"بوليتيكو": أسلوب الولايات المتحدة في الحرب لا يُجدي نفعاً

مقال لـ"بوليتيكو" يتناول نقداً لنهج الولايات المتحدة في خوض الحروب، معتبراً أن إخفاقاتها المتكررة لا تعود لضعف عسكري بل لغياب الأهداف السياسية الواضحة وسوء توظيف القوة.

  • الجيش الأميركي (أرشيف)
    الجيش الأميركي (أرشيف)

يتناول مقال الدبلوماسي الأميركي السابق إيفو دالدر في صحيفة "بوليتيكو" الأميركية نقداً لنهج الولايات المتحدة في خوض الحروب، معتبراً أن إخفاقاتها المتكررة لا تعود لضعف عسكري بل لغياب الأهداف السياسية الواضحة وسوء توظيف القوة. ويرى أن واشنطن تعتمد على التفوق العسكري وحده لتحقيق نتائج استراتيجية كبرى، من دون خطط واقعية لما بعد الحرب.

أدناه النص منقولاً إلى العربية:

تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في تاريخ البشرية، لكنها لم تنتصر في حرب منذ أكثر من 30 عاماً.

منذ عام 1945، خاضت الولايات المتحدة حروباً كبرى في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق، والآن في إيران. ومن بينها، تُعتبر حرب الخليج عام 1991 وحدها نجاحاً حقيقياً، وحتى هذه الحرب زرعت بذور كارثة مستقبلية.

في المقابل، تراوحت نتائج الحروب الأخرى بين الجمود والهزيمة والكوارث الاستراتيجية، ولعلّ الحرب الإيرانية هي أسوأ خطأ استراتيجي ارتكبته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.

إذن، لماذا تستمر دولة تمتلك أقوى جيوش العالم في خسارة الحروب التي تشنها؟ الجواب ليس القوة النارية، بل طريقة تفكير الولايات المتحدة.

عرّف كارل فون كلاوزفيتز، الاستراتيجي العسكري البروسي العظيم، الحرب بأنها استمرار للسياسة بوسائل أخرى. فالجيش أداة في يد الغايات السياسية، وأداة من بين أدوات عديدة، ودائماً في خدمة هدف محدد بوضوح.

لقد قلبت الولايات المتحدة هذه النظرية رأساً على عقب. فواشنطن لا تنظر إلى الحرب باعتبارها استمراراً للسياسة، بل باعتبارها فشلاً لها، وملاذاً أخيراً يُلجأ إليه عند انهيار الدبلوماسية، غالباً دون أي نتيجة سياسية محددة. والنتيجة دائماً واحدة: نشر القوة دون غايات واضحة، ودون إجابة على سؤال ينبغي أن يسبق كل قرار بالقتال: كيف يبدو النصر في الواقع؟

يمثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجسيد الأبرز لهذه المشكلة. ففي إيران، مارس مبعوثون أميركيون دبلوماسية شكلية لا يفقهون شيئاً في الدبلوماسية ولا في الفيزياء النووية. ثم جاءت حملة قصف واسعة النطاق، مبنية على اعتقاد خاطئ بأن الدمار يُفضي إلى الاستسلام، أو كما قال الرئيس في نهاية الأسبوع الماضي: إما أن نتوصل إلى اتفاق "جيد" أو "ندمرهم تدميراً كاملاً". لكن النتيجة النهائية لن تكون أياً من هذين الأمرين.

نعرف ذلك لأنه في حين أن ترامب قد يكون المظهر الأكثر تطرفاً لنهج الولايات المتحدة الخاطئ، إلا أنه ليس وحيداً على الإطلاق.

تقوم استراتيجية الولايات المتحدة في الحرب على ثلاثة عيوب هيكلية. أولاً، انقلاب في الغاية والوسيلة: فبدلاً من تحديد هدف سياسي ثم اختيار الأداة المناسبة، تفعل واشنطن العكس. تلجأ إلى الأداة العسكرية وتأمل أن تتبعها السياسة.

"الرعد المتدحرج" في فيتنام، و"الصدمة والترويع" في العراق، و"الغضب الملحمي" في إيران - في كل مرة نشرت الولايات المتحدة قوة ساحقة اعتقاداً منها أن التدمير الشامل سيحقق النتيجة المرجوة. لا يحدث ذلك أبداً.

أما العيب الثاني فهو المبالغة. تُصاغ الحروب الأميركية حول أهداف واسعة النطاق قدر الإمكان: تغيير الأنظمة، و"التحول الحضاري"، و"إرساء الديمقراطية"، و"القضاء على الإرهاب". لكن هذه ليست أهدافاً، بل هي مجرد أوهام؛ والقوة العسكرية أداة غير فعالة لتحقيقها.

لقد نجحت حرب الخليج تحديداً لأن الرئيس آنذاك جورج بوش الأب رفض هذا المنطق. كان هدفه محدداً وواضحاً: صد غزو العراق للكويت وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب - لا أكثر. قاوم ضغوطاً هائلة للزحف على بغداد، ولم يكن هذا التحفظ ضعفاً، بل أثمر تحالفاً حقيقياً وشرعية وانتصاراً.

بعد سنوات في "الشرق الأوسط"، اختار الرئيس جورج دبليو بوش - متأثراً بالمستشارين أنفسهم الذين حثوا والده على المضي قدماً - مساراً مختلفاً. والنتيجة؟ عقد من الحرب، وإيران أقوى، ومنطقة أقل استقراراً بكثير مما كانت عليه سابقاً.

وأخيراً، يكمن الخلل الثالث والأكثر جوهرية في اعتقاد واضعي الخطط في واشنطن أن القوة الساحقة قادرة على تعويض اختلال الدوافع. هذا غير صحيح. قد تمتلك الولايات المتحدة القوة، لكن الطرف الآخر يمتلك الإرادة. الفيتكونغ، وطالبان، والبعثيون، والثوريون الإسلاميون - لا يتزحزحون. ليس لديهم مكان يذهبون إليه ولا شيء يخسرونه.

عندما شنّ الفيتكونغ هجوم تيت عام 1968، وضربوا أكثر من 100 مدينة في وقت واحد، وصف الجيش الأميركي ذلك بأنه هزيمة للعدو. وبينما كان هذا صحيحاً من الناحية التكتيكية، إلا أن الأمر كان عكس ذلك تماما ًمن الناحية الاستراتيجية.

فقد أدى هجوم تيت إلى انهيار الدعم الشعبي الأميركي وقلب مسار الحرب. كان الفيتكونغ يدركون تماماً ما يقاتلون من أجله، بينما كانت واشنطن قد فقدت هذا الإدراك منذ زمن طويل.

بعد عقود في أفغانستان، أبدى المسؤولون الأميركيون إعجابهم ببراعتهم - قوات خاصة على ظهور الخيل، وقنابل دقيقة، ونظام أُطيح به في غضون أسابيع قليلة. ومع ذلك، قبل أيام فقط من بدء القصف، تساءل بوش "من سيدير ​​البلاد" بعد سقوط طالبان - وهو سؤال وجيه لم يخطر ببال أحد طرحه قبل تزويد قاذفات بي-52 بالوقود.

كان رجال الخيالة بارعين، لكن لم تكن هناك خطة لما سيحدث لاحقاً. علاوة على ذلك، ظل زعيم القاعدة أسامة بن لادن طليقاً.

ثم جاء العراق، حيث توقع مهندسو الحرب نصراً سهلاً يُستقبل فيه الجنود الأميركيون كمحررين. لكن الاحتلال حلّ الجيش العراقي، دافعاً بمئات الآلاف من الرجال المسلحين والمُهانين إلى الشوارع بلا وظائف أو آفاق. كان من المفترض ألا يُفاجئ التمرد الذي تلا ذلك أحداً، ومع ذلك فقد فاجأ الجميع.

انهار المنطق بسرعة أكبر في إيران. كانت الاستراتيجية، إن صح التعبير، تتلخص في التالي: اغتيال القائد الأعلى للبلاد، على أمل ظهور خليفة "أكثر اعتدالاً". ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، علّقت الولايات المتحدة و"إسرائيل" آمالهما على الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد - الذي لم يكن معتدلاً في حد ذاته - لملء الفراغ. لكن لم يكن لديهما خطة لكيفية تنصيبه، ولا خطة لما يجب فعله في حال الفشل، ولا خطة لمنع طهران من فعل ما كان الجميع يعلم أنها ستفعله: إغلاق مضيق هرمز أمام جميع السفن باستثناء سفنها.

في هذه المرحلة، باتت إخفاقات الولايات المتحدة المتكررة كثيرة للغاية، وارتكبها على مدى عقود طويلة قادة مختلفون - جمهوريون وديمقراطيون على حد سواء - بحيث لا يمكن اعتبارها مجرد مصادفات. إنها تعكس خللاً أعمق في أسلوب الحرب الأميركي.

إذن، كيف تبدو الطريقة الأفضل؟

يجب أن تكون نقطة البداية هي المزيد من التواضع والتخلي عن الغرور. صحيح أن الجيش الأميركي يتمتع بقدرات استثنائية، كما أكد "القبض" على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير. لم يكن بإمكان أي جهاز استخباراتي آخر العثور على بن لادن، ولم يكن بإمكان أي جيش آخر اختطافه من عمق باكستان دون أن يلاحظ أحد. لكن هذه القدرات المذهلة لا تغني عن التفكير الواضح والاستراتيجية السليمة.

إن التفوق التكتيكي لا يضمن النجاح الاستراتيجي أكثر مما يضمن الضعف التكتيكي الفشل.

أدرك القادة العسكريون الأميركيون هذا الأمر قبل أن تنساه واشنطن بفترة طويلة. ففي عام 1984، وضع وزير الدفاع آنذاك، كاسبار واينبرغر، الذي لا يزال يعاني من آثار حرب فيتنام ولبنان، هذا الأمر بوضوح في إطاره لتحديد متى وكيف ينبغي للولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية: مصالح حيوية واضحة، وأهداف محددة وقابلة للتحقيق، ودعم محلي ودولي، واستخدام قوة ساحقة لأغراض محدودة، واستراتيجية خروج واضحة، والحرب فقط كملاذ أخير.

قام كولن باول، الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة، والذي خدم كضابط شاب في فيتنام ولاحقاً كمساعد عسكري لواينبرغر، بصقل هذه المبادئ وتطويرها بعد عقد من الزمن. وقد رأى الرجلان ما يحدث عندما تخوض الولايات المتحدة حرباً دون استراتيجية، وكانا حريصين على تجنب تكرار ذلك.

لا تزال عقيدة واينبرغر/باول الإطار الصحيح حتى اليوم. إنها ليست نزعة سلمية، بل منطق استراتيجي - منطق طُبِّق بنجاح في حرب الخليج. وهي تحديداً ما غاب عن كل صراع منذ ذلك الحين. ربما استند وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى عقيدة واينبرغر كمرجع لاستخدام الولايات المتحدة للقوة في إيران، لكنه تجاهل جميع مبادئها.

لا تخسر الولايات المتحدة باستمرار بسبب ضعف جيشها، بل لأنها تختار أدواتها قبل تحديد أهدافها. وبناءً على ذلك، فليس من المستغرب أن أقوى جيش في تاريخ البشرية لا يستطيع الانتصار في الحروب التي يشعلها.

نقله إلى العربية: الميادين نت.