من جنوب لبنان إلى فرنسا.. قصة لافتة لـ "قائدة قطار"
لم تكن قيادة القطار بالنسبة لريم من جنوب لبنان مجرد مهنة احتكرها الرجال عقوداً طوالاً، بل كانت مسؤولية جسيمة ورسالة وجودية، حيث تقود اليوم أطنان الحديد وتتحمل أمانة أرواح آلاف الركاب بصبرٍ، ودقة، وشخصية صلبة تعكس روح المرأة اللبنانية والعربية الصامدة.
-
ريم ابنة الخيام من فرنسا: رأسي سيبقى مرفوعاً (غرافيك: حسين بلحص)
نحن في زمنٍ تُقاس فيه البطولة بمدى القدرة على ابتكار الأمل من قلب الألم، ومن بين الركام وهمجية الاحتلال، تخرج من أرض الجنوب اللبناني، وتحديداً، من بلدة الخيام الشامخة، حكايةٌ جديدةٌ تفيض بالوعي والتحدي.
وها هي الشابة اللبنانية ريم حسن إدريس تروي قصتها للميادين نت ، فالفتاة الطموحة لم تكتفِ بحمل شغف الفن والموسيقى في وجدانها، بل مضت لتكتب اسم بلدها على سكك السفر والحديد في أوربا، متجاوزةً التحديات لتغدو أول لبنانية وأجنبية تقود القطارات في فرنسا وتتصدّر دفعتها بامتياز.
من خشبة المسرح إلى كابينة القيادة
لم تكن رحلة ابنة الـ 29 عاماً مفروشة بالورود، بل كانت مساراً متواصلاً من السعي والبحث عن الذات.
تنقّلت ريم بين بيروت وتلال الجنوب فهي من الخيام - قضاء مرجعيون في محافظة النبطية، حائزةً شهادة الليسانس في الإخراج والسينما والمسرح من الجامعة اللبنانية، ومستزيدةً من الفن برحلة مدتها 15 عاماً في المعهد الوطني العالي للموسيقى.
وعندما اشتدت الأزمات في الوطن، كانت باريس وجهتها لمتابعة "الماجستير" عام 2022.
لكنّ شحّ الاستقرار والظروف المادية لم يكسرا عزيمتها، بل أوقدا فيها جمرة الفضول والمعرفة. "مرّت الأيام وأنا أبحث عن عملٍ ثابت ومستقر يضمن العيش الكريم، واشتغلتُ في أعمالٍ بسيطة ومؤقتة. ولفتتني يوماً لافتةُ "ممنوع الدخول" على باب كابينة قائد القطار"، ذلك الباب المغلق لم يكن بالنسبة إليها حاجزاً، بل كان دافعاً لكسر المألوف واكتشاف ما وراءه.
أنتِ الأولى على دفعتكِ.. و "قائدة قطار" !
تضيف ريم " أثارت تلك العبارة في نفسي حشريةً معرفية وتحدياً داخلياً: ما الذي يقع خلف هذا الباب المغلق؟ كيف تبدو تلك الكابينة من الداخل؟ وحين لم أجد جواباً، قلتُ لنفسي: "لن يجيبكِ أحدٌ إلا محاولتكِ أنتِ".
قدّمتُ أوراقي إلى الشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسية (SNCF). وكان مشواراً مضنياً استغرق أشهراً من المقابلات والامتحانات الشاقة، قبل أن أحظى بفرصة الدخول إلى التدريب الرسمي لمدة سنة مكثفة من العلوم التقنية والتطبيق الميداني.
فوجئت بتقييم اللجنة: "لن نتحدث عن امتحانكِ، فلا شيء يُقال سوى أنكِ الأولى على دفعتكِ ونحن فخورون بكِ".
وتشرح "لن أنسى تلك اللحظة التي وقفتُ فيها أمام لجنة التقييم المكونة من 10 أعضاء بين زملائي، حين قالوا لي: "لن نتحدث عن امتحانكِ، فلا شيء يُقال سوى أنكِ الأولى على دفعتكِ ونحن فخورون بكِ"، وكنتُ حينها الأجنبية و العربية واللبنانية الوحيدة بينهم.
لم تكن ريم مجرد متدربة ناجحة، بل كانت الأجنبية و العريبة واللبنانية الوحيدة بين زملائها التي أثبتت أن العقل اللبناني قادرٌ على ارتقاء أصعب المهام متى حظيّ بالفرصة العادلة.
-
ريم إدريس: الواقع الميداني يرغمنا على بذل جهدٍ جسدي وفكري مضاعف، ويتطلب شخصية وإرادة لا تلين
ردّة فعل أهلي: فرح ممزوج بقلق
وحول ردّة فعل الأهل قالت "استقبل أهلي الخبر بفرحٍ وحفزّوني، رغم أن الأفق كان غامضاً ومحفوفاً بالصعوبات. وكنت كلّما اقتربتُ من خط النهاية، كان الحماس والافتخار يمتزجان بقلق أهلي المشروعة تجاه مهنةٍ تحمل في طياتها مسؤوليات جسام،لحظات الفخر وتجاوز المألوف".
والجدير بالذكر أن هناك فروقات أساسية بين وسائل النقل الثلاث: القطار، المترو، التراموي، في المكان، المسار، والمسافة:
-التراموي (Tramway): يسير داخل شوارع المدينة على سكك حديدية مدمجة في الطريق، ويتشارك المسار أحياناً مع السيارات والمشاة، ويعتمد على وقوف متكرر لمسافات قصيرة.
-المترو (Metro): نفق معزول بالكامل عن حركة المرور (يكون عادة تحت الأرض أو فوق جسور مغلقة)، وهو سريع جداً وذو سعة ركاب عالية، ويربط أحياء المدينة الكبرى ببعضها.
-القطار (Train): يربط بين المدن والمحافظات (أو ضواحيها البعيدة) لمسافات طويلة، ويسير على سكك حديدية مخصصة وخارجية، ويمتاز بسرعته العالية وقدرته على حمل حمولات كبيرة من الركاب أو البضائع.
تقود أطنان الحديد وتتحمّل أمانة آلاف الركاب
ولم تكن قيادة القطار بالنسبة لريم مجرد مهنة احتكرها الرجال عقوداً طوالاً، بل كانت مسؤولية جسيمة ورسالة وجودية، حيث تقود اليوم أطنان الحديد وتتحمل أمانة أرواح آلاف الركاب بصبرٍ، ودقة، وشخصية صلبة تعكس روح المرأة اللبنانية والعربية الصامدة.
واليوم تعمل ريم "Conductrice de train" و هو بنطلق من داخل باريس الى عدة مدن خارج باريس في ضواحيها.
ريم تقود اليوم أطنان الحديد وتتحمل أمانة أرواح آلاف الركاب بصبرٍ، ودقة، وشخصية صلبة تعكس روح المرأة اللبنانية والعربية الصامدة.
تقول ريم "خلف نافذة الكابينة، يتطلب هذا العمل صرامة مطلقة يومياً:
-تدريب مكثف، أشهر لتنمية ضابطات صارمة حيث لا يترك السلامة أي مساحة للخطأ.
-طلب في كل لحظة: استيقاظ مستمر، إدارة ضغوط مثالية وردود فعل حادة.
كانت الطريق صعبة.. لم أستسلم لأي شيء!
-إيقاع منفصل: جداول متأخرة، عمل ليلاً ونهاراً وواقعية ذاتية الاستقلالية.
وبين الشكوك، والملل، والصعوبة في الرحلة، كانت هناك صعودات وتراجعات. لم يكن أي شيء سهل.
وتردف بزهوّ اللبنانية القادرة " أنا اليوم، مثبتة في الكابينة، أقاس كل المسار المقطوع. أنا فخورة جداً بأنني لم أستسلم لأي شيء. كانت الطريق صعبة، لكن الرضا من أن أكون هناك يزيل جميع الصعوبات"!
وفي جواب على سؤالنا " تؤكد "لم ينصبّ تفكيري يوماً على أن هذه المهنة حكرٌ على الرجال، ففي فرنسا كانت الامتحانات والتدريبات تتم وفق مسطرة التساوي في الفرص والدقة في التقييم. غير أن الواقع الميداني يرغمكِ على بذل جهدٍ جسدي وفكري مضاعف، ويتطلب شخصية صلبة وإرادة لا تلين".
-
ريم ابنة جنوب لبنان قائدة قطار باريس: سيبقى رأسي مرفوعاً
رسالة إلى شباب الوطن وأملٌ بذاكرة جديدة
تتجه ريم إدريس في كلماتها إلى الشباب والفتيات في لبنان والعالم العربي، داعيةً إياهم إلى ألا يقف شيءٌ أمام تحقيق أحلامهم: "دعوا حشريتكم وفضولكم يقودانكم إلى طرقات لم تكونوا تعرفونها عن أنفسكم.. فالخارج عن المألوف اليوم سيغدو غداً مألوفاً بإرادتكم وصمودكم".
وفي الوقت الذي يعصر قلبها الشوق لبلدها المكلوم، ترنو ريم بجهدها وبصيرتها نحو وطنها الأم، متمنيةً أن "ترى لبنان يوماً يزدان بشبكة قطارات حديثة تخفف عن المواطنين أعباء الحياة وتحد من تلوث مدنه، لترسم بذلك لوحة الأمل لمستقبل يليق بتاريخ هذا الشرق وعطاء أبنائه".
بداية لرحلة أعمق في مدونة السكك الحديدية
وتؤكد "سأكون حينها في غاية السعادة وأنا أرى عائلتي وزملائي في مقدمة الركاب.وبحسب ما وسعني من بحثٍ وشواهد، ولم أجد تقارير تثبت وجود فتياتٍ عربيات أو لبنانيات الجنسية والأصل يخضن تجربة قيادة القطارات في فرنسا، لتكون هذه الخطوة بصيرةً جديدة نفتح بها أفقاً لمن سيأتي بعدنا من أجيال الصمود والأمل".
ولا تقاس المسارات بما قطع منها، بل بما يختزنه الشغف في أفقِ الوصول، هكذا تَرْمُقُ "ريم" إنجازاتها، لا باعتبارها محطةً أخيرة يترجّل عندها الحلم، بل كبداية لرحلة أعمق في مدونة السكك الحديدية وتجاربها الممتدة.
ريم للشباب والشابات: "دعوا حشريتكم وفضولكم يقودانكم إلى طرقات لم تكونوا تعرفونها عن أنفسكم".
إنها لا تتطلع إلى تحصيل الموقع المجرّد، بل تسعى إلى حراسة المعرفة وتطوير الخبرة، لتصل غداً إلى قيادة القطارات الفائقة السرعة، أو لتتحول إلى مقعد التدريب، حافلةً برغبةٍ صادقة في نقل أسرار هذه المهنة ووعيها إلى الأجيال القادمة من سائقي القطارات، ليبقى الأثر حياً والجسر ممتداً عبر الزمن.
اتمنى اللقاء بكم في "ضيعتي" الجميلة
تجربة ريم إدريس ليست مجرد نجاح فردي في أراضي المغترب، بل هي شعلة نور تؤكد أن أبناء هذا الوطن، أينما حلّوا، يحملون في أرواحهم بذور التغيير، ويرفضون الانكسار، ويهدون مجتمعاتهم نور العقل والبصيرة.
تختم ريم بقولها في حديثها للميادين نت "أود أن أتوجه إليكم بخالص الشكر والامتنان على هذا الدعم الصادق والثقة الغالية التي أولتيموني إياها، وأتمنى من أعماق القلب أن تطل علينا تلك اللحظة التي أعود فيها لألتقي بكم جميعا في ضيعتي الجميلة، لنحتفل معاً بهذا النجاح الذي هو نجاح لنا جميعاً".
"كما أعدكم بأن أظل دوماً مثار فخر واعتزاز لكل لبناني، مهما باعدت بيننا المسافات أو كنت بعيدة عن الوطن، وأن أبقى رافعة رأسي حتى لو كنت بعيدة".