ماذا عن مستقبل حزب الله؟

مستقبل جنوب لبنان لن يُحسم في الميدان وحده، بل سيكون نتيجة تفاعل معقّد بين المفاوضات الأميركية الإيرانية، ومحاولات العرقلة الإسرائيلية، وموازين القوى الداخلية اللبنانية.

0:00
  • حول مستقبل حزب الله.
    حول مستقبل حزب الله.

يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها المواجهة العسكرية في جنوب لبنان مع المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي يجعل أيّ تطوّر ميداني على الجبهة اللبنانية ينعكس مباشرة على مستقبل التفاهمات الإقليمية.

وفي هذا السياق، تبدو الحرب في جنوب لبنان جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية، إذ ترتبط بموازين القوى بين واشنطن وطهران وبمحاولة كلّ طرف تحسين شروطه قبل الوصول إلى أيّ تسوية سياسية. 

لا اتفاق من دون وقف العدوان الإسرائيلي 

انطلاقاً من هذا المنظور، يصعب تصوّر توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. فطهران ربطت أيّ تقدّم في المفاوضات بوقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني. من هنا، فإنّ الضغوط التي قد تمارسها الإدارة الأميركية على "إسرائيل" لا تنبع من الحرص على استقرار لبنان، بل من رغبة واشنطن في إزالة العقبات التي تحول دون التوصّل إلى تفاهم مع إيران.

في هذا السياق يمكن تفسير التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن أداء "الجيش" الإسرائيلي وقوله إنّ "إسرائيل" لا تعرف كيف تقاتل حزب الله باعتبارها جزءاً من سياسة الضغط على الحكومة الإسرائيلية، بهدف دفعها إلى تعديل سلوكها العسكري بما يخدم الأهداف الأميركية الأوسع، وفي مقدّمتها إنجاح المفاوضات مع إيران وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. 

في هذا الإطار، لا يبدو أنّ العامل العسكري وحده سيكون كافياً لدفع "إسرائيل" إلى الانسحاب من الجنوب، على الرغم من الخسائر التي تتكبّدها نتيجة عمليات المقاومة. فالعامل الحاسم قد يكون سياسياً واستراتيجياً، ويتمثّل في إدراك الولايات المتحدة أنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي سيؤدّي إلى تعطيل المفاوضات مع إيران، وهو ما قد يدفعها إلى ممارسة ضغوط مباشرة على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية.

حول مستقبل حزب الله 

أما بالنسبة إلى مستقبل حزب الله، فإنّ التطوّرات الأخيرة قد تؤدّي إلى تعزيز موقعه السياسي والعسكري بدلاً من إضعافه. فعدم نجاح "إسرائيل" في القضاء على الحزب يمنحه فرصة لترسيخ حضوره داخل البيئة الشيعية اللبنانية، التي لا يزال يتمتع فيها بقاعدة شعبية واسعة. ولذلك يصعب تصوّر استبعاده من الحياة السياسية اللبنانية في أيّ تسوية مستقبلية. 

وفي ما يتعلّق بمصير سلاح الحزب، فإنّ التجربة الأخيرة عزّزت قناعة قيادته وأنصاره بأنّ امتلاك القوة العسكرية يشكّل ضمانة في مواجهة أيّ اعتداء إسرائيلي. لذلك، من غير المتوقّع أن يتخلّى الحزب عن سلاحه بسهولة، بل قد تتجه أيّ تفاهمات مستقبلية إلى تنظيم قواعد الاشتباك ووضع ضوابط للاستخدام العسكري بدلاً من المطالبة بنزع السلاح بصورة كاملة. ولا يستبعد هذا السيناريو أن تتعامل الولايات المتحدة بواقعيّة مع هذا الواقع إذا كان ذلك يساهم في تحقيق استقرار طويل الأمد على الحدود. 

بناء على ذلك فإنّ الحديث عن انقسام داخل حزب الله بين جناحه السياسي والجناح العسكري لا يستند إلى معطيات قوية، إذ يظهر الطرفان توافقاً حول استمرار مواجهة "إسرائيل" حتى إنهاء الاحتلال. أما داخل الطائفة الشيعية اللبنانية، فرغم وجود أصوات متعبة من استمرار الحرب وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، فإنها لا تزال تمثّل أقليّة مقارنة بالقاعدة الشعبية التي تؤيّد خيارات الحزب. 

وعلى صعيد هوية حزب الله، فإنه خلافاً للمزاعم الغربية فإنّ الحزب هو حزب لبناني وان كان على علاقة وثيقة بايران. فالحزب نشأ أساساً في سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، واستند إلى بيئة اجتماعية وسياسية لبنانية، بينما جاءت علاقته بطهران نتيجة الدعم الذي وفّرته الجمهورية الإسلامية بعد تراجع الدعم الذي كانت تقدّمه قوى عربية ودولية أخرى لحركات المقاومة اللبنانية الأخرى. ومن ثمّ، فإنّ العلاقة مع إيران تُفهم في إطار التحالف الاستراتيجي بين دول وحركات مقاومة اختارت مواجهة المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة. 

لا تفاوض ولا سلام بل هدنة طويلة الأمد 

تبدو احتمالات الدخول في مفاوضات مباشرة بين حزب الله و"إسرائيل" شبه معدومة، نظراً إلى الاعتبارات العقائدية والسياسية التي تحكم موقف الحزب. وأقصى ما يمكن الوصول إليه هو مفاوضات غير مباشرة تجريها الدولة اللبنانية بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، مع احتفاظ حزب الله بقدراته العسكرية باعتبارها عنصر ردع في مواجهة أيّ تصعيد مستقبلي. 

ورغم استمرار المواجهة، فإنّ الحزب لا يرفض الحلول الدبلوماسية من حيث المبدأ، بل يعتبر أنّ أيّ مسار تفاوضي يجب أن يقوم على التزام "إسرائيل" بوقف العمليات العسكرية واحترام أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار. ومن هذا المنطلق، قد يتيح الهدوء العسكري المجال أمام استئناف الحوار الأميركي الإيراني إذا توافرت الشروط المناسبة. 

أما إذا استمرّت "إسرائيل" في احتلالها العسكري لجنوب لبنان وواصلت عدوانها، فمن المرجّح أن تعمد إيران إلى تعليق المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع استخدام أدوات الضغط التي تمتلكها في المنطقة، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، انطلاقاً من قناعتها بأنّ واشنطن لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة جديدة.

وفي ما يتعلّق بالحديث المتكرّر عن إمكان إسناد دور أمني أو سياسي لسوريا في الدخول الى لبنان لنزع سلاح حزب الله يبقى احتمالاً ضعيفاً في ظلّ التعقيدات الإقليمية الحالية، ولا سيما مع تشابك المصالح التركية والإسرائيلية والأميركية داخل الساحة السورية. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد محاولات بعض القوى الدولية استثمار التوازنات الداخلية اللبنانية أو تأجيج الانقسامات المذهبية إذا رأت في ذلك وسيلة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

خلاصة 

في المحصّلة، فإنّ مستقبل جنوب لبنان لن يُحسم في الميدان وحده، بل سيكون نتيجة تفاعل معقّد بين المفاوضات الأميركية الإيرانية، ومحاولات العرقلة الإسرائيلية، وموازين القوى الداخلية اللبنانية. ولذلك، فإنّ أيّ تسوية مستدامة ستتطلّب معالجة متزامنة للملفات الأمنية والسياسية والإقليمية، باعتبارها حلقات مترابطة في أزمة واحدة تتجاوز حدود لبنان إلى مجمل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.