"فورين بوليسي": مفاوضات ترامب بشأن لبنان تُدمّر البلاد
مجلة "فورين بوليسي" تنشر تقريراً تقول فيه إنّ مسار المفاوضات الذي تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين لبنان و"إسرائيل" لا يقرّب من وقفٍ فعلي لإطلاق النار.
-
"فورين بوليسي": مفاوضات ترامب بشأن لبنان تُدمّر البلاد
نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريراً اعتبرت فيه أنّ مسار المفاوضات الذي تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين لبنان و"إسرائيل" لا يقرّب من وقفٍ فعلي لإطلاق النار، بل يدفع البلاد نحو مزيد من الإضعاف والتصعيد، في ظلّ استمرار الغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
ورأى التقرير أنّ المفاوضات الأميركية الإيرانية تبدو العامل الأكثر تأثيراً في أيّ تهدئة محتملة، أكثر من المحادثات المباشرة بين لبنان و"إسرائيل"، مشيراً إلى أنّ أيّ تفاهم بين واشنطن وطهران قد يُسقط عملياً الشروط التي تحاول الولايات المتحدة و"إسرائيل" فرضها على بيروت، بما يُظهر إيران كطرف أكثر قدرة على حماية لبنان من الدولة اللبنانية نفسها.
وحذّر التقرير من أنّ استمرار التفاوض من دون وقفٍ حقيقي لإطلاق النار سيُضعف السلطات اللبنانية ويُفاقم الانقسام الداخلي، معتبراً أنّ الضغط الأميركي على لبنان لمواجهة حزب الله قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية.
في ما يلي نصّ التقرير كاملاً بالعربية:
بدلاً من أن يؤدّي دور الوسيط النزيه، يُذلّ ترامب الحكومة اللبنانية.
مشهدٌ مألوفٌ للغاية: الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُخاطب وسائل الإعلام من المكتب البيضاوي، بينما يتناوب أعضاء حكومته وكبار الشخصيات الأجنبية على الإشادة به. وقد تكرّر هذا المشهد مؤخّراً، حيث كان ترامب محاطاً بسفيري لبنان و"إسرائيل"، إلى جانب نائب الرئيس جيه. دي. فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وكانوا قد اختتموا للتوّ جولةً ثانيةً من المحادثات الإسرائيلية اللبنانية برعاية الولايات المتحدة، وأعلن ترامب تمديد وقف إطلاق النار بين البلدين لـ 3 أسابيع.
عندما دعا ترامب السفيرة اللبنانية للتحدّث، حرصت على شكره بحرارة. قالت السفيرة ندى حمادة معوض: "أودّ أن أتقدّم بالشكر الجزيل للولايات المتحدة، بقيادة رئيسها، على كلّ جهودها المبذولة لمساعدة ودعم لبنان. وأعتقد أنه بمساعدتكم ودعمكم، يُمكننا أن نجعل لبنان عظيماً مرةً أخرى".
قال ترامب: "شكراً لكِ، تعجبني هذه العبارة، إنها عبارةٌ رائعة".
وأضافت حمادة: "MLGA".
كانت حمادة تغازل ترامب بعد يوم من قيام "إسرائيل" بقتل وجرح العشرات في لبنان، رغم إعلان الولايات المتحدة وقف إطلاق النار. وكانت من بين القتلى صحافية لبنانية بارزة، قصفها "الجيش" الإسرائيلي مراراً وتكراراً ثم منع فرق الإنقاذ من الوصول إليها.
"المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية مذلة"
اعتبر الكثيرون في لبنان فعّالية المكتب البيضاوي، التي جرت في 23 نيسان/أبريل، محرجة للغاية. وتنسجم هذه الفعّالية مع أسلوب إدارة ترامب للمفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، التي أذلّت قادة لبنان من دون تقديم أيّ اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار.
وقد طرحت عدة مقالات حديثة في مجلة "فورين بوليسي" مقترحاتٍ أكثر مسؤولية، أو "جدّية"، يمكن للولايات المتحدة من خلالها العمل على تحقيق أهدافها المعلنة بالتوسّط للسلام بين لبنان و"إسرائيل" مع تفكيك حزب الله. إلا أنّ هذه المقترحات تفترض ضمنياً أنّ الولايات المتحدة وسيط حسن النية، وهو ما لا تفعله. بل على العكس، بإجبارها قادة لبنان على التفاوض وفقاً لشروط "إسرائيل"، فإنها تُفقدهم مصداقيّتهم وتدفع البلاد نحو أزمة سياسية.
في 16 نيسان/أبريل، أعلنت إدارة ترامب وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان و"إسرائيل"، بعد عقد أول محادثات مباشرة بين البلدين منذ عقود. وبعد تمديد ترامب لوقف إطلاق النار لـ 3 أسابيع، أصبح سارياً حتى منتصف أيار/مايو. وتعقد الولايات المتحدة حالياً جولة ثالثة من المحادثات يومي 14 و15 أيار/مايو.
جاء وقف إطلاق النار الأوّلي بعد 46 يوماً من الحرب المفتوحة. في 2 آذار/مارس، أطلق حزب الله النار على "إسرائيل" رداً على اغتيالها (قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي) وانتهاكها لوقف إطلاق النار السابق. وهاجمت "إسرائيل" بعدها لبنان ما أسفر منذ ذلك الحين عن "مقتل" أكثر من 2800 شخص وإصابة الآلاف. ونزح نحو خُمس سكان لبنان. وأسفرت "هجمات" حزب الله عن مقتل أكثر من 20 إسرائيلياً، معظمهم جنود.
منذ وقف إطلاق النار في 16 نيسان/أبريل، توقّفت "إسرائيل" في الغالب عن مهاجمة المناطق الوسطى والشمالية من لبنان، بينما أوقف حزب الله هجماته على المناطق الداخلية الإسرائيلية. لكنّ "الصراع" لا يزال مستمراً في جنوب لبنان. منذ بدء وقف إطلاق النار، وأسفر القصف الإسرائيلي عن "مقتل" مئات الأشخاص.
لا تزال "إسرائيل" تحتل منطقة في جنوب لبنان محدّدة بخط دفاعي أمامي أو "خط أصفر". ضمن هذه المنطقة، هدم "الجيش" الإسرائيلي عشرات القرى، وأعلن مسؤولون إسرائيليون عزمهم منع السكان من العودة. وأمرت "إسرائيل" بإجلاء المزيد من سكان البلدات الواقعة شمال "خطها الأصفر"، وواصلت غاراتها شمالاً وجنوباً. من جانبه، استهدف حزب الله القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان وشمال "إسرائيل" (الأراضي الفلسطينية المحتلة)، في هجمات يقول إنها ردّ على انتهاكات "إسرائيل".
"وقف إطلاق النار في لبنان حربٌ مستمرة"
إنّ ما يُسمّى بوقف إطلاق النار اليوم ليس إلا أحدث فصول حربٍ مستمرة بشكل أو بآخر منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقد صعّدت "إسرائيل" بشكل كبير في أيلول/سبتمبر 2024. كان اتفاق وقف إطلاق النار المُبرم في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، نظرياً، "عادلاً"، لكنّ "إسرائيل" استغلت الدعم الأميركي الضمني لشنّ غارات جوية شبه يومية على لبنان، ومواصلة التقدّم جنوباً.
لم يردّ حزب الله طوال الأشهر الـ 15 المتتالية، قائلاً إنه يُفسح المجال أمام الجهود الدبلوماسية للحكومة اللبنانية لضمان التزام "إسرائيل".
وكانت إيران هي التي نجحت في كبح جماح "إسرائيل" جزئياً، عندما اشترطت أن يشمل أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" لبنان أيضاً. اعترضت الحكومة اللبنانية. وعندما توصّلت الولايات المتحدة وإيران إلى وقف إطلاق النار في 7 نيسان/أبريل، رحّبت الحكومة اللبنانية بذلك، لكنها أصرّت على أنه "لا يحقّ لأيّ طرف التفاوض باسم لبنان إلا الدولة اللبنانية".
ثمّ شنّت "إسرائيل" موجة من الغارات الجوية على لبنان، ما أسفر عن "مقتل" المئات. وعندما ندّدت إيران بالأمر، طلب ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقليص الضربات على لبنان والدخول في مفاوضات مباشرة. وفي التاسع من نيسان/أبريل، أعلن نتنياهو أخيراً عن بدء المفاوضات.
وقد زعمت جميع الأطراف المشاركة في هذه المحادثات الإسرائيلية اللبنانية أنها منفصلة عن المفاوضات الأميركية الإيرانية. ومع ذلك، بدا ترامب، على الأقل، مهتماً بشكل أساسي بخفض التصعيد في لبنان لتجنّب عرقلة المفاوضات مع إيران. وانطلاقاً من هذا، أعلنت إدارة ترامب وقف إطلاق النار بعد فترة وجيزة من استضافتها الجولة الأولى من المحادثات في واشنطن. لكن يبدو أنّ صياغة بنود وقف إطلاق النار كانت مصمّمة خصيصاً للسماح بهذا النوع من إراقة الدماء الذي تلا ذلك.
"ترخيص غير محدود للعمل الإسرائيلي"
وتُعدّ شروط وقف إطلاق النار التي نشرتها وزارة الخارجية الأميركية في الـ 16 من نيسان/أبريل، والتي يُزعم أنها حظيت بموافقة الحكومة اللبنانية، غير متكافئة بشكل واضح. إذ وُصفت الهدنة بأنها "بادرة حسن نيّة" من جانب "إسرائيل"، وتمديدها مشروط بنتيجة يُظهر فيها لبنان "قدرته على تأكيد سيادته بشكل فعلي". يشير النصّ فقط إلى "حقّ "إسرائيل" في الدفاع عن النفس"، وينصّ على أنّ "إسرائيل" "تحتفظ بحقّها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لـ "الدفاع عن النفس"، في أيّ وقت، ضدّ "الهجمات المخطّط لها أو الوشيكة أو الجارية"، وهو ما يُعدّ بمثابة ترخيص غير محدود للعمل الإسرائيلي. ولا يوجد أيّ ذكر لانسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان.
على الرغم من أنّ ترامب صرّح في البداية بأنّ "إسرائيل" "ممنوعة" من قصف لبنان، فقد أوضح لاحقاً أنه يؤيّد شنّ "ضربات إسرائيلية محدودة". وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنّ الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على "إسرائيل" لعدم شنّ هجمات خارج جنوب لبنان.
ويسعى اتفاق 16 نيسان/أبريل، الذي نصّ على أنّ "إسرائيل" ولبنان "ليسا في حالة حرب"، إلى توحيد جهود البلدين في مواجهة مشكلة حزب الله المشتركة. وقد أوضح روبيو لاحقاً رؤية إدارة ترامب للسلام بين "إسرائيل" ولبنان، والتي بموجبها ستعمل الولايات المتحدة على دعم وحدات داخل الجيش اللبناني تستهدف حزب الله.
"إسرائيل تعمل الآن في لبنان بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية"
ومع ذلك، يبدو أنّ القادة الإسرائيليين أقلّ اهتماماً ببناء الدولة اللبنانية التي من الواضح أنهم لا يعتبرونها شريكاً جاداً في مواجهة حزب الله من اهتمامهم بالحصول على موافقة الحكومة اللبنانية على استمرار العمل الإسرائيلي. وقد صرّح نتنياهو بأنّ "إسرائيل" تعمل الآن في لبنان بالاتفاق ليس فقط مع الولايات المتحدة، ولكن أيضاً مع الحكومة اللبنانية.
كلّ هذا يعني أنّ واشنطن تدفع بمفاوضات لن تؤدّي إلا إلى إذلال وإضعاف قادة لبنان. بالنسبة للشعب اللبناني، تُعدّ شروط المفاوضات نفسها مهينة. وقد تعرّض عون (الرئيس اللبناني)، الشخصية الأكثر ارتباطاً بدفع المفاوضات، لانتقادات بسبب إصراره على موقفه في غياب وقف حقيقي لإطلاق النار. كما أنّ ادعاء نتنياهو بأنّ السلطات اللبنانية رضخت لحرية "إسرائيل" في العمل لم يُؤدِّ إلا إلى تأجيج الجدل في لبنان.
ودعا حزب الله وغيره السلطات اللبنانية إلى توضيح موقفها بشأن ما إذا كانت قد أيّدت اتفاق 16 نيسان/أبريل فعلاً. وقدّم المسؤولون روايات متضاربة، زاعمين، تارةً، أنّ الاتفاق كان مجرّد بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية "أكّدوا" موافقتهم عليه، وتارةً أخرى أنه كان أقرب إلى ملخّص لمواقف الأطراف.
يواجه قادة لبنان مأزقاً. فإذا رفضوا صياغة إدارة ترامب لهذه المحادثات، فإنهم يُخاطرون بإثارة غضب واشنطن. ومع ذلك، فإنّ استراتيجيتهم التفاوضية تقوم على استمالة ترامب، مع قلّة نفوذهم الحقيقي -كما يتضح من تملّق حمادة لـ"MLGA"-، وأوضح عون أنه يأمل في تحويل تدخّل ترامب الشخصي إلى وضعٍ مُواتٍ للبنان.
رفض حزب الله وحركة أمل، المفاوضات المباشرة، ما حرم السلطات اللبنانية من التوافق الطائفي الذي يُعتبر عادةً ضرورياً لاتخاذ القرارات السياسية الكبرى في لبنان. ودعا الحزبان إلى محادثات غير مباشرة.
أثار سعي الحكومة اللبنانية إلى المفاوضات غضباً شعبياً واحتجاجات، وأثار مخاوف من اندلاع صراع أهلي. والجدير بالذكر أنه عندما توسّطت الولايات المتحدة آخر مرة في اتفاق سلام بين "إسرائيل" وحكومة لبنانية ضعيفة -في منتصف الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً- ثارت الفصائل اللبنانية المعارضة، وانهار الجيش اللبناني. وقد ذكّر مسؤولو حزب الله وغيرهم بهذا الاتفاق الذي أُبرم عام 1983 وتداعياته.
والآن، طالبت إدارة ترامب بعقد اجتماع بين عون ونتنياهو برئاسة ترامب. وقد رفض عون ذلك، بل إنّ السياسيين اللبنانيين الذين يؤيّدون المفاوضات المباشرة لا يؤيّدون لقاء نتنياهو. ومع ذلك، واصل المسؤولون الأميركيون الضغط على القادة اللبنانيين، ساعين على ما يبدو إلى إبرام صفقة "سلام" برّاقة أخرى يمكن لترامب أن يتباهى بها.
"المفاوضات الأميركية الإيرانية ستحسم التوصل لوقف لإطلاق النار"
"الحقيقة المُرّة" هي أنه بالرغم من كلّ الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على لبنان، فإنّ المفاوضات الأميركية الإيرانية هي التي ستكون على الأرجح حاسمة في التوصّل إلى أيّ وقف لإطلاق النار. فإذا ما توصّلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق، فمن المرجّح أن يُلغي ذلك أيّ شروط حاولت الولايات المتحدة و"إسرائيل" فرضها على لبنان. وهذا بدوره سيُظهر بوضوح أنّ طهران أكثر قدرة على الدفاع عن لبنان من حكومة بيروت.
وفي غياب وقف حقيقي لإطلاق النار، من المرجّح أن يتجه لبنان نحو تصعيد عسكري جديد. وقد أصرّ حزب الله على أنه لن يعود إلى الوضع السابق للحرب، حيث تحتلّ "إسرائيل" الأراضي اللبنانية وتشنّ هجمات من دون رادع. ويواصل حزب الله بالفعل هجماته لمنع "إسرائيل" من ترسيخ وجود مستقرّ في جنوب لبنان. ومن المرجّح أن تُكثّف "إسرائيل" غاراتها، مُستأنفةً قصفها لبيروت ومساحة واسعة من وسط وشمال البلاد.
"استمرار التفاوض المباشر يُقوّض سيادة لبنان"
كلّ يوم يستمر فيه التفاوض من دون وقف إطلاق نار فعلي يُضعف قادة لبنان ويُقوّض سيادته. إذا حاولت السلطات اللبنانية، تحت ضغط أميركي، مواجهة حزب الله في مقاومته للعدوان الإسرائيلي، فإنها تُخاطر بإثارة اضطرابات شعبية وعنف داخلي لبناني. لن يمنع سعي إدارة ترامب لإجراء محادثات إسرائيلية لبنانية المزيد من الحرب، بل سيزيد من معاناة اللبنانيين الذين يرتكبون خطأ الثقة بالولايات المتحدة.