"فورين بوليسي": إرهاب ترامب الخطابي

خطاب ترامب التصعيدي يستخدم التهديد والترهيب كأداة، لكنه يُنتج مزيداً من المقاومة ويُضعف النفوذ الأميركي على المدى البعيد.

0:00
  • "فورين بوليسي": إرهاب ترامب الخطابي

تؤكد "فورين بوليسي"، في مقال، أنّ الخطاب العدائي والتهديدي للرئيس الأميركي دونالد ترامب يُقوّض أهداف السياسة الخارجية الأميركية، ويُضعف فرص الدبلوماسية.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

في خطاب ألقاه في الأول من نيسان/ أبريل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه مواصلة قصف إيران خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة. وقال: "سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون". وفي اليوم التالي، نشر صورة لجسر مُدمّر مصحوبة برسالة جاء فيها: "حان الوقت لإيران أن تُبرم اتفاقاً قبل فوات الأوان، وقبل أن لا يبقى شيء مما كان يُمكن أن يُصبح دولة عظيمة!".

ثم كتب في الخامس من نيسان/ أبريل: "افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم".
 
في الحرب، للخطاب أهمية بالغة. يُمثل عنف خطاب ترامب جانباً ثابتاً وجوهرياً من نهجه في العلاقات الدولية، ولذا فهو جدير بالاهتمام. وسط تغير الأهداف والخطاب المتناقض في كثير من الأحيان في أحدث صراعات واشنطن، برز موضوع مشترك: بثّ الرعب في قلوب أعداء الإدارة، يبدو أن البيت الأبيض يعتقد أن اللغة العدائية والتهديدية، إلى جانب استخدام القوة المفرطة، تُشكل نهجاً فعالاً للقيادة العالمية، نهجاً يُجبر الدول الأخرى على الخضوع لإرادة الولايات المتحدة.

لكنّ الحقيقة هي أنه بينما قد تُؤتي التهديدات ثمارها أحياناً، فإن خطاب ترامب سيُقوّض أهداف السياسة الخارجية الأميركية على المدى البعيد، بل وحتى المتوسط. وكما أظهرت إيران، فإن كلمات ترامب وأفعاله، مهما بلغت من عنف، لا تُجبر الأطراف الأجنبية على التصرف وفقاً لرغباته. بل على العكس، يُبدد هذا النهج النوايا الحسنة العالمية ويُولد مزيداً من المقاومة. وفي نهاية المطاف، قد يُصعّب خطاب ترامب العنيف على أي حكومة إيرانية مستقبلية قبول شروطه، حتى وإن رغبت في ذلك.
 
بدأ استخدام ترامب للخطاب العنيف في تعامله مع السياسة الداخلية. فمن بورتلاند إلى مينيابوليس، انخرط في سيل متواصل من خطاب "نحن ضدّهم" لتبرير العمليات شبه العسكرية ضد المهاجرين والمواطنين على حد سواء. ومن خلال وصفه " بالمتوحشين " في الداخل والخارج، وتصويره المهاجرين على أنهم " قتلة بلا رحمة "، يسعى ترامب إلى تبرير العنف الجامح باسم الأمن القومي. لحماية المدن الأميركية " المدمرة بفعل الحرب "، على سبيل المثال، قد تُشجع الإدارة عمليات الاحتجاز غير القانونية التي يقوم بها عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، أو تُدافع عن قتل المواطنين لمجرد ممارستهم حقوقهم المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور، دون أي ندم. في هذا السياق، يُؤكد استخدام مصطلحي " الإرهابيين المحليين " و" الوحوش غير الشرعية " مزاعم ترامب بأنه يخوض " حرباً من الداخل "، حرباً يُهدد فيها بقاء الأمة نفسها.
 
والآن، يُطبَّق خطاب " العداء " هذا على نطاق أوسع وبأساليب عنيفة متزايدة. ففي كانون الثاني/ يناير ، عندما وجّه ترامب أنظاره نحو فنزويلا، أصبح استهداف دولة ذات سيادة أسهل بكثير، لأن الرئيس آنذاك نيكولاس مادورو كان يقود " دولة ميتة ". وسرعان ما أعقب ذلك خطاب متفاخر وعدواني.

ففي أعقاب "القبض" على مادورو، تباهى وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، بأن على خصوم الولايات المتحدة "أن يبقوا في حالة تأهب" لأن بإمكان الولايات المتحدة "فرض إرادتها في أي مكان وزمان".
بالطبع، ليس تضخيم التهديدات مع التحذير من التراخي بالأمر الجديد. ويمكن ملاحظة أوجه تشابه مع خطاب الحرب الاستباقية في التدخلات العسكرية السابقة لرونالد ريغان وجورج دبليو بوش في الخارج.  إلاّ أن ترامب ومساعديه الرئيسيين، قد رفعوا من مستوى استخدام الخطاب التهديدي والعدائي،  فتصوير أي عدو على أنه " إرهابي" لتبرير القضاء عليه، مع ترهيب الحليف والخصم على حد سواء بـ"فعل الصواب أو دفع ثمن باهظ"، لا يترك مجالاً يُذكر للدبلوماسية أو المداولات قبل اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.
 
إنّ تهديد ترامب لكوبا يثير قلقاً بالغاً عند وضعه في سياق حربه الاستباقية - وإن كانت انتقامية - في "الشرق الأوسط". أما فيما يتعلق بإيران، فقد عبّر البيت الأبيض، على الأرجح، عن موقفه بأكثر الطرق عنفاً وعدائية، بل وربما كارثية، حتى الآن.

فقد صرّح هيغسيث قائلاً : "لا هوادة ولا رحمة لأعدائنا"، بينما هدّد ترامب بتدمير حقول النفط الإيرانية، وفكّر علناً في القضاء على "ما تبقى من الدولة الإرهابية الإيرانية".

قد يبتهج أنصار ترامب السياسيون، مثل السيناتور ليندسي غراهام ، بأن "مهد الإرهاب يغرق". ومع ذلك، فإن مثل هذا الخطاب يجعل من الصعب على الحكومة الإيرانية التفاوض بحسن نية، خاصة وأن الولايات المتحدة قد بدأت حربين أثناء التفاوض مع إيران.

علاوة على ذلك، فإنّ استهتار هيغسيث ، واختياره عباراتٍ مبتذلةٍ عند وصفه إيران بـ" عبادة الموت "، وسخريته من " قواعد الاشتباك الغبية "، كلها أمور تُسيء إلى وزارة الدفاع الأميركية. ولا شك أن تلميحات ترامب بأنه قد يقصف جزيرة خارك الإيرانية "بضع مراتٍ أخرى لمجرد التسلية" تُثير حماسة الفئات الأكثر كراهيةً للأجانب في قاعدته السياسية في الداخل.

ولكن هل تُعدّ هذه اللغة سياسة خارجية سليمة؟

في أوقات النزاع، ينبغي أن يكون للتواصل هدف، يُفترض أن يُسهم في تحقيق الأهداف السياسية للعمليات العسكرية التي تُعرّض أفراد الخدمة للخطر. يُدرك ترامب تماماً قوة الإقناع، ويبدو أنه يعتقد أن استخدام العنف كسلاح يُؤتي ثماره. وكما أظهرت إحدى الدراسات، فقد ازداد استخدامه للخطاب العنيف مع مرور الوقت.

باختصار، يُرهب كل من ترامب وهيغسيث اللغة حرفياً، لا مجازياً فحسب. يفترض خطابهما أن الترهيب يُفضي إلى نتائج، ويُبالغ في التهديدات " الوشيكة " لتبرير سياسة خارجية أميركية مُعسكرة. وفي خضم ذلك، يُصبح الخطاب الإرهابي غايةً في حد ذاته، مُولِّدًا المزيد من الرعب.

وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك شعور أشبه بالابتهاج تجاه إلحاق المعاناة، رغم تأثيره السلبي على مصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد. وبافتراض حدوث تغيير حقيقي في النظام، أو حتى اعتدال في إيران في مرحلة ما، فإن التدمير غير الضروري يجعل التعاون مع الأميركيين أمر غير عملي سياسياً لأي حكومة شعبية.

لقد نجحت سياسة التخويف في الماضي، على الأقل على المدى القصير. ومع ذلك، وكما أظهر الباحثون، فإن الخطاب التشويهي غالباً ما يؤدي إلى عواقب وخيمة ، وعلى الصعيد السياسي، إلى إمكانية قبول شكل من أشكال الشعبوية العنيفة في الداخل، مما قد يكون له آثار وخيمة في الخارج.
 
لكل حرب سردية، الصراع البشري متجذر في رواية القصص، السردية التي صاغتها إدارة ترامب خلال الأشهر القليلة الماضية قد أضرّت بأهداف السياسة الخارجية الأمريكية. فبدلاً من إعادة تشكيل العالم، أظهرت ببساطة أن بث الرعب ليس هو نفسه بسط النفوذ والقوة في الخارج.

نقله إلى العربية: الميادين نت 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.