من خلال توسيع التحالف المناهض لـ "إسرائيل"، ويعزز التحالف بين إيران وحزب الله، ويدفع ببعض الدول العربية إلى التردد بدلاً من اتخاذ موقف حاسم

الخريطة الإقليمية الجديدة: التجزئة، التحوط، والردع

ويرى بارسي أن الولايات المتحدة تلقت ضربة قوية، وأن قوى "الشرق الأوسط" باتت تشكك بشكل متزايد في الاعتماد على الحماية الأميركية، أما عن النتيجة، فهي في توجه هذه القوى نحو تنويع استراتيجياتها التحوطية، إذ لم تعد دول الخليج تسير في صف واحد، مثل الإمارات المتحالفة مع "إسرائيل"، بينما تتخذ دول مثل السعودية وقطر وعُمان مسارات مختلفة، وبعضها مثل الكويت، يتوخى الحذر، بينما يعزز البعض الآخر علاقاته الاقتصادية مع إيران للحد من مخاطر المواجهة.

كذلك، يعارض الموقع إنكارَ دور القوة الخارجية، مثل باكستان، وهي قوة نووية في المنطقة، ويقول إنه إلى جانب معاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، تُشكّل الدولتان جزءاً من ترتيب أمني إقليمي أوسع يشمل تركيا ومصر. ومن خلال باكستان وإيران، تعزز الصين وروسيا نفوذهما في المنطقة، إذ يعتبر أن هذه هي خريطة "الشرق الأوسط" الجديدة: أقل تركيزاً على الولايات المتحدة، وأكثر انقساماً، ومتعددة الأقطاب بشكل متزايد.

مع ذلك، فإن مجرد كون المنطقة لم تعد أحادية القطب لا يعني أنها قد وجدت توازناً جديداً، والحروب عادة لا تؤدي إلى توازن مستقر، بل تدار في مناخ استنباط استراتيجي، بحسب الموقع، حيث تصبح القوى المتوسطة والحلفاء ونقاط الاختناق الطاقية أكثر أهمية من التحالفات التقليدية.

الاستنتاجات

واختتم الموقع تقريره بالقول إن إيران تسعى إلى ترسيخ قوة ردع موسعة، وقد أوضحت للولايات المتحدة و"إسرائيل" أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل المنطقة بأسرها، وأن "إسرائيل" يجب أن تُضبط وتكون جزءاً منه لتجنب اندلاع حروب جديدة.

وبينما تتعرض الدبلوماسية لضغوط، ما يزال هناك مصلحة مشتركة في التوصل إلى اتفاق، بحسب ما ذكر الموقع، مع أنه بالنسبة لإيران، لا ينبغي قبول أي اتفاق، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالوقت لا يصب في مصلحة ترامب، بينما فجوة عدم الثقة اتسعت الآن، ويعود ذلك جزئياً إلى أن التخريب الإسرائيلي قد عرقل المحادثات، ولأن السياسة الأمريكية تخضع في الغالب للضغوط السياسية الإسرائيلية.

واعتبر "مودرن دبلوماسي" أن الدبلوماسية إذا انهارت، فقد يكون ذلك لأن "إسرائيل" جعلت من المكلف سياسياً للغاية على واشنطن أن تنظر إلى إيران إلا كـ "عدو دائم"، وعليه، صارت إيران تتمتع بثقة أكبر ودور أوسع في تشكيل المنطقة من خلال الضغط والمناورة، كما أن الصراع كشف عن مدى هشاشة الردع الإسرائيلي، وعن حدود قدرة عملها الأحادي بوضوح، بالإضافة إلى أن دول الخليج وتركيا ومصر وباكستان تسارع إلى البحث عن خيارات أمنية جديدة، وهي لم تعد راضية بالاعتماد كلياً على الولايات المتحدة، وفي أثناء ذلك، تشهد إيران صعوداً بسبب حساباتها الاستراتيجية في استخدام القوة ومضيق هرمز، بينما يتنازع ترامب ونتنياهو علناً حول من يقود ائتلافهما. 

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.