"فورين بوليسي" تشرح استراتيجية ترامب في تسريع انحدار الولايات المتحدة
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تشير إلى أنّ استراتيجية ترامب تسرّع انحدار واشنطن عبر تقلبات سياسية وتناقضات تجاه إيران، مع زيادة إنفاق عسكري تهدد الرعاية الصحية وتدفع البلاد نحو انهيار سوفياتي.
-
علم الولايات المتحدة الأميركية (أرشيف)
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً حول استراتيجية ترامب في تسريع انحدار الولايات المتحدة، معتبرةً أن سياساته المتقلبة وتناقضاته في إدارة الصراع مع إيران عقب اغتيال السيد علي خامنئي تستعصي على التفسير العقلاني وتنفصل عن أي منطق لفن إدارة الدولة.
ويرى المقال أن النزعة العسكرية المفرطة لترامب، والمتمثلة في السعي لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تاريخية، لا تؤدي إلا إلى تفاقم تدهور مكانة واشنطن وتشتيت قدراتها وسط سيل من الاستفزازات والمفاجآت غير المحسوبة.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
منذ أن قامت الولايات المتحدة و"إسرائيل" باغتيال قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي، قبل ما يزيد قليلاً على شهر، برزت مسألة "من يمثّل إيران" بوصفها إشكاليةً تهيمن على مختلف جوانب الصراع الدائر في المنطقة، ولا سيّما في ما يتعلق بكيفية التوصل إلى السلام.
وعادةً ما تطرح وسائل الإعلام الأميركية سؤالاً موازياً ولكن بنبرة أقل حدّة: من يمثّل الولايات المتحدة؟ أمّا الخليفة المفترض في إيران، السيد مجتبى خامنئي، نجل القائد السابق، فيُقال إنه يتعافى من إصابات تعرّض لها خلال الهجوم الذي استهدف والده، ولم يظهر علناً منذ ذلك الحين. في المقابل، يبرز رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، حاضراً بقوة في كل مكان، بالمعنيين الحرفي والمجازي للكلمة.
وخلال دورة إخبارية واحدة امتدت لـ 24 ساعة، انتقل ترامب من إطلاق تهديدات بشنّ هجمات عنيفة وشاملة ضد إيران ما لم ترضخ لمطالبه، إلى إعلان هدنة لمدة أسبوعين بدت وكأنها تنطوي على تنازلات كبيرة لصالح طهران، مع إصراره في الوقت ذاته على تصوير الأمر بوصفه انتصاراً أميركياً.
بمعنى آخر، ما إن هدد البيت الأبيض بارتكاب ما يصفه الكثير من خبراء القانون الدولي بجرائم حرب واضحة، حتى سارع إلى تصوير القيادة الإيرانية على أنها تتكوّن من جهات فاعلة وعاقلة. بل إنّ درجة "عقلانيتهم"، وفق هذا الطرح، بلغت حداً جعل دونالد ترامب يلمح، في صباح اليوم التالي لتراجعه عن تهديده بتدمير الحضارة الإيرانية، إلى إمكانية قيام واشنطن وطهران بإدارة مشتركة لمضيق هرمز الاستراتيجي تحقيقاً لمكاسب اقتصادية.
إنّ التناقضات العميقة في السياسة الخارجية التي ينتهجها ترامب، والتي يُعدّ هذا المثال أحدثها وأبرزها، تستعصي على التفسير العقلاني، وتبدو منفصلة عن أي نظرية منطقية للقوة أو فن إدارة الدولة. ويبدو أن ترامب يستمتع بالاهتمام الذي تجذبه تصريحاته المتهورة والمتقلبة، لكن ثمة خطراً جسيماً يهدد مستقبل الولايات المتحدة والعالم أجمع، قد يضيع وسط سيل المفاجآت وحالة التشتيت التي تُحدثها استفزازاته المتواصلة.
وقبل أسبوع واحد فقط، أعلن البيت الأبيض عزمه السعي لزيادة الإنفاق العسكري بنسبة 40% في ميزانية عام 2027، ليصل الإجمالي إلى 1.5 تريليون دولار، وهو ما من شأنه أن يرفع مخصصات البنتاغون إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، بما في ذلك تلك التي سُجّلت إبان الحروب العالمية.
عسكرة الميزانية وتآكل منظومة الرفاه الاجتماعي
ويبدو أن فرص موافقة الكونغرس على زيادة الإنفاق العسكري بهذا الشكل المباشر ضئيلة للغاية. وكما تشير تصريحات ترامب الأخيرة حول عجز الحكومة الفيدرالية عن تمويل برنامجي الرعاية الصحية "Medicare and Medicaid" في ظل "خوضها الحروب"، فإنّ زيادة الإنفاق الدفاعي بهذا الحجم ستتطلب إعادة توجيه جذرية لدور الدولة في قضايا الدفاع والأمن القومي؛ وفي هذه الحالة، لن تتمكن الحكومة الأميركية من تمويل مجالات حيوية أخرى، باستثناء خدمة الدين العام الضخم الذي يثقل كاهل البلاد.
وإلى جانب المخاوف الجوهرية المتعلّقة بمستقبل الصحة والرفاه الاجتماعي، ثمّة أسباب أخرى تدعو إلى معارضة حازمة لمثل هذا الطلب المتطرّف في الميزانية؛ أولها طابعه العاجل، إذ كشف ترامب مراراً عن كونه قائداً غير مستقر ومتهوراً على نحو مطرد. وفي ولايته الثانية، يبدو أنّ السلطة الشخصية غير المقيّدة التي راكمها — والمدعومة بحكومة تفتقر إلى الكفاءة وبأغلبية جمهورية خاضعة في الكونغرس — قد أفسدت رؤيته تماماً، ما غذّى أوهامه بشأن القوة الأميركية اللامحدودة وعزّز لديه نزعة التعاظم الشخصي.
إنّ تضخيم ميزانية البنتاغون بشكل غير مسؤول من شأنه أن يفاقم حالة الغرور التي ترسخت خلال هذه الرئاسة، ويُعزز اعتقاد ترامب بأنّ معظم المشكلات يمكن حلها عبر القوة العسكرية المفرطة؛ وهو أمر ستكون له عواقب وخيمة، ليس فقط على مصالح الولايات المتحدة، بل على مساعي السلام والتنمية البشرية حول العالم.
ويستند السبب الآخر لمعارضة هذا التوسّع الجامح في النزعة العسكرية الأميركية إلى مزيجٍ من الرؤية طويلة الأمد لمسار الدولة بوصفها "قوة عظمى"، وإلى قراءةٍ واعية للتاريخ. فتحويل الولايات المتحدة إلى "إسبرطة" حديثة عبر التسلّح غير المقيّد من شأنه أن يُضعف منظومة الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك قطاعا الصحة والتعليم، وهما عنصران جوهريان — وإن كانا مُهمَلين — من عناصر القوة الشاملة. وفي الوقت ذاته، سيؤدّي ذلك إلى إنهاك البلاد اقتصادياً عبر تسريع وتيرة نمو الدين العام لأغراض غير منتجة.
التسلّح المفرط: فخ السقوط في سباق عبثي مع الذات
فعندما يتجاوز الإنفاق على أنظمة التسليح ما تقتضيه التقديرات المعقولة للدفاع الوطني، فإنّه يفقد طابعه الاستثماري ويتحول إلى ما يشبه "دفن رأس المال"؛ بعبارة أخرى، لا يسهم هذا الإنفاق بشكل ملموس في نموّ القطاعات الإنتاجية للاقتصاد. وفي الوقت الذي تتفوق فيه الصين على الولايات المتحدة بشكل متزايد في صناعات رائدة كالسيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة، يُعدّ توجيه موارد البلاد نحو التسلح المفرط خياراً طائشاً، خاصةً في ظل العجز الواضح عن الاستثمار في صيانة البنية التحتية الحيوية — من طرق وسكك حديدية وجسور وشبكات كهرباء — ما يجعل طلب الاستثمار المفرط في الترسانة العسكرية وصفةً لتدهور متسارع.
ولا شك أن ترامب، أو أحد خلفائه، قد ينجرف على المدى القصير وراء نشوة عسكرية مؤقتة، غير أنّ التكلفة الباهظة لهذه السياسات ستكون حتمية، حتى لو اقتصرت تبعاتها على جيل لاحق سيواجه الديون والتدهور، وتراجع مكانة البلاد الذي سيصاحبها حتمًا.
ويتعلّق البُعد التاريخي لهذه المسألة بمنافسة القوى العظمى، وكيفية انزلاق الاتحاد السوفياتي سابقاً نحو انحدار لا رجعة فيه؛ ورغم اختلاف الخبراء في تقدير مدى مساهمة الإنفاق العسكري في ذلك، إلا أنّ هناك إجماعاً على أنّ الاقتصاد الأميركي حينها أتاح لواشنطن استدراج السوفيات إلى سباق تسلّحٍ مدمّر.
إنّ المقارنة مع الواقع الراهن تحمل دلالاتٍ مقلقة؛ فعلى الرغم من تنامي قوتها العسكرية، تبدو بكين أقل عرضةً للوقوع في الفخ ذاته، إذ يتميّز الاقتصاد الصيني بتنوعه وحداثته مقارنة بالاقتصاد السوفياتي السابق، وقد أثبتت الصين قدرتها على احتلال موقع القوة الصناعية الأولى عالمياً. وفي الوقت نفسه، تبدو بكين حذِرة من محاولة مجاراة النظام الأميركي في التوسع العالمي؛ فنفوذها لا يزال إقليمياً إلى حد كبير، وقدرتها على الردع النووي لا تظهر أي مؤشر على الرغبة في مضاهاة الترسانة الأميركية من حيث الحجم.
ويقودنا ذلك إلى استنتاجٍ ساخر مفاده أنّ الولايات المتحدة، لا الصين، هي الأكثر عرضةً للفشل في استيعاب دروس التاريخ الحديث؛ ففي حال وافق الكونغرس على ميزانية "البنتاغون" المبالغ فيها، قد نشهد في نهاية المطاف تراجع واشنطن على غرار السوفيات، ولكن هذه المرّة في سباقٍ عبثي مع ذاتها.