"فورين بوليسي إن فوكس": عصابات صبيانية في مناصب عليا

يشهد النظام الدولي انزلاقاً متسارعاً نحو منطق القوة والتصعيد، مع تراجع واضح للديمقراطية والقانون الدولي.

0:00
  • "فورين بوليسي إن فوكس": عصابات صبيانية في مناصب عليا

نشر مركز دراسات  "فورين بوليسي إن فوكس" (fpif) مقالاً يفيد بأنّ العالم يتجه نحو منطق القوة على حساب القانون الدولي، مع تصاعد العسكرة وازدواجية الغرب في تطبيق المعايير، حيث يقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجاً لهذا النهج، عبر سياسات تصعيدية تسهم في تقويض النظام العالمي وتراجع الديمقراطية.

في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرّف:

قبل ثمانين عاماً، كتب ألدوس هكسلي أن "أخطر القرارات في مجال السياسة الدولية لا يتخذها البالغون العقلانيون، بل تتخذها عصابات صبيانية".

هذه الاستعارة، من مقالته " العلم والحرية والسلام"، تشير إلى نهج غير ناضج، ولكنه عنيف وقاسٍ في التعامل مع السلطة، حيث يُفرض الولاء السياسي من خلال الخوف بدلاً من التوافق الديمقراطي. لطالما ترأس الحكومات صبيةٌ قوميون من العصابات. هؤلاء "البالغون" يتصرفون كفتيان مراهقين في الرابعة عشرة من عمرهم، يستخدمون عصاباتهم للوصول إلى السلطة.

يصوّر هكسلي عالماً يُعرّض فيه قانون الأقوى حرية الجميع للخطر، هذا "قانون الغاب" - المقترن بفلسفة "القوة هي الحق" - يسري في كل مكان، سواء أكان غابةً أم صحراءً أم مدينة.

حتى في عام 1946، وفي سياق بحثه عن كيفية ازدهار النزعة القومية والمناورات الجيوسياسية على حساب الديمقراطية والتضامن، تنبأ هكسلي بأن الأوليغارشية والمستبدين سيفوزون بتأييد الأغلبية. ويؤكد أن الحكام قادرون على تبرير فرض أبشع أنواع الاستبداد على رعاياهم. كما أن هذا السلوك الاستبدادي هو جوهر السياسة الخارجية اليوم، حيث يسعى الحكام المستبدون إلى ضمان الهيمنة العالمية لأنفسهم ولعصاباتهم.

وقد تنبأ هكسلي بثقة، بعد عام واحد فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية، قائلاً: "ستنفق الدول المتقدمة مبالغ طائلة على أبحاث التسلح وتصنيع أسلحة جديدة قادرة على إحداث دمار عشوائي أكبر من مسافات أبعد".

ازدواجية الغرب: خطاب القانون مقابل واقع الحروب

في العالم المتحضر، يُفترض أنّ القوانين قادرة على الحد من استخدام القوة، وأن الديمقراطية يجب أن تزدهر، وأنّ بعض قواعد السلوك الأساسية يجب احترامها. وتشير الأدلة اليوم إلى أن العالم إما لم يبلغ هذا المستوى من الحضارة بعد، أو أنه يتراجع بسرعة.

إنّ العسكرة في أوروبا في أوجها بينما يتحدث الاتحاد الأوروبي، بكل إخلاص ولكن بشكل مجرد، عن القانون الدولي من دون أن يذكر على وجه التحديد القوانين الدقيقة التي يمكن أن تجيز بشكل مباشر الإبادة الجماعية في غزة، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، و"الضربات" الإسرائيلية على لبنان، والهجمات الأميركية وعمليات الخطف في فنزويلا، وتهديدات دونالد ترامب لغرينلاند وكوبا، والهجمات الأخيرة على إيران.

ترامب وتقويض النظام العالمي

يعدّ دونالد ترامب مثالاً صارخاً على عقلية الصبي المتمرّد، لا يُبدي أي اهتمام بالديمقراطية أو بالقوانين، سواءً الأميركية أو الدولية، لأنها ببساطة لا تُؤثر فيه. فهو لا يعترف إلا بالقواعد التي تُناسب شخصيته. وبصفته "الحاكم الجديد" - كما وصفه نائب الرئيس جيه دي فانس - فإنّ ترامب "يُقوّض النظام العالمي الذي أسسته واشنطن قبل ثمانين عاماً في أعقاب الحرب العالمية الثانية".

بعد عام كرّسه للهجوم على خصومه، قرر ترامب تجاهل نصائح الجميع باستثناء أقرب أصدقائه، مُستخدماً جزءاً كبيراً من الترسانة الأميركية لمهاجمة إيران. لهؤلاء الأصدقاء أجنداتهم الخاصة.

رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحصل من ترامب على كل ما يُريد. جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو يترقبان الموقف. ووزير الحرب بيت هيغسيث يستمتع بكل لحظةٍ من دوره كرجلٍ مُتعجرفٍ مُتغطرس. أما بقية أنصار ترامب المُتعصبين، فهم في حالةٍ من الهوس المُفرط بقائدهم، بطريقةٍ عمياء لا يُمكن تفسيرها إلا من خلال علم النفس الاجتماعي.

التلاعب بكوبا وتراجع الديمقراطية

لطالما شكّلت كوبا تحدياً أيديولوجياً للولايات المتحدة، باعتبارها نموذجاً اشتراكياً مستقلاً. ورغم تصويرها كتهديد أمني، فإن تقارير الاستخبارات الأميركية لا تؤيد هذا الطرح.

وقبل أن يُعلن ترامب عزمه السيطرة على كوبا، طالب دول أميركا الجنوبية بفرض حصار على الجزيرة، مستفيداً من صعود حكومات يمينية استجابت لمطالبه، رغم وجود بدائل أخرى لتحسين العلاقات.

ورغم اعتقاد شريحة واسعة من الأميركيين بأنهم يعيشون في نظام ديمقراطي راسخ، يشير تقرير لمعهد "أنواع الديمقراطية" في السويد إلى تراجع غير مسبوق، مع تصاعد قمع الإعلام والمعارضة. ووفقاً للتقرير، باتت الولايات المتحدة تُصنّف "ديمقراطية انتخابية" بعد أن فقدت سماتها كديمقراطية ليبرالية.

يقود بيت هيغسيث الجيش الأميركي في أحدث صراعاته في "الشرق الأوسط". وفي رفضٍ صارخٍ للدبلوماسية الرصينة، يصرخ قائلاً : الموت والدمار يهطلان من السماء طوال اليوم... لم يكن من المفترض أن تكون هذه معركة عادلة، وهي ليست كذلك. ترامب، بطبيعة الحال، يدرك هذا الموقف ويعجبه.

عندما قررت "إسرائيل" مهاجمة إيران، انضم ترامب إليها بموقف "لمَ لا؟".

يشعر العديد من مواطني فنزويلا وكوبا وإيران بالاستياء من أنظمتهم. لكن ليس من حق من يدّعون أنهم منقذون من الخارج الإطاحة بقادة تلك الدول. كما أنّ حماس وحزب الله ليسا طرفين بريئين. لكن هذا لا يبرر للنظام الإسرائيلي قتل المدنيين عشوائياً في غزة ولبنان، والآن، بمساعدة الولايات المتحدة، في إيران.

اليوم، يلعب الصبية المجرمون بالقنابل. دونالد ترامب مثالٌ جيد على ملاحظة هكسلي، وهو بالتأكيد ليس المثال الأول أو الوحيد من نوعه، ولكنه الشخص الذي دفع المفهوم إلى أقصى حدوده.

لكن دونالد ترامب أيضاً في ورطة، رغم أنه لا يرغب في الاعتراف بذلك. أجبره نتنياهو على الانضمام إلى الهجوم على إيران. ويمارس روبيو، الأميركي من أصل كوبي، ضغوطاً عليه بشأن أرض أجداده. وبوتين يسخر منه في أوكرانيا.

باختصار، يستحق ترامب الشفقة لولا كونه نرجسياً خطيراً، أشبه بعصابة صبيانية، يعاني من عقدة نيرون. أكثر من روما تحترق الآن، لذا لا مجال للشفقة. الأفضل ببساطة التخلص من هذه "القيادة"، وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل.

نقله إلى العربية: الميادين نت.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.