"الإيكونوميست": إيران لم تعد تخشى الحرب

ما كان يُعتبر في السابق أمراً غير قابل للتصور أصبح واقعاً جديداً في المنطقة". كيف تغيّرت العقيدة الاستراتيجية الإيرانية بعد المواجهات الأخيرة؟ ولماذا باتت طهران أكثر استعداداً للمخاطرة في مواجهة الولايات المتحدة و"إسرائيل"؟

0:00
  • "الإيكونوميست": إيران لم تعد تخشى الحرب

"إيران انتقلت من سياسة الحذر إلى سياسة المخاطرة". ما الذي دفع طهران إلى تغيير حساباتها؟ وكيف أثّر ذلك على دور حزب الله والمواجهة مع "إسرائيل"؟ ولماذا يرى التحليل أن استراتيجية الردع الإيرانية تواجه اختباراً صعباً؟

مجلة "الإيكونوميست" البريطانية تجيب عن هذه التساؤلات في هذا المقال.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

ما كان يُعتبر في السابق أمراً لا يُتصور أصبح الآن أمراً معتاداً. ففي الأسبوع الماضي، قصفت كل من أميركا و"إسرائيل" إيران، وأسقطت إيران مروحية أميركية، وأطلقت صواريخ على "إسرائيل"، وهاجمت عدة دول عربية. بات هذا الوضع سريعاً هو الوضع الطبيعي الجديد في المنطقة. ورغم أن وقفاً جزئياً لإطلاق النار صمد إلى حد كبير لأكثر من شهرين، إلا أن المحادثات بين أميركا وإيران لا تزال متعثرة، وتتزايد الانتهاكات.
 
لا يُعدّ الجمود الدبلوماسي السبب الوحيد لهذا الاضطراب، بل يعكس أيضاً جرأة الجمهورية الإسلامية. فقد أصرّ دونالد ترامب لأشهر على أن النظام الإيراني يتوق بشدة إلى التوصل إلى اتفاق. لكنه في المقابل، انزعج من إيران المستعدة للتسامح مع صراع محدود، والمخاطرة بالعودة إلى حرب شاملة. ومع ذلك، فإن الميل الجديد إلى المخاطرة يُعدّ مخاطرة بحد ذاته. تراهن إيران على قدرتها على ردع "إسرائيل" وإجبار ترامب على إبرام اتفاق.
 
لعقود طويلة، توخى حكام إيران الحذر الشديد في استخدام القوة. فقد كان جيلٌ تشكّل بفعل الحرب المدمرة على العراق في ثمانينيات القرن الماضي مصمماً على إبقاء الصراعات بعيدة عن حدود البلاد. وبدلاً من ذلك، لجأ النظام إلى دعم المجموعات العربية، مثل حزب الله في لبنان، كوسيلة لبسط النفوذ في الشرق الأوسط دون المخاطرة بعواقب مباشرة.
 
لكن هذا الحذر لم يخلُ من منتقدين. فعندما أمر الرئيس ترامب باغتيال جنرال إيراني بارز عام 2020، على سبيل المثال، ردّ النظام بوابل صاروخي مُعلن مسبقاً على قاعدتين أميركيتين في العراق. جادل بعض الضباط الشباب في طهران بأن هذا الرد غير كافٍ، وقد يُوحي بالضعف ويُشجع على شنّ هجمات أميركية مستقبلية. وقد رُفضت آراؤهم، لكن العديد من القادة الذين رفضوها قد فارقوا الحياة الآن.
 
بعد ستة أسابيع من الحرب ضد خصمين متفوقين، بات حكام إيران الحاليون أكثر ثقة. فهم يعتقدون أن الرئيس ترامب لا يرغب في استئناف حرب لا تحظى بشعبية. وتبدو الهجمات الدورية على القوات الأميركية في الخليج لإيران الآن مصدراً مفيداً للضغط، لا مجرد خطر غير مقبول.
 
ويبرز هذا التغيير في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية بشكلٍ جليّ في لبنان. كان من المفترض أن يحمي حزب الله النظام: ففي حال شنّ "إسرائيل" هجوماً على إيران، كان الحزب سيطلق صواريخه وقواته الخاصة ضد "إسرائيل". أما الآن، فتسعى إيران لحماية حزب الله.
 
على المدى القريب، سيزيد هذا من تعقيد الأمور بالنسبة لأميركا و"إسرائيل". ويؤكد هذا على تباين مصالحهما: فرغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق مع إيران تتعارض مع رغبة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في مواصلة الحرب في لبنان.
 
ويزعم مؤيدو النظام الإيراني أن هذا تحوّل أعمق: ميزان قوى جديد في المنطقة، تستطيع إيران من خلاله ردع الهجمات الإسرائيلية على أطراف ثالثة. لكن هذا يبدو ضرباً من ضروب التمني. قلما يُساء استخدام كلمة في السياسة الخارجية أكثر من كلمة "الردع". فردع الخصم يعني ثنيه عن القيام بعمل ما بإقناعه بأن التكاليف ستفوق الفوائد. لكن هذا ليس ما حدث خلال الأسبوع الماضي.
 
حذرت إيران "إسرائيل" من أن أي هجوم على بيروت سيُثير رداً. لم تتراجع "إسرائيل"، بل قصفت العاصمة اللبنانية. ثم نفذت إيران تهديداتها، لكن وابل الصواريخ الباليستية التي أطلقتها على "إسرائيل" لم يُلحق بها أضراراً جسيمة. ربما كان ذلك خياراً متعمداً، إذ كان من الممكن أن يُنهي هجوم مدمر وقف إطلاق النار تماماً. على أي حال، تسبب الرد الإسرائيلي في أضرار حقيقية، ليس فقط للأهداف العسكرية، بل أيضاً لمصنع بتروكيماويات، وهو جزء حيوي من قطاع الطاقة الإيراني وقاعدته الصناعية.
 
كان هذا سجلاً سيئاً لإيران. لم تفشل فقط في ردع "إسرائيل"، بل انتهى بها الأمر إلى تكبّد خسائر أكبر من تلك التي تكبّدتها الدولة التي سعت لردعها. قد يكبح ترامب، لفترة من الزمن، الحرب الإسرائيلية في لبنان (وإن لم يوقفها تماماً). لكن إذا طال أمد هذا الجمود، فقد تواجه إيران خياراً صعباً بين تصعيد هجماتها على "إسرائيل"، ما يُعرّض الهدنة للخطر، أو السماح لـ"إسرائيل" بمواصلة إضعاف حزب الله.
 
وقد حالف النظام الإيراني حظٌ أوفر في تغيير سلوك أميركا. فقد ساهم إغلاق مضيق هرمز وإطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج في إقناع ترامب بقبول وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل. ومنذ ذلك الحين، تسير إيران على حبل مشدود. فهي تريد إظهار ما يكفي من العزم ليُقدّم ترامب مزيداً من التنازلات للتوصل إلى اتفاق، ولكن ليس لدرجة التخلي عن الدبلوماسية تماماً.
 
وفي التاسع من حزيران/يونيو، أسقطت إيران مروحية "أباتشي" أميركية فوق المضيق. قرر ترامب الرد بقصف الدفاعات الجوية الإيرانية (على الرغم من أن هذه الدفاعات كانت قد "دُمّرت بالكامل" في وقت سابق من الحرب). ثم هاجمت إيران مرة أخرى القواعد الأميركية في البحرين والكويت.
 
بدا السيد ترامب غاضباً في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في اليوم التالي: فقد "تأخرت إيران كثيراً في التفاوض على اتفاق" و"ستدفع الثمن". وفي تلك الليلة، أمر بجولة أخرى من الضربات على أهداف عسكرية. هذه حلقة مفرغة خطيرة. قد ترغب إيران في إظهار أن هذا المأزق سيكلف أميركا ثمناً باهظاً، لكن خسارة مروحية واحدة لم تكن كافية لتغيير موقف ترامب التفاوضي. على العكس، لو قُتل الطياران، لربما شعر بأنه مضطر لاستئناف حرب شاملة.
 
إيران واثقة من قدراتها، لكنها محدودة. مضيق هرمز مغلق بالفعل، ويبدو أن ترامب لا يكترث طالما أن أسعار النفط لا تتجاوز 100 دولار للبرميل. لا تستطيع إيران استئناف هجمات واسعة النطاق على جيرانها في الخليج دون إنهاء وقف إطلاق النار. إطلاق الصواريخ على "إسرائيل" ليس رادعاً فعالاً. ما يبدو ثقة قد يبدو أيضاً يأساً: نظام أكثر استعداداً للمخاطرة ليس لأنه أقوى، بل لأنه الخيار الأقل خسارة.

نقله إلى العربية: الميادين نت

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.