"فايننشال تايمز": فرنسا تواجه الواقع المالي بأزمة مالية
يضع الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض البلاد على حافة دوامة الديون.
-
"فايننشال تايمز": فرنسا تواجه الواقع المالي بأزمة مالية
صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر تقريراً يتناول تصاعد أزمة الدين والمالية العامة في فرنسا، وكيف بدأت تثير قلق المستثمرين مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
"الواقع بدأ يلحق بنا"، هكذا حذّر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو هذا الأسبوع، عشية تقديم موازنة عام 2027. وكان لوكورنو يشير إلى الارتفاع الحادّ هذا العام في تكاليف الاقتراض الحكومي، الذي يفاقم المتاعب المالية لفرنسا في وقت تدخل فيه البلاد حملة الانتخابات الرئاسية.
وفي خضمّ موجة بيع أوسع في أسواق الديون، أصبحت فرنسا محور قلق المستثمرين بشأن استدامة الدين. وتبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا الآن 119%. وارتفعت عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات هذا الأسبوع إلى أكثر من 4.9%، وهي الأعلى في منطقة اليورو، بعدما كانت 3.6% في أوائل تموز/يوليو. كما ارتفعت العلاوة التي يتعيّن على باريس دفعها مقارنة بالديون الألمانية بشكل حادّ إلى أكثر من 125 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ ذروة أزمة منطقة اليورو عام 2012. وبات بلد لم يسجّل فائضاً في الموازنة منذ عام 1974 يدفع ثمناً باهظاً لإسرافه المالي.
وستحقّق مسوّدة الموازنة وفورات إجمالية بقيمة 54 مليار يورو العام المقبل، من بينها 43 مليار يورو من الإجراءات الجديدة، من خلال مزيج من زيادات الضرائب وخفض الإنفاق. ومن المفترض أن يكون ذلك كافياً لتقليص العجز من 5.4% إلى 5%، وهو هدف كان يفترض أن تحقّقه فرنسا في عام 2026، لكنها أخفقت فيه، كما حدث في سنوات سابقة كثيرة.
وقد تتمكّن حكومة لوكورنو، التي لا تتمتع بأغلبية، من تمرير الموازنة بمرسوم، مع المخاطرة بإسقاطها في تصويت لحجب الثقة، لكنّ الخطة سرعان ما ستطغى عليها الانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل. فالمستثمرون يولون اهتماماً أقلّ لحلّ مؤقت في نهاية عهد إيمانويل ماكرون، ويركّزون أكثر على التطورات السياسية والمالية التي ستأتي بعده. وما يرونه لا يبعث على الاطمئنان.
أما مصدر القلق الأول فهو التدهور الهيكلي في المالية العامّة. فوفق السياسات الحالية، سيبلغ العجز 6.8% بحلول عام 2030، بحسب لجنة عيّنتها الحكومة، مع ارتفاع الإنفاق بفعل شيخوخة السكان وتزايد تكاليف الفوائد. وقدّرت اللجنة أنّ خدمة الدين ستستهلك 124 مليار يورو عام 2030، أي أكثر بنسبة 60% من إنفاق فرنسا الدفاعي.
أما مصدر القلق الثاني فهو عجز الطبقة السياسية الفرنسية عن إيجاد نوع من الأغلبية المؤيّدة للتقشّف المالي. ومع انطلاق الحملة الانتخابية، يكتسب الشعبويون زخماً، في حين يعاني الوسط المنقسم من أجل إحراز تقدّم. وأصبح من المستحيل على المرشحين تجاهل مشكلة الدين الفرنسي، لكنّ إجاباتهم تفتقر في معظمها إلى المصداقية. كما أنّ من يفوز بالرئاسة قد لا ينجح في الحصول على أغلبية في الانتخابات البرلمانية اللاحقة، ما يعني مزيداً من الجمود السياسي.
وسيكون السيناريو الأسوأ بالنسبة إلى المستثمرين في الديون هو جولة إعادة بين جان-لوك ميلانشون من أقصى اليسار ومارين لوبان من أقصى اليمين. وقد اقترح ميلانشون إلغاء الدين الحكومي الذي يحتفظ به البنك المركزي الفرنسي، وهو ما من شأنه أن يثير موجة من الخوف في أسواق الديون. أما لوبان، فقد التزمت بسقف للعجز عند 3%، لكنها لا تملك ما يشبه خطة جدّية لتحقيق وفورات سنوية بنحو 140 مليار يورو، وهي الوفورات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف بحلول عام 2032.
ويريد يسار الوسط فرض مزيد من الضرائب على الشركات والأثرياء، رغم التأثير الحتمي لذلك في الاستثمار والوظائف. ومن حسن الحظ أنّ إدوار فيليب، المرشح الوسطي الأبرز، أدخل قدراً من العقلانية إلى السباق هذا الأسبوع، باقتراحه رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، وزيادة فترة الاشتراك اللازمة للحصول على معاش تقاعدي كامل إلى 45 عاماً. إنها مجرّد بداية، لكنها مجازفة جريئة في المناخ الحالي.
ولأنّ فرنسا أكبر من أن يُسمح لها بالفشل، يتوقّع المستثمرون أن يتدخّل البنك المركزي الأوروبي في نهاية المطاف في حال اندلاع أزمة، بما يحدّ من ارتفاع العوائد. ويمتلك البنك المركزي الأوروبي الأدوات اللازمة، ويمكنه التدخّل لمنع انتقال العدوى إلى دول أخرى في منطقة اليورو.
لكنّ البنك سيواجه أيضاً معارضة شديدة في عواصم أخرى إزاء إنقاذ دولة أخفقت مراراً في ترتيب أوضاعها المالية، ولا سيما إذا كانت بقيادة رئيس على خلاف حادّ مع الاتحاد الأوروبي في ملفات أخرى. وقد يزداد ضغط الأسواق والألم المالي الذي تعانيه فرنسا سوءاً بكثير قبل أن يأتي أيّ إنقاذ.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.