"فورين بوليسي": الأنفاس الأخيرة لسياسة ترامب الخارجية.. التمادي ينذر بأفول

مقال الكاتب هوارد فرينش في صحيفة "فورين بوليسي" الأميركية يتناول تأثير سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي.

0:00
  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أرشيف)
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أرشيف)

يتناول مقال الكاتب هوارد فرينش في صحيفة "فورين بوليسي" الأميركية  تأثير سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي. ويشير المقال إلى أن نهج "أميركا أولاً" والاعتماد على القوة العسكرية قد يضعف التحالفات التقليدية لواشنطن. ويحذر المقال من أن الحروب في "الشرق الأوسط" قد تستنزف الموارد الأميركية وتسرّع تراجع نفوذها.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

إن السؤال الأكثر أهمية وحسماً من وضع الملاحة في مضيق هرمز، أو تقلبات أسعار النفط وأسواق الأسهم العالمية هو كيف ستغير الأحداث التي وقعت بعد ما يزيد قليلاً عن عام من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قوة الولايات المتحدة ومكانتها العالمية.

هذا سؤال سيؤثر على الجميع في كل مكان، بغض النظر عن التعاطفات والتحالفات على مستوى الدول، أو كيف يشعر المرء تجاه الولايات المتحدة؛ فذلك هو حجم مركزية واشنطن في النظام العالمي خلال الأجيال الأخيرة.

إذا كان المستقبل غيباً لا يُعرف، فإن الواضح هو أن هناك تغييرات هائلة وربما غير قابلة للإصلاح في ذلك النظام العالمي ــ مدفوعة بسياسة ترامب الخارجية القائمة على الحدس والاندفاع، والمفتقرة للوعي التاريخي والوقار، والمجردة من العملية التشاورية المعتادة المرتبطة بفن إدارة الدولة الجاد ــ قد بدأت بالفعل.

لفهم الصخب والأحادية التي تنتهجها هذه الإدارة، يجب رؤيتها في سياق الماضي الأميركي القريب. فبصفتها "الوصي" الذاتي على النظام العالمي، تملك الولايات المتحدة ميلاً ملحوظاً للحرب؛ إذ لم تمر سوى فترات قليلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تكن فيها واشنطن منخرطة في نوع من الحروب أو العمليات العسكرية.

ورغم كل ذلك، بدا في وقت سابق من هذا القرن أن البلاد تعيد تقييم الطرق التي تستخدم بها قوتها. وترسخت فكرة في أروقة المؤسسة الأميركية مفادها أنه في عصر تتضاءل فيه القوة الاقتصادية والعسكرية المتفوقة للبلاد، فإن الحكمة والتعقل يجب أن يدفعا الولايات المتحدة لتكون أكثر انتقائية في كيفية استعراض قوتها.

لكن بعد سنوات من الهيمنة العضلية، أصبح الأميركيون مدمنين على امتيازات القوة التي لا تضاهى والتي تبدو بلا قيود. ويقف شعار ترامب الانتخابي الفائز "أمريكا أولاً" ــ الذي لا يعرف الكثيرون أنه يعود لتاريخ أقدم بكثير عندما كانت قوة البلاد أقل تعرضاً للتحدي ــ كشاهد على ذلك.

لقد بدأت أعتقد بشيء مختلف تماماً، ورحلة إلى علم الفلك قد تساعد في تفسير السبب. تذهب النظريات المعيارية حول تطور النجوم إلى أن النجوم تصل إلى أقصى حجم لها ليس في أوج شبابها، بل كبشير لتدهورها وانهيارها النهائي. وعندما تصل شمسنا إلى تلك المرحلة، ستكون آثارها هائلة لدرجة أنها ستحرق الكواكب الداخلية وقد تبتلع المريخ.

النجوم التي تصل لهذه المرحلة تكون على وشك النفاذ، وسرعان ما تنكمش وتخبو بشكل كبير. أتوقع أن شيئاً مماثلاً سيكون نتيجة لتمادي ترامب الحالي غير المدروس.

يبدو أن الوزن النسبي لواشنطن في الاقتصاد العالمي مهيأ للانخفاض بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض. وهذا ليس فقط النتيجة الطبيعية لصعود الصين، بل أيضاً لنمو اللحاق المستمر وتوسع القدرات في مجموعة من الأمم الأخرى ــ من الهند، بطلة الوزن الثقيل سكانياً الآن، إلى العديد من "القوى المتوسطة"، وحتى الدول التي نادراً ما يأخذها القراء الغربيون في الاعتبار. لننظر إلى نيجيريا، التي يمكن القول إنها أهم دولة في أفريقيا؛ فبحلول نهاية هذا القرن، ستفتخر بامتلاك واحد من أكبر عشرة اقتصادات في العالم.

هذا لا يعني أن الرؤساء لا يهمون؛ فأفعال ترامب ــ العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية ــ تبدو مؤكدة بشكل متزايد أنها ستضعف الولايات المتحدة بمرور الوقت. إن شعار "أمريكا أولاً" يتناقض تماماً مع رؤية العالم المتمحورة حول التحالفات، وقد ترك سلوك ترامب الأوروبيين والآسيويين أمام خيار وحيد وهو شق مسارات جديدة لأنفسهم، تاركين وراءهم ولايات متحدة مغرورة ومنكفئة على ذاتها، لصالح ترتيبات مع آخرين تعدهم بمستقبل أكثر أماناً وقابلية للتنبؤ.

إن ولع ترامب الجديد بالقوة الخشنة ــ وبالتحرك دون تشاور أو ضبط للنفس ــ مكلف بطرق أخرى أيضاً. فأحد الدروس الرئيسية للعراق وأفغانستان هو، أو كان ينبغي أن يكون، أن الحرب مدمرة. الصراع الأخير في إيران كان مكلفاً بالفعل؛ ومع عدم وجود وسيلة واضحة لإنهائه، مقترناً بالتزام إسرائيل الظاهري بهجمات لا تنتهي في محيطها، فإن الشرق الأوسط سيستمر في استنزاف كميات هائلة من الموارد الأميركية.

اقرأ أيضاً: إعلام أميركي: خسرت الولايات المتحدة حرب فيتنام في سنوات.. أما ترامب خسرها في أيام