"فورين أفيرز": الحرب التي تجاوزت السودان
التنافس في الشرق الأوسط يحوّل حرباً محلية إلى أزمة إقليمية
-
"فورين أفيرز": الحرب التي تجاوزت السودان
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يقدّم تحليلاً شاملاً للصراع السوداني من الناحية العسكرية والسياسية، ويربطه بالسباق الإقليمي بين القوى العالمية، ويبرز الصعوبات التي تواجه عملية السلام، ويطرح السودان كنموذج لاختبار قدرة المجتمع الدولي على إدارة حروب معقّدة متعدّدة الأطراف.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
تسيطر اليوم القوات المسلحة السودانية، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على الخرطوم والمناطق الواقعة شرق نهر النيل، في حين تسيطر قوات الدعم السريع شبه العسكرية، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي"، على معظم النصف الغربي من البلاد.
في حزيران/يونيو، عقدت إدارة ترامب اجتماعاً لمجموعة "الرباعية"، مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، لمناقشة سبل إحلال السلام. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤدّيه هذه القوى الإقليمية في الصراع، كانت التوقّعات معقودة على أن يؤدّي اتفاق قوي بين "الرباعية" إلى وقف دائم لإطلاق النار.
مع ذلك، لم تتحقّق هذه التوقّعات حتى الآن، ولم ينجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إعطاء دفعة حقيقية لعملية السلام السودانية. ففي أيلول/سبتمبر، أعلنت الرباعية خطةً لوقف إطلاق النار، لكن بعد شهر، ارتكبت قوات الدعم السريع أبشع فظائع الحرب.
رغم الاستنكار الدولي، لم تهدأ حدة القتال خلال الأشهر الثلاثة الماضية. ومنذ تشرين الأول/أكتوبر، لاحظ المراقبون زيادة في رحلات الشحن العسكري إلى المطارات الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، كما بدأت هذه القوات في نشر طائرات مسيّرة متطوّرة صينية الصنع، إضافة إلى استخدام مرتزقة من كولومبيا، وقد تعقّب المحقّقون هذه الرحلات حتى وصلت إلى الإمارات العربية المتحدة. مع هذه الإمدادات الجديدة، قد تُهدّد قوات الدعم السريع الخرطوم، التي كانت تحت سيطرة كبيرة في بداية الحرب قبل أن تستعيدها القوات المسلحة السودانية. في الوقت نفسه، واصلت مصر وتركيا تزويد القوات المسلحة السودانية بمزيد من الأسلحة.
كلما طال أمد القتال، ازداد خطر تحوّله إلى حرب إقليمية شاملة. وقد بدأت الحرب بالفعل تورّط جيران السودان الأفارقة، إذ تمرّ خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا والصومال وجنوب السودان، وقد تمتد لاحقاً إلى إثيوبيا وكينيا. كما أنّ الحرب السودانية مرتبطة بالوضع المتوتر بين إريتريا وإثيوبيا، ما يهدّد بالانزلاق إلى صراع أوسع.
بتشكيلها تحالف "الحوار الرباعي"، أدركت واشنطن بحقّ أنّ الطريق لإنهاء الحرب في السودان يمرّ عبر الخليج. لكن ما لم يستوعبه الكثيرون هو أنّ الصراع نفسه ذو طابع دولي، وبطرق جديدة تختلف عن الصراعات السودانية السابقة.
اليوم، تتلاشى الدولة القومية ذات الحدود في السودان بسرعة أمام إقطاعيات بلا حدود يديرها أمراء حرب، ما جعل احتواء هذه الحرب أكثر صعوبة. ومن دون تدخّل أكثر حسماً من أعلى مستويات إدارة ترامب، يبرز خطر حقيقي يتمثّل في أن تدفع الحرب السودان والمنطقة الأوسع في القرن الأفريقي ووادي النيل والصحراء والساحل نحو الفوضى.
منذ اندلاع الحرب، طُرحت ست خطط سلام تهدف في نهاية المطاف إلى إعادة الحكم المدني، لكنها جميعاً تُقرّ بأنّ الديمقراطيين أضعف بكثير من الجنرالات. في الواقع، لم تبدأ أي عملية سلام رسمية بعد. بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، دعت السعودية والولايات المتحدة مندوبين من الأطراف المتحاربة إلى جدة لمحاولة التوصل إلى وقف إطلاق النار. ووقّع الجانبان إعلاناً بالالتزام بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وهو وعد لم يُنفَّذ إلا جزئياً. ومنذ ذلك الحين، وصلت جهود الوساطة إلى طريق مسدود، ويعتمد كل طرف على داعم أجنبي لتزويده بالأسلحة.
مع استمرار الحرب، أصبح دور الإمارات العربية المتحدة محفوفاً بالمخاطر. فبينما تدعم مصر وقطر والسعودية وتركيا القوات المسلحة السودانية، ظهرت الآن أدلة كثيرة على أنّ الإماراتيين يزوّدون قوات الدعم السريع بالأسلحة في حملاتها المستمرة. وبما أنّ أبوظبي تنفي أيّ تورّط، تعذّر على الوسطاء إشراك المسؤولين الإماراتيين في أيّ نقاش حول مصالح الإمارات واستراتيجيتها والتسويات المحتملة.
لا يملك المحلّلون والدبلوماسيون سوى التكهّن بأسباب دعم الإمارات لقوة دموية كهذه. ويرجّح معظمهم أنّ الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان تربطه علاقة حماية وولاء بحمدتي. كما توجد علاقات تجارية بين الإمارات وقوات الدعم السريع، إذ تُصدّر شركة عائلة حميدتي الذهب السوداني إلى دبي، لكنّ المصالح التجارية وحدها لا تُفسّر انحياز الإمارات.
يُعدّ التنافس الشديد بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وبين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، على الهيمنة في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، العامل الرئيسي وراء البُعد الإقليمي للصراع السوداني. وكما هو الحال في اليمن، يتجلّى هذا التنافس اليوم في ليبيا والسودان وسوريا والقرن الأفريقي، حيث تقف الإمارات والسعودية، اللتان كانتا حليفتين سابقاً، على طرفي نقيض في العديد من الصراعات.
مع تزايد تمسّك الداعمين الإقليميين للسودان بمواقفهم، تُشكّل الحرب تهديداً متزايداً لمنطقة القرن الأفريقي بأكملها. ولنتأمّل الوضع المتفجّر في إثيوبيا وإريتريا، حيث يدعم الداعمون الإقليميون للحرب السودانية أطرافاً مختلفة. كما تشعر مصر بقلق بالغ إزاء بناء إثيوبيا لسدّ على النيل، وتدعم إريتريا، التي تُعتبر متحالفة مع القوات المسلحة السودانية.
في غضون ذلك، نجحت إثيوبيا حتى الآن في النأي بنفسها عن التدخّل المباشر في حرب السودان، إلا أنّ هناك عدة نقاط توتر محتملة. الأولى نزاعها غير المحسوم مع السودان حول مثلّث الفشاجا، وهي منطقة تقع على الحدود الإثيوبية السودانية وتطالب بها الدولتان. والنقطة الثانية تتعلّق بمشاركة قوات من تيغراي إلى جانب القوات المسلحة السودانية، حيث أدّى هؤلاء المقاتلون الأكفّاء دوراً حاسماً في الدفاع عن شرق السودان ضد قوات الدعم السريع، وما زالوا منتشرين بالقرب من خط المواجهة. إذا اندلعت حرب بين إثيوبيا وإريتريا، فمن غير الواضح ما الذي ستفعله هذه القوات. لكن إذا قرّرت أبوظبي مضاعفة جهودها واستخدام نفوذها على آبي أحمد لمساعدة قوات الدعم السريع بشكل مباشر، ربما عبر الضغط على الزعيم الإثيوبي لفتح قاعدة لقوات الدعم السريع داخل إثيوبيا، فقد يؤدي ذلك إلى مواجهة مباشرة.
يُعاني جنوب السودان من أزمة سياسية داخلية، ويحاول التوفيق بين مصالح قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، وحتى الآن يسير على حافة الهاوية. فقد دعا برهان جيش جنوب السودان إلى التوغّل شمال الحدود للمساعدة في تأمين حقل هجليج، أكبر حقول النفط في السودان، وعندما اضطرت القوات المسلحة السودانية إلى الانسحاب في أوائل كانون الأول/ديسمبر نتيجة هجمات قوات الدعم السريع، قرّر الجنوب سودانيون التعاون معها. وتتفهّم مصر وحلفاؤها مأزق الرئيس الجنوب سوداني سلفا كير، ولكن إذا انحاز إلى قوات الدعم السريع، فقد يتجهون بدورهم لدعم أيّ من الجماعات المتمرّدة المحتملة العديدة في البلاد.
في غضون ذلك، تواجه القاهرة ضغوطاً متزايدة نتيجة الأزمات في غزة وليبيا، ومن شأن أيّ تداعيات مزعزعة للاستقرار من السودان أن تزيد من تعقيد وضعها الإقليمي. وتسعى مصر جاهدة لتحقيق توازن بين اعتمادها على الإمارات العربية المتحدة في مجال الاستثمار، ودعمها المستمر للقوات المسلحة السودانية، وموقفها العدائي تجاه إثيوبيا، ولا سيما فيما يتعلّق بسدّ النهضة. ورغم تحالف مصر مع تركيا في دعم برهان في السودان، فإنها تتوجس أيضاً من الدعم التركي للجماعات الإسلامية في البلاد.
ثمّ هناك ساحل السودان على البحر الأحمر، الذي تزداد أهميته الاستراتيجية بشكل مستمر. يُعدّ البحر الأحمر شرياناً حيوياً للملاحة العالمية، وبؤرة توتر جيوسياسية متنامية.
تصاعدت حدّة التوتر في منطقة القرن الأفريقي الأوسع نطاقاً في نهاية كانون الأول/ديسمبر، عندما اعترفت "إسرائيل" باستقلال أرض الصومال عن الصومال. وقد زاد هذا من حدّة التنافس بين الإمارات العربية المتحدة من جهة، التي توسّطت في الاتفاق الإسرائيلي الصومالي وتدعمه، وبين مصر والسعودية وتركيا من جهة أخرى، التي تعارضه. ولا ترغب أي من هذه القوى الإقليمية في رؤية منافس، فضلاً عن عدو محتمل، يسيطر على مناطق قد تعوق هذا الممر الاستراتيجي.
اختبار عالمي
استمرار الحرب في السودان هو أحد الأضرار الجانبية الناتجة عن التنافس بين قوى الشرق الأوسط. وفي هذه اللعبة على النفوذ، يغيب الدور الأفريقي بشكل واضح؛ فمصر وإثيوبيا تقتصران على المناورة على الهامش، بينما تمتلك السعودية والإمارات زمام المبادرة. في هذه المرحلة، تبدو النتيجة المرجّحة لأيّ عملية سلام هي أن ينتهي السودان، سواء كان موحّداً أو منقسماً، تابعاً لدول الخليج.
وعلى نطاق أوسع، لا تقتصر الحرب على تأثير الولايات المتحدة فحسب، بل تشمل أيضاً روسيا، التي تسعى منذ زمن طويل إلى ترسيخ وجودها في شمال شرق أفريقيا.
يُجسّد الصراع السوداني حقيقةً مُرّة: لم تعد هناك حروب محلية في القرن الأفريقي. قد تبدأ الشرارة من تنافس محلي، وتغذّيها المظالم والعداوات الداخلية، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى صراع إقليمي ودولي. لم تعد الحرب الأهلية محصورة داخل الحدود الوطنية، ولم تعد التسويات الممكنة ممكنة بين الأطراف السودانية وحدها. بات من الضروري التفاوض على سلام السودان كجزء من حزمة إقليمية أو حتى عالمية.
يُحسب للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والسناتور ماركو روبيو أنهما لم يستسلما، بل ضغطا من أجل وقف إطلاق النار، إلا أنّ تحقيق ذلك يبدو صعباً المنال. العقبة المباشرة ليست الإمارات، بل الرئيس السوداني عبد الفتاح برهان. وسيكون اختباراً حقيقياً لمدى استعداد البيت الأبيض للتوسط في اتفاق لا يحقّق مكاسب فورية، ولقدرة مصر والسعودية على ضمان التزام برهان، ولما إذا كانت الإمارات ترى حكمة في ضبط النفس. وإذا أُريد للاتفاق أن يتجاوز مجرّد مصافحة عابرة، فسيتطلّب ذلك مهارات الدبلوماسية التقليدية المبنية على الصبر والتنسيق مع المنظمات متعددة الأطراف.
أصبحت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، اللذان كان لهما دور بارز في صياغة الدبلوماسية الدولية بشأن السودان، شبه فاقدين للتأثير. ومع ذلك، فإنّ أحد الدروس المستفادة من الماضي القريب هو أنه مهما كانت الاتفاقية التي سيتم التوصل إليها، ستظل هناك حاجة لقوات حفظ سلام لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين. إنّ إعادة تشكيل ونشر مثل هذه القوات سيكون أمراً صعباً ومكلفاً، لكنه ليس أكثر صعوبة من ترك الحرب مشتعلة إلى أجل غير مسمّى. وهكذا يمكن للمؤسسات متعدّدة الأطراف، والقارة الأفريقية ككلّ، أن تستعيد دورها الفاعل.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.