"ذا ستراتيجست": إيران تعيد كتابة قواعد الحرب
التعامل مع إعلان إيران أنها قد تقوم بشنّ ضربات استباقية كدعاية إيرانية سيكون خطأً. فهذه إشارة إلى أنّ حسابات التكلفة والفائدة لدى طهران تتغيّر.
-
"ذا ستراتيجست": إيران تعيد كتابة قواعد الحرب
يتناول موقع "ذا ستراتيجست"، التابع للمعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية، الإعلان الإيراني عن إمكانية قيامها بشنّ ضربات استباقية على خصومها في حال تحسّسها الخطر، وينصح بأن يأخذ هذا الإعلان على محمل الجدّ وأن لا يعتبر "دعاية".
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرّف:
يبدو أنّ عصر الصبر الاستراتيجي طويل الأمد الذي اعتمدته إيران يوشك على الانتهاء. وهذا مبدأ جديد للتفكير في التوقّعات، غامض بشكل خطير ومعلن في آن، ويُشير إلى دولة ترى مخاطر متزايدة في ضبط النفس ومستعدة الآن لإداء معاكس لسياسات سابقة. ففي إعلان غير مسبوق، احتفظ المجلس الأعلى للدفاع الوطني الإيراني بحقّه في شنّ ضربات استباقية بناء على ما أطلق عليه، "علامات موضوعية للتهديد". وهذا ليس مجرّد استعراض بلاغي. فما هو بين السطور في لغة البيان المذكور الكثيفة، والممزوجة بآيات قرآنية، يشير إلى تحوّل بنيوي حقيقي، من الردع التفاعلي والاستجابي، إلى ما تصفه طهران بـ"الردع النشط وغير المتوقّع". والتلميح واضح، فقد تعتقد إيران الآن أنّ تكاليف الانتظار تفوق أخطار التحرّك أولاً.
بعض اللغة صريحة. وبينما يؤكّد البيان أنّ أمن إيران هو "خط أحمر لا يمكن تجاوزه"، يضيف أنّ طهران "لا تكتفي بردّ الفعل بعد وقوعه"، وتُركت عمداً هذه العبارات غير محدّدة وغامضة، وربما تشمل تقييمات استخباراتية، أو تحرّكات عسكرية، أو نشاطاً إلكترونياً، أو حتى خطاباً سياسياً. وفي الواقع، يتمّ تصوير الردّ الاستباقي كضرورة دفاعية. كما يسارع القانونيون الإيرانيون الذين يتبنّون هذا التحوّل الدفاعي بالاستناد إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر التهديد باستخدام القوة، وهذا جزء لا يتجزّأ من رسالة طهران.
ويقدّم المسؤولون الإيرانيون والمحلّلون المتحمّسون هذا التحوّل على أنّه ردع متدرّج، وبمثابة تحذير للأعداء وخاصة "إسرائيل"، بأنّ إيران تحتفظ بالقدرة على فرض تكاليف كبيرة ومتعدّدة المجالات. ويؤكّد البيان أنّ أيّ صراع مستقبلي سيكون "متعدّد المستويات، وغير متوقّع، وخارج الأنماط السابقة"، ممّا يعزّز الرسالة القائلة بأنّ أيّ عمل عسكري ضدّ إيران سيكون عديم الجدوى من الناحية الاستراتيجية.
يأتي هذا التحوّل في ظلّ تضافر الضغوط على الصعيد الداخلي، حيث لا تزال الأوضاع غير مستقرة بسبب الاحتجاجات المتكرّرة التي تتحدّى الشرعيّة والحكومة. وعلى الصعيد الدولي، تواجه طهران تعثّر المسار النووي، وتعميق العزلة، وظهور "إسرائيل" بشكل أكثر حزماً. وفي البيان إشارة إلى "أعداء قدامى" لم يسمّهم، لكن يُفهم على نطاق واسع أنّها تعني "إسرائيل" والولايات المتحدة، إضافة إلى "سردية الحصار" التي شكّلت لفترة طويلة تصوّرات إيران للتهديدات. مع ذلك، عندما تتقاطع الضغوط الداخلية مع الضغوط الخارجية، يمكن أن يحرف منطق الردع المستقر نحو التحرّك تحت جنح المخاطر.
ولم يحدث هذا التطوّر البنيوي بمعزل عن السياق، بل إنّه نتاج سابقة خطرة تمّ تأسيسها حديثاً، وهو تحوّل لا رجعة فيه عن حرب الظلّ، إلى تبادل النيران المباشر بين إيران و"إسرائيل"، حيث وقعت سلسلة من المواجهات بين الطرفين خلال العامين المنصرمين، استهدفت السفن التجارية والضباط العسكريين والمنشآت الدبلوماسية، وبلغت ذروتها في فترة غير مسبوقة من المواجهة المفتوحة، بما في ذلك القصف المتبادل للأراضي السيادية.
وقد أثبتت هذه التجاوزات أنّ القواعد القديمة للإنكار المعقول والصراع بالوكالة قد انهارت. ويبدو أنّ حسابات طهران الآن هي في الواقع الجديد من المواجهة العلنية، والذي يتطلّب عقيدة جديدة ومعلنة صراحة لإدارة مخاطره. وبالتالي، فإنّ الإعلان هو محاولة لتقنين الخطوط الحمر رسمياً، غير التي تمّ انتهاكها بشكل عنيف ومتكرّر..
ولا يكمن الخطر في نيّة إيران بقدر ما يكمن في الغموض الذي أضفته الآن على مؤسساتها. ففي منطقة مشبعة بعمليات الاستخبارات العسكرية والأنشطة السرية، فإنّ تعريف "العلامة الموضوعية" هو في جوهره أمر ذاتي، حيث قد يُساء تفسير تمرين روتيني أو اختراق إلكتروني أو خطاب متشدّد على أنه مقدّمة لهجوم. ومن خلال خفض عتبة العمل، زادت طهران من خطر سوء التقدير من جميع الأطراف.
وهناك مخاطر داخلية أيضاً، حيث تتماشى هذه العقيدة مع الاعتقالات والإعدامات بتهمة التجسس في الأشهر الأخيرة. إلى جانب ربط الاضطرابات الداخلية بانتظام بـ"إسرائيل" وأعداء آخرين، ويربط التهديدات الوجودية من الخارج بعدم الاستقرار في الداخل. والآن، وبتوسيع هذا الربط ليشمل العقيدة العسكرية، قد تأمل الحكومة في حشد الدعم الشعبي ضدّ عدو مشترك.
لذلك يجب على المجتمع الدولي أن يتجاوز الإطار اللاهوتي واللغة القانونية. فإيران لا تصدر تحذيراً جديداً فقط. بل تقوم علناً بمراجعة قواعدها الخاصة باستخدام القوة. سواء كان ذلك يعكس الثقة أو القلق، فإنّ النتيجة واحدة، وهي بيئة أمنية إقليمية أكثر تقلّباً. فلم يعد الخطر المركزي مقتصراً على كيفيّة استجابة إيران للهجوم. ويشمل الآن إمكانية أنّ طهران بناء على تفسيرها الخاصّ لإشارة غامضة، أن تبدأ بإطلاق النيران.
كما أنّ التعامل مع هذا الإعلان كدعاية إيرانية سيكون خطأً. فهذه إشارة إلى أنّ حسابات التكلفة والفائدة لدى إيران تتغيّر. ومن دون مخارج دبلوماسية موثوقة وخطوط اتصال أوضح، ستجعل العقيدة العسكرية الإيرانية الجديدة منطقة هشّة بالفعل وأكثر قابليّة للاشتعال.
نقله إلى العربية: حسين قطايا