"بوليتيكو": كيف انحرفت الجهود العالمية لحماية الذكاء الاصطناعي عن مسارها؟

من نقاشات نخبوية حول مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى سوقٍ عالمي لعقد الصفقات في نيودلهي… كيف تراجعت أولوية "السلامة" لصالح سباق النفوذ والاستثمار؟

  • المنظمين الهنود للفعالية هذا العام يأخذون بعض جوانب سلامة الذكاء الاصطناعي بعين الاعتبار، وفقاً للشعارات الرنانة المنتشرة على لوحات الإعلانات في شوارع المدينة
    عناصر من الشرطة الهندية خلال تنظيمهم للقمة العالمية السنوية للذكاء الاصطناعي في نيودلهي

صحيفة "بوليتيكو" الأميركية تنشر مقالاً بشأن القمة العالمية السنوية للذكاء الاصطناعي التي شهدتها نيودلهي،  واصفة المحادثات التي جرت بـ"التحوّل الجذري"، إذ لم تعد النخبة العالمية مهووسة بكيفية السيطرة على مخاطر الذكاء الاصطناعي، بل باتت تُركّز على تحديد من سيستفيد منه.

فيما يلي النص كاملاً منقولاً إلى العربية:

شهدت القمة العالمية السنوية للذكاء الاصطناعي في نيودلهي تحوّلاً جذرياً خلال السنوات الأخيرة، من لقاء سياسي نخبوي يركّز على سلامة التقنية إلى تجمّع ضخم لعقد الصفقات التجارية.

وقد ازداد عدد المشاركين في القمة العالمية السنوية للذكاء الاصطناعي، التي تُعقد في نيودلهي هذا الأسبوع، من 150 إلى 35 ألف مندوب في أقلّ من 3 سنوات. وفي خضم ذلك، تراجعت أهمية الدافع الأصلي للقمة وهو الحوار العالمي للاتفاق على ضماناتٍ لكبح جماح تقنية الذكاء الاصطناعي إلى زوايا هادئة من هذا التجمّع.

قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي تتحوّل من "السلامة" إلى الاستثمار والصفقات

ظاهرياً، يبدو أنّ المنظمين الهنود لفعّالية هذا العام يضعون بعض جوانب سلامة الذكاء الاصطناعي في الحسبان، على الأقل وفقاً للشعارات الرنانة المنتشرة على لوحات الإعلانات في شوارع المدينة.
 
إلا أنّ البيان الختامي للقمة، المقرّر إقراره في وقت لاحق من هذا الأسبوع، سيخلو من كلمة "السلامة"، وفقاً لمسوّدة نصّ نشرتها صحيفة "بوليتيكو" حصرياً. فبعد أن تناولت القمتان السابقتان المخاطر الكارثية التي تهدّد البشرية، وتهديدات مثل فقدان الوظائف والتدهور البيئي، حوّلت الهند تركيزها إلى التطبيقات العملية وإبرام الصفقات.
 
في ظلّ وجود بيت أبيض متعاطف مع روّاد التكنولوجيا، وفهم أفضل لكيفية إعادة تشكيل هذه التكنولوجيا للاقتصادات العالمية، وبيئة جيوسياسية أكثر تعقيداً، تُجسّد المحادثات في نيودلهي تحوّلاً جذرياً: لم تعد النخبة العالمية مهووسة بكيفيّة السيطرة على مخاطر الذكاء الاصطناعي، بل باتت تُركّز على تحديد من سيستفيد منه.
 
قال مدير السياسات التقنية في معهد توني بلير للتغيير العالمي، وهو مركز أبحاث ساهم في صياغة سياسة الذكاء الاصطناعي للحكومة البريطانية، جاكوب موكاندر: "تعكس القمة التحوّل الذي طرأ على الحوار العالمي حول الذكاء الاصطناعي، من التركيز الضيّق على السلامة إلى السعي الأوسع لتحقيق تأثير ملموس. إنّ زيادة الشمولية تُعدّ ميزة، لكنها تُصعّب التركيز حتماً".

أما بالنسبة للمشاركين في العاصمة الهندية، فسيكون هذا التجمّع بمثابة سوق مفتوحة لعرض رؤيتهم لمستقبل الذكاء الاصطناعي، من دون الحاجة إلى الخوض في المسائل المعقّدة المتعلّقة بكيفيّة ضمان تطبيق التطوّرات التكنولوجية السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل آمن.
 
وصف المدير التنفيذي لمنظّمة "EDRi" المعنية بالحقوق الرقمية، أمبر سينها، السلامة بأنها "مُهمَلة للغاية"، وهو تحوّل بدأ يظهر جلياً في القمة الأخيرة في باريس. وصف سينها التحوّل نحو الاستثمارات بأنه "ما شهدناه في باريس العام الماضي، وما نشهده الآن بشكل أوضح".

دعم سياسي متفاوت يرافق تجمّع كبار قادة التكنولوجيا

قال رئيس مؤسسة موزيلا، التي تدعو إلى إنترنت مفتوح وذكاء اصطناعي جدير بالثقة، مارك سورمان: "يمكن النظر إلى الأمر من منظور سلبي، أي أنّ النقاش حول الثقة والأمان والبرمجيات مفتوحة المصدر مهمّش، ويكاد يكون هامشياً". وأضاف: "من جهة أخرى، أعتقد أنّ ما حدث هو أنّ الموضوع واسع النطاق لدرجة أنه انقسم إلى أجزاء متفرقة".

وبينما يُتوقّع حضور كبار روّاد الأعمال، بمن فيهم الرئيس التنفيذي لشركة "OpenAI"، سام ألتمان والرئيس التنفيذي لشركة  "Google DeepMind" ديميس هاسابيس، والرئيس التنفيذي لشركة "Mistral" آرثر مينش، فإنّ الدعم السياسي متفاوت. سيصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة وفد رفيع المستوى، بينما يقتصر حضور دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا على مستوى أقل.

بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبرز في قمة نيودلهي

في اجتماع باريس العام الماضي، رفضت المملكة المتحدة الجهة المنظمة الأصلية للقمة التوقيع على الإعلان الختامي، ويعود ذلك جزئياً إلى ابتعادها الكبير عن أهداف "السلامة". هذا العام، انضمت المملكة المتحدة إلى أجواء المعرض التجاري.
 
سيحاول وفد برئاسة وزير الذكاء الاصطناعي البريطاني كانيشكا نارايان ونائب رئيس الوزراء ديفيد لامي الترويج لبريطانيا كوجهة للمواهب والاستثمار. وقال لامي: "سيبني قادة الأعمال الذين سينضمون إلينا في الهند شراكات ملموسة ويؤمّنون استثمارات توفر فرصاً للعاملين في المملكة المتحدة والهند والعالم أجمع".
 
في غضون ذلك، وصلت الولايات المتحدة إلى نيودلهي لعرض تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها على العالم من خلال برنامج تصدير الذكاء الاصطناعي، وهي السياسة الرسمية للإدارة الأميركية "لتعزيز الريادة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي وتقليل الاعتماد الدولي على تقنيات الذكاء الاصطناعي" وهو ما يعكس نظرتها إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافسة بين شركاتها وشركات الصين.
 
أكد وكيل وزارة التجارة الأميركية للتجارة الدولية، ويليام كيميت، خلال فعّالية أقيمت في واشنطن هذا الشهر، أنّ إدارة ترامب "تركّز بشدّة على تشجيع نجاح الذكاء الاصطناعي حول العالم. لذا، تُعدّ هذه فرصة مهمة وحضوراً قوياً للحكومة الأميركية".
 
وتعلن شركات أميركية، من بينها "OpenAI" و"Anthropic وMeta"، عن استثمارات بمليارات الدولارات في الهند هذا الأسبوع، متقدّمةً بذلك على الصين، حيث أرسلت بكين وفداً صغيراً فقط نظراً لتزامن الفعّالية مع رأس السنة الصينية.
 
ويرأس الوفد الأميركي مدير السياسة التقنية في البيت الأبيض، مايكل كراتسيوس، بينما ترّأس نائب الرئيس، جيه دي فانس، القمة الأخيرة في باريس. والرئيس دونالد ترامب موجود في واشنطن يوم الخميس، وهو اليوم الذي يجتمع فيه قادة العالم، بمن فيهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في نيودلهي، لعقد الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام التابع له.
 
وقد أدّى هذا التزامن بالفعل إلى انسحاب رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، من الهند، حيث كان من المقرّر أن يلقي كلمة. يضمّ معهد توني بلير، وهو مركز أبحاث تابع له، رئيس الوزراء البريطاني السابق ريشي سوناك (مستشار "مايكروسوفت" و"أنثروبيك") ووزير المالية البريطاني السابق جورج أوزبورن (المدير الإداري لشركة "أوبن إيه آي") ضمن قائمة المتحدّثين.
 
في غضون ذلك، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز مكانته كجهة تنظيمية عالمية وإظهار انفتاحه على جذب الاستثمارات. وقد تجلّى هذا التوتر في الأشهر الأخيرة عندما طبّقت سلطات الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي الرئيسي في التكتل، بينما تراجعت في الوقت نفسه عن بنود السلامة من خلال "حزمة تبسيط"، وذلك بعد شكاوى من شركات أوروبية بأنّ القانون كان مرهقاً للغاية.
 
وقالت إدارة التكنولوجيا في المفوضية الأوروبية، هينا فيركونين، ممثلة المفوضية في القمة، قبل انعقادها، إنها "ستؤكّد طموح الاتحاد الأوروبي في تسريع نشر الذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق الابتكار، والعمل مع شركاء موثوق بهم مثل الهند لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي متمحوراً حول الإنسان وآمناً ومتوافقاً مع القيم الديمقراطية".
 
يرى البعض أنّ الاتحاد الأوروبي قد يحظى بدعم في القمة بفضل نموذج حوكمته الذي يسمح للشركات بإجراء تقييمات طوعيّة، بما في ذلك مع الدول المضيفة. وصف سينها، من معهد أبحاث التنمية الاقتصادية (EDRi)، النهج التنظيمي لحكومة مودي بأنه "متساهل"، حيث أعلنت الهند، قبيل القمة، عن مبادئ توجيهية لحوكمة الذكاء الاصطناعي تركّز على التنظيم الذاتي للشركات.
 
يمكن لصنّاع السياسات الهنود الاستفادة من تجربة بروكسل فيما يتعلّق بمدوّنة قواعد السلوك الخاصة بها، وهي المبادئ التوجيهية الطوعية التي تُقدّم إرشادات حول كيفية تقديم الشركات لتقييمات المخاطر "لكنني لا أرى تقارباً كبيراً بخلاف ذلك"، على حد قول سينها.

من نيودلهي إلى "دافوس"؟

مع انطلاق فعّاليات الأسبوع، أمضى عشرات الآلاف من الحضور جزءاً من يوم الاثنين على الأقل في استكشاف مركز بهارات ماندابام للمؤتمرات الذي شُيّد خصيصاً لقمة مجموعة العشرين الهندية لعام 2023 ومساحة العرض المجاورة التي تبلغ 70 ألف متر مربع. واجه بعض الحضور طوابير طويلة للدخول إلى مكان الفعّالية، بينما أشار آخرون إلى مشكلات مرورية واضطرابات في المطار.
 
إلى جانب التعقيدات اللوجستية، امتدت التساؤلات لتشمل مستقبل سلسلة القمم نفسها، نظراً للتطور الكبير الذي شهدته منذ بداياتها.
 
يرى البعض أنّ نقاشات السلامة قد تُجرى في أماكن أخرى. يقول موكاندر من معهد توني بلير: "إنّ تحوّل سلسلة القمم إلى ما يشبه معرضاً تجارياً عالمياً سيدفع بقرارات حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية إلى منتديات أخرى".
 
لكنّ سورمان من "موزيلا" يرى أنّ حجم الحدث يتيح في الواقع لشركات التكنولوجيا البديلة، المقبلة من "القوى المتوسطة" التي أشار إليها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه المناهض لترامب في "دافوس"، فرصةً للتواصل فيما بينها. وهذا من شأنه أن يمنح المستخدمين خيارات تتجاوز الأدوات السائدة في مجال تهيمن عليه أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية.
 
مع ترجيح انتقال قمة العام المقبل إلى سويسرا، يُعدّ منتدى "دافوس" الاقتصادي العالمي حدثاً سياسياً واقتصادياً محموماً يُفترض أن يُحدّد مسار السياسة، ومع ذلك يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه مجرّد منبر للنخب العالمية ونموذج مناسب للمقارنة. وثمّة نموذج آخر محتمل يتمثّل في سلسلة قمم المناخ العالمية التي تُنظّمها الأمم المتحدة منذ عقود، والمعروفة باسم مؤتمرات الأطراف (COPs)، والتي تنتقل من دولة إلى أخرى كل عام.
 
يقول المبعوث السابق للحكومة الفرنسية إلى قمة باريس للذكاء الاصطناعي، مارتن تيسنيه: "علينا أن نختار ما إذا كنا نريد التوجّه نحو نموذج مؤتمرات الأطراف، مع التشكيل التدريجي لمجموعة من النصوص، أو نحو نموذج مجموعة السبع، حيث تُحدّد كلّ دولة أولوياتها كلّ عام. أعتقد شخصياً أنّ إضفاء الطابع المؤسسي كما هو الحال مع مؤتمرات الأطراف فكرة جيدة جداً لمعالجة تشتّت حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي."

وقال تيسني: "من خلال نقل الراية من عام إلى آخر، ودعم بعضنا البعض، والمساهمة في التماسك بدلاً من التجزئة في الحوكمة والبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، ينشأ تحالف، وسيكون من الأخبار الممتازة أن تتولّى سويسرا زمام المبادرة في عام 2027".

نقله إلى العربية: الميادين نت.