"المونيتور": هل تستطيع دول الخليج التوسط بين الولايات المتحدة وفنزويلا؟

لقد تحسَّنت علاقات فنزويلا مع دول الخليج في عهد الرئيس نيكولاس مادورو. وقد أعرب بعضها مؤخراً عن القلق بشأن العملية العسكرية الأميركية في كراكاس.

0:00
  • سعت فنزويلا في عهد مادورو إلى توطيد العلاقات مع عدد من دول الخليج
    سعت فنزويلا في عهد مادورو إلى توطيد العلاقات مع عدد من دول الخليج

موقع "المونيتور" الأميركي ينشر مقالاً يتناول التداعيات الجيوسياسية المترتبة على قيام الولايات المتحدة بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ويركز بشكل خاص على الدور الذي يمكن أن تؤديه دول الخليج العربي في هذه الأزمة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

إنَّ قيام الولايات المتحدة بأسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد يفتح الباب أمام دول الخليج لأداء دور الوسيط، وحماية علاقاتها مع فنزويلا، حتى في الوقت الذي تظل بعض الدول حذِرةً في العلن. وكانت وزارة الخارجية القطرية قد أعربت عن "قلقها العميق" في أعقاب الغارة التي أسفرت عن أسر مادورو وزوجته يوم السبت الماضي، وأبدت الدوحة استعدادها للتوسّط بين الدولتين.

وجاء في البيان القطري: "تُؤكّد الوزارة مُجدَّداً استعداد دولة قطر الكامل للمساهمة في أي جهد دولي يهدف إلى تحقيق حل سلمي فوري، والتزامها إبقاء قنوات الاتصال مفتوحةً مع جميع الأطراف المعنية". في المقابل، دعت وزارة الخارجية العُمانية، في بيان صدر بعد يوم من الهجوم، "الأطرافَ جميعها إلى ممارسة ضبط النفس وتمكين الحوار لمنع التصعيد وتحقيق المصالحة"، لكنّ السعودية والإمارات ودولاً أخرى في المنطقة لم تُعلّق على إطاحة الولايات المتحدة الرئيس مادورو.

وكان الرئيس مادورو قد أُسِر مع زوجته، السيدة الأولى سيليا فلوريس، على يد القوات الأميركية خلال مداهمة نُفّذت في نهاية الأسبوع الماضي، ونُقلا جوّاً إلى الولايات المتحدة. وقد دفع مادورو ببراءته من تهم تهريب المخدرات أمام محكمة في مدينة نيويورك يوم الاثنين الماضي، بينما أدَّت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز اليمين الدستورية رئيسةً بالوكالة لفنزويلا.

ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف ستسير عملية انتقال السلطة في فنزويلا؛ ففي يوم العملية، صرّح الرئيس دونالد ترامب بأنَّ الولايات المتحدة ستتولّى إدارة البلاد حتى اكتمال عملية الانتقال، إلا أنَّ مسؤولين أميركيين كباراً آخرين قدّموا وصفاً مختلفاً، في حين أكَّد وزير الخارجية ماركو روبيو أنَّ الولايات المتحدة "تضع السياسات" في فنزويلا بدلاً من إدارة البلاد فعلياً، ما يضع دور واشنطن في إطار من الغموض.

وساطة خليجية

قال الباحث في "معهد دول الخليج العربية" في واشنطن، حسين إبيش، إنَّ قطر "تستغلّ بالفعل دورها كدولة تربطها علاقات ودّية مع كلٍّ من فنزويلا والولايات المتحدة. ومن الواضح أنَّ الدوحة تستفيد في الوقت ذاته من علاقتها الوثيقة بمسؤولين رسميين في فنزويلا، من ضمنهم رودريغيز، وكذلك من علاقتها الوثيقة بإدارة ترامب".

يأتي ذلك في إطار عودة قطر، بشكل عام، إلى دورها كوسيط إقليمي، إذ تتمتّع بسجلّ حافل في الوساطة في النزاعات الدولية، كان آخرها دورها وسيطاً في محادثات وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" وحركة "حماس". وقد جاءت مبادرة الدوحة للوساطة عقب تقرير أفاد بتورّطها في محادثات لإزاحة مادورو، نشرته صحيفة "ميامي هيرالد" في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أشار إلى أنَّ نائبة الرئيس رودريغيز ومسؤولين فنزويليين كباراً آخرين عرضوا أنفسهم على الولايات المتحدة في الأشهر السابقة بديلاً أكثر ودّية من مادورو. وبحسب الصحيفة، فقد قُدّمت هذه المقترحات عبر وسطاء في قطر، بينما سارعت رودريغيز إلى نفي ذلك فور صدور التقرير.

وكانت وكالة "أسوشيتد برس" قد أفادت بأنَّ مسؤولين فنزويليين طرحوا خطة على الولايات المتحدة يتخلّى بموجبها مادورو عن السلطة، على الرغم من أنَّ الوكالة لم تذكر أي دور قطري. وبعد يوم من أَسر الرئيس مادورو وزوجته، أطلقت رودريغيز نداءً لتحسين العلاقات مع واشنطن، وقالت: "نحن نُولي الأولوية للتحرّك نحو علاقات دولية متوازنة ومحترِمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وبين فنزويلا ودول أخرى في المنطقة، على أساس المساواة في السيادة وعدم التدخّل".

وقد سعت فنزويلا، في عهد مادورو، إلى توطيد العلاقات مع عدد من دول الخليج، في مسعى لبناء علاقات مع دول مقرّبة من الولايات المتحدة. وفي نيسان/أبريل الماضي، زارت رودريغيز قطر، وأجرت محادثات مع الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إضافةً إلى مسؤولين رفيعي المستوى في قطاعَي الطاقة والسياسة. وركّزت الاجتماعات على الطاقة والسياحة والتجارة والعلاقات التكنولوجية، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام الرسمية في كلا البلدين آنذاك.

وكانت رودريغيز قد بدأت مهامها وزيرةً للنفط في العام الماضي، إلى جانب منصبها نائبةً للرئيس. وفي الشهر الماضي، زارت دولة الإمارات والتقت رئيسها محمد بن زايد آل نهيان، وذكرت الحكومة الإماراتية أنَّ المحادثات ركّزت على العلاقات الثنائية والنمو الاقتصادي.

كذلك، زار الرئيس مادورو السعودية عام 2023، وأجرى محادثات حول العلاقات الثنائية مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وكانت هذه الزيارة الأولى لمادورو إلى الرياض منذ عام 2015. ويقول الباحث إبيش إنَّ من المرجح، بصرف النظر عن قطر، أنَّ دول الخليج الأخرى ليست قلقةً بشكل مبالغ فيه إزاء إزاحة مادورو، مُشيراً إلى وجود فهم بأنَّ ترامب يسعى إلى بسط النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية. وأضاف: "أعتقد أنَّ بقية دول الخليج لا تشعر بانزعاج كبير حيال ذلك؛ فهم ليسوا خائفين ولا مطمئنين، وهناك شعور عام آخذ في التزايد عالمياً بأنَّ رؤية ترامب للدور الدولي للولايات المتحدة تتضمَّن نفوذاً أميركياً أقوى، لكنَّه محدود، ويشمل نصف الكرة الغربي".

وأشار إبيش إلى عُمان والكويت والإمارات بوصفها دولاً يُمكن أن تؤدّي دور الوسيط بين الولايات المتحدة وفنزويلا، إضافةً إلى قطر. وأضاف أنَّ دول الخليج ترغب في رؤية "إدارة مستقرَّة في فنزويلا، وفي أي مكان في العالم، وكذلك في سوق النفط".

وقد غرقت فنزويلا في أزمة اقتصادية لسنوات، وكانت علاقاتها مع الولايات المتحدة متوتّرةً طوال معظم فترة حكم مادورو، التي بدأت عام 2013. وفي الشهر الماضي، احتجزت الولايات المتحدة ناقلتين قبالة سواحل فنزويلا، وقالت إنَّ السفينتين انتهكتا العقوبات المتعلّقة بالطاقة المفروضة على البلاد.

وعلى الرغم من هذه المبادرات، لا تزال العلاقات التجارية بين فنزويلا ودول الخليج ضعيفةً. فقد استوردت الولايات المتحدة ما قيمته 3.81 مليارات دولار من صادرات فنزويلا البالغة 7.63 مليارات دولار عام 2023، تلتها الصين بـ739 مليون دولار. وكانت الصين أكبر شريك استيراد لفنزويلا، إذ بلغت وارداتها 3.45 مليارات دولار من إجمالي واردات البلاد البالغة 9.98 مليارات دولار في ذلك العام، تليها الولايات المتحدة بـ2.43 مليار دولار، وفقاً لمرصد التعقيد الاقتصادي.

وكانت واشنطن قد خفّفت العقوبات المفروضة على فنزويلا عام 2022، ما سمح للبلاد بتصدير النفط إلى الولايات المتحدة، غير أنَّ العقوبات أُعيد فرضها على نطاق واسع في العام الماضي، بعدما منعت كاراكاس مرشّحي المعارضة من المشاركة في الانتخابات. وتُعدّ فنزويلا عضواً في منظمة الدول المصدّرة للنفط "أوبك"، إلى جانب السعودية والإمارات.

أمّا مجموعة "أوبك بلس" الأوسع، التي تضم روسيا أيضاً، فقد أفادت خلال اجتماعها الافتراضي الأخير بأنَّها ستحافظ على استقرار الإنتاج، رغم التداعيات المحتملة لعزل فنزويلا عن السوق. في المقابل، قال ترامب يوم السبت إنَّ الولايات المتحدة ستتولّى إدارة النفط الفنزويلي، علماً بأنَّ فنزويلا، الواقعة في أميركا الجنوبية، تمتلك أكبر احتياطيات مؤكَّدة من النفط الخام في العالم.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.