"الغارديان": التاج وتجارة العبيد.. سجل يكشف دور ملوك بريطانيا في استعباد الأفارقة

بدءاً من دعم إليزابيث الأولى للرحلات البحرية المبكرة ووصولاً إلى الاستثمار الملكي في الشركات الضالعة في الاتجار بالبشر، لعبت أجيال من الملوك دوراً محورياً في تجارة الرقيق البريطانية.

  • "الغارديان": التاج وتجارة العبيد.. سجل يكشف دور ملوك بريطانيا في استعباد الأفارقة

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يكشف تورّط المؤسسة الملكية البريطانية، على مدى قرون، في تجارة الرقيق واستعباد الأفارقة، مستنداً إلى أبحاث ووثائق تاريخية تُظهر أن هذا التورط لم يكن هامشياً، بل شمل الاستثمار المباشر، ودعم شركات الاتجار بالبشر، ومنحها امتيازات ملكية، وصولاً إلى وسم أجساد المستعبدين بشعارات مرتبطة بالتاج.

كما يناقش التقرير تصاعد الضغوط على الملك تشارلز للاعتراف رسمياً بدور العائلة المالكة في تجارة الرقيق، وتقديم اعتذار وتعويضات، في وقت لا تزال فيه بريطانيا تكتفي بالتعبير عن الأسف من دون تقديم اعتذار رسمي.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

كان الأفارقة المستعبدون يُوسَمون بأختام معدنية ساخنة تحمل شعار التاج الملكي، وذلك وفقاً لأبحاث أجراها مؤرخون وثّقوا تورط المؤسسة الملكية، على مدى قرون، في تجارة الرقيق البريطانية.

ويُدرج "سجل تجار الرقيق البريطانيين" أسماء آلاف الأشخاص الذين استثمروا في تجارة الأفارقة المستعبدين التي مارستها بريطانيا، بمن فيهم ملوك وملكات.

ورداً على تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" حول هذه الأبحاث الجديدة المتعلقة بالملكية، صرّح متحدث باسم الملك تشارلز بأنه "ممتن لكل من يضطلعون بأعمال أكاديمية في هذا المجال، ويسهمون بذلك في النقاش الدائر حول أفضل السبل لمعالجة مثل هذه القضايا".

أختام التاج على أجساد المستعبدين

وقد اكتشف الدكتور نيكولاس رادبورن، المؤرخ في جامعة لانكستر، أدلة على ممارسة هذا الوسم في أرشيف "شركة بحر الجنوب" (South Sea Company)، وهي مؤسسة بريطانية حظيت بدعم التاج الملكي، ونقلت آلاف الأفارقة المستعبدين إلى المزارع خلال القرن الثامن عشر.

وعثر رادبورن على رسالة وجّهها مجلس إدارة الشركة إلى وكلائه في بوينس آيرس، يوجّههم فيها بضرورة وسم المستعبدين بأدوات معدنية ساخنة. وكان الختم يحمل صورة تاج، وهو رمز يعكس دور الملكية البريطانية في هذه التجارة. ورغم تحذير أحد الأطباء من عملية الوسم، فإن مجلس الإدارة، الذي ضم في عضويته شخصيات من نخبة المؤسسة الحاكمة في إنكلترا، بمن فيهم أعضاء في البرلمان ومديرون في بنك إنكلترا، أصدر تعليماته إلى الوكلاء بالمضي قدماً في تنفيذ ذلك.

وجاء في الرسالة: "لقد تبيّن الآن أنكم لا تضعون علامات على الزنوج، متذرعين بأن الفرنسيين لم يفعلوا ذلك قط، وبأن الدكتور دوفر قال إن علامتكم كبيرة للغاية وقد تشكل خطراً على الزنوج".

وفي إصرارٍ منهم على أن يتجاهل الوكلاء نصيحة الطبيب، كتبوا أن هذه هي "الطريقة الأكثر فعالية... للتمييز بين زنوجنا وغيرهم". وقد أرسل أعضاء مجلس الإدارة "وسم التاج" (أداة كيّ تحمل شكل التاج) مع رسالتهم، مرفقاً بتعليمات حول كيفية استخدامه لوسم الأفارقة المستعبدين.

وكتبوا قائلين: "تجدون برفقة هذه الرسالة وسماً صغيراً من الفضة. أما عن كيفية استخدامه، فإن الطريقة المتبعة في مراكزنا التجارية الأخرى تقضي بوضع العلامة على الكتف الأيسر للزنجي بعد تسخينها حتى تحمرّ من شدة الحرارة".

وذُيّلت الرسالة بالعبارة التالية: "أصدقاؤكم المخلصون، مجلس الإدارة".

وأشار رادبورن إلى أن الرسالة تُظهر مدى دقة وتفصيل القسوة التي مارستها الشركة لتجريد البشر من إنسانيتهم، فضلاً عن وعيها التام بذلك.

وقال: "كان هؤلاء الأشخاص من نخبة المجتمع اللندني، يجلسون في قاعات الاجتماعات ويفكرون بتفاصيل دقيقة في العنف الذي يجب ممارسته ضد المستعبدين عبر المحيط. وبالفعل، حدث ذلك نتيجة لتلك الرسالة؛ إذ كُويت أجساد البشر بتلك العلامة".

تجارة الرقيق كمشروع ملكي

يوثّق "سجل تجار الرقيق البريطانيين"، وهو السجل التاريخي الجديد الذي عمل رادبورن باحثاً رئيسياً فيه، كيف استعبدت بريطانيا وتاجرت بأكثر من 3 ملايين أفريقي على مدى ما يقرب من 250 عاماً، في إطار مشروع وطني رسمي قاده الملوك أنفسهم.

ومن شأن نشر هذا السجل، الذي يُعد المشروع البحثي الأكثر شمولاً حول المستثمرين في تجارة الأفارقة المستعبدين في بريطانيا، أن يعزز الدعوات الموجهة إلى الملك تشارلز للاعتراف أخيراً بالتورط العميق للمؤسسة الملكية في هذه التجارة.

وكان الملوك والملكات الذين دفعوا عجلة تجارة الرقيق بأقصى درجات الشراسة هم أولئك الذين حكموا بعد استعادة الملكية عام 1660. فقد شغل جيمس، دوق يورك، الذي أصبح لاحقاً الملك جيمس الثاني، منصب الحاكم، وكان مساهماً رئيسياً في "الشركة الأفريقية الملكية" (RAC)، التي تأسست عام 1672؛ وهي شركة تاجرت بأعداد من الرجال والنساء والأطفال الأفارقة تفوق ما تاجرت به أي منظمة أخرى في تاريخ تجارة الرقيق.

من قصر "وايت هول" إلى "الشركة الأفريقية الملكية"

تأسست "الشركة الأفريقية الملكية" وسابقتها، "شركة المغامرين الملكيين" (Company of Royal Adventurers)، على يد شقيق جيمس، الملك تشارلز الثاني، وبدعم من حاشية ملكية ضمت سياسيين وممولين. وقد حمل هؤلاء المقربون من البلاط الملكي، الذين ترد سيرهم الذاتية في السجل، ألقاباً منمقة شاعت في ذلك العصر، مثل إدوارد بروجر، الذي حمل لقب "خادم غرفة النوم الملكية" (groom of the bedchamber)، وإيرل فالموث، الذي حمل لقب "خادم الكرسي الملكي" (groom of the stool). وكانت اجتماعات الشركة، التي اتُخذت فيها القرارات المتعلقة بالاتجار بالبشر المستعبدين، تُعقد في الجناح الخاص لجيمس داخل قصر "وايت هول"، الذي كان المقر اللندني للعائلة المالكة قبل تشييد قصر باكنغهام.

وفي هذا السياق، صرّح البروفيسور ويليام بيتيغرو، كبير المؤرخين والباحثين القائمين على هذا السجل، بأن شركات الاستعباد الملكية هذه لعبت دوراً محورياً لدى ملوك سلالة "ستيوارت"، الذين سعوا إلى ترسيخ دعائم الملكية المستعادة كمؤسسة راسخة.

وقال بيتيغرو: "أعتبر جيمس الثاني أهم تاجر رقيق إنكليزي في القرن السابع عشر؛ فقد كانت الشركات الأفريقية ركيزة أساسية في خطة استعادة مكانة الملكية ضمن النظام الدستوري البريطاني".

وأدار جيمس عمليات الاتجار عبر المحيط الأطلسي بالأفارقة المستعبدين بالاشتراك مع ابن عمه، الأمير روبرت (أمير الراين)، الذي وُصف في السجلات بأنه "صاحب الرؤية التي أرست دعائم تجارة الرقيق الإنجليزية المتكاملة والمدعومة من الدولة". كما شارك أفراد آخرون من العائلة المالكة، بمن فيهم زوجة تشارلز الثاني البرتغالية، الملكة كاثرين من براغانزا، كمستثمرين في هذه الشركات.

من إليزابيث الأولى إلى ويليام الرابع

وفي كتابها "صمت التاج" (The Crown’s Silence)، وثّقت البروفيسورة بروك نيومان بالتفصيل تورط الملكية البريطانية، على مدى قرون، في استعباد الأفارقة؛ بدءاً من رحلات الاتجار الأولى التي دعمتها الملكة إليزابيث الأولى في ستينيات القرن السادس عشر، وصولاً إلى الملك ويليام الرابع، الذي انغمس في حياة الشرب والمجون في مزارع الكاريبي، وعارض إلغاء العبودية لعقود.

وذكرت نيومان أن "الشركة الأفريقية الملكية" (RAC) كانت تقوم أيضاً بوشم الأفارقة الذين تستعبدهم في حصونها ومراكزها التجارية الساحلية، حيث كانت تستخدم الرمز "DY" (اختصاراً للقب "دوق يورك") والرمز "RACE" (اختصاراً لاسم الشركة بالإنكليزية: Royal African Company of England). وقد تلقى أحد الوكلاء في جزيرة شيربرو، الواقعة قبالة سواحل سيراليون، تعليمات من مديري الشركة نصت على ما يلي: "عليك وشمهم... بعبارة RACE على الصدر الأيمن، وكذلك الأطفال منهم عند بلوغهم سن الثالثة".

"الأسينتو".. عقد ملكي لتوريد الأفارقة المستعبدين

وفي إطار معاهدة سلام أُبرمت عام 1713، اتفقت الملكة آن مع الملك الإسباني فيليب الخامس على منح بريطانيا حق "الأسينتو" (asiento)، وهي اتفاقية تقضي بتوريد عدد محدد يبلغ 4800 رجل أفريقي مستعبد سنوياً إلى المستعمرات الإسبانية في الأميركتين.

أعلنت آن ذلك بزهوٍ في مجلس اللوردات قائلة: "لقد أصررتُ وحصلتُ على أن تُبرم معنا اتفاقية 'الأسينتو' (asiento)، أي العقد الخاص بتوريد الأفارقة المستعبَدين إلى جزر الهند الغربية الإسبانية، لمدة ثلاثين عاماً".

وكانت الملكة آن مستثمرةً رئيسية في "شركة بحر الجنوب" (South Sea Company)، التي تأسست عام 1711، وكانت تمتلك حقوقاً في حصة تبلغ قرابة ربع إجمالي أرباح الشركة. وقد منحت آن عقد "الأسينتو" لشركة بحر الجنوب، التي تعاقدت بدورها مع "الشركة الأفريقية الملكية" (RAC) لتنفيذ بنود العقد.

كما كان خلفا آن، جورج الأول وجورج الثاني، من المستثمرين الشخصيين والداعمين لشركة بحر الجنوب.

عشرات الآلاف نُقلوا تحت رعاية التاج

ووفقاً لقاعدة بيانات "رحلات تجارة الرقيق" (Slave Voyages)، نقلت شركة بحر الجنوب 43,220 أسيراً أفريقياً من غرب أفريقيا ومدغشقر إلى منطقة الكاريبي والمناطق الخاضعة للحكم الإسباني في الأميركتين، في الفترة ما بين عامي 1714 و1740. ويشير رادبورن إلى أنه جرى بعد ذلك نقلهم مجدداً وإجبارهم على السير لمئات الأميال براً، وصولاً إلى ساحل المحيط الهادئ في أميركا الجنوبية. كما نقلت الشركة أكثر من 50,000 شخص مستعبَد داخل الأميركتين.

وانطلقت جميع سفن الاتجار بالبشر، بما في ذلك سفن حملت أسماء "كراون" (Crown) و"كينغ ويليام" (King William) و"ويليام آند ماري" (William and Mary)، من لندن؛ وقد لقي ما يقرب من 7,000 شخص حتفهم جرّاء الظروف المروعة وسيئة السمعة التي سادت على متن تلك السفن.

ويقول رادبورن: "لقد كانت شركةً لا تعرف الرحمة وتحظى بدعم الملكية، وكان الاتجار بالبشر المستعبَدين يمثّل جوهر عملها".

ضغوط على تشارلز للاعتراف والاعتذار

ومن المتوقع أن تتصاعد الضغوط على الملك تشارلز من جانب دول أفريقية وكاريبية للاعتراف بهذا التاريخ وتجاوز مجرد التعبير عن الأسف، كما حدث سابقاً، وذلك قبيل الاجتماع المقبل لرؤساء حكومات الكومنولث، المقرر عقده في أنتيغوا وبربودا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر.

غير أن الحكومات المتعاقبة لم تقدم اعتذاراً رسمياً عن دور بريطانيا في تجارة الرقيق، كما رفضت مناقشة أي تعويضات. وحتى لو أراد تشارلز ذلك، فإنه، بصفته ملكاً، مقيّد دستورياً بالموقف الرسمي للحكومة.

وفي الأسبوع الماضي، سلّم وفد رسمي من جامايكا عريضة إلى الملك تشارلز، سعياً للحصول على حكم قانوني من "المجلس الخاص" (Privy Council)، وهو أعلى محكمة استئناف لأقاليم ما وراء البحار البريطانية وبعض دول الكومنولث، بشأن ما إذا كان النقل القسري للأفارقة إلى جامايكا قانونياً، وما إذا كان يشكل جريمة ضد الإنسانية، وما إذا كانت بريطانيا ملزمة بتقديم تعويضات لجامايكا عن ممارسة العبودية وآثارها المستمرة.

أسف ملكي من دون اعتذار رسمي

وقد عبّر تشارلز علناً عن أسفه إزاء ممارسة العبودية، واصفاً إياها بأنها "فظاعة مروعة"، ومشيراً إلى "الجوانب الأكثر إيلاماً في ماضينا"، لكنه لم يعترف رسمياً بدور بريطانيا أو المؤسسة الملكية فيها، ولم يقدم اعتذاراً عن ذلك. وفي عام 2023، أبدى، للمرة الأولى، دعمه لإجراء أبحاث حول الروابط التاريخية للمؤسسة الملكية البريطانية بتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.

وقال متحدث باسم الملك: "لقد عبّر جلالته في مناسبات عديدة عن التزامه الشخصي والصادق بتعزيز فهم أعمق لقضية العبودية، وإيجاد سبل لمعالجة المظالم التاريخية بما يخدم مصلحة المجتمعات اليوم".

وأضاف: "وفي هذا السياق، فإنه يعرب عن امتنانه لكل من يضطلعون بأعمال أكاديمية في هذا المجال، مساهمين بذلك في النقاش الدائر حول أفضل السبل لمعالجة مثل هذه القضايا".

من جانبه، قال ديفيد كوميسيونغ، سفير بربادوس لدى المجموعة الكاريبية (كاريكوم)، إنه يدرك أن الدور الدستوري للملك تشارلز يفرض عليه عدم مخالفة سياسة الحكومة.

وأضاف قائلاً: "ولكن، تماماً كما اعترفت عائلات بريطانية بارزة أخرى بتورطها في منظومة العبودية وأبدت استعدادها لتقديم تعويضات، فإن أي شخص مطّلع على تاريخ المؤسسة الملكية البريطانية لا بد أن يخلص إلى أن العائلة المالكة البريطانية ينبغي أن تحذو حذوها".

نقله إلى العربية: الميادين نت.