"واشنطن بوست": فوز دا سيلفا يوقف التحوّل اليميني في أميركا اللاتينية ويشكّل انتكاسة لترامب

أظهرت النتيجة أنّ الناخبين في البرازيل رفضوا الانخراط في التحوّل الملحوظ نحو اليمين الذي تشهده المنطقة، حيث فازت موجة من المرشحين المحافظين بمناصب سياسية، وأقاموا تحالفات مع ترامب.

0:00
  • "واشنطن بوست": فوز دا سيلفا يوقف التحوّل اليميني في أميركا اللاتينية ويشكّل انتكاسة لترامب

صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تنشر مقالاً يتناول فوز لولا دا سيلفا بالانتخابات الرئاسية في البرازيل، ويرى أنّ فوزه لا يمثّل مجرّد انتصار انتخابي لليسار البرازيلي، بل يشكّل أيضاً انتكاسة لمشروع ترامب الرامي إلى توسيع النفوذ الأميركي عبر تحالفات مع حكومات يمينية في أميركا اللاتينية، في وقت يواجه فيه لولا تحديات داخلية تتمثّل في الاستقطاب السياسي وهيمنة اليمين على الكونغرس.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

حقّق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عودة سياسية مذهلة، بفوزه بإعادة انتخابه يوم الأحد، متغلّباً على السيناتور المحافظ فلافيو بولسونارو، الذي كان قد تعهّد بالانضمام إلى مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأمنية والسياسية، المعروفة باسم "درع الأميركتين".

وأظهرت النتيجة أنّ الناخبين في البرازيل، أكبر ديمقراطية في أميركا اللاتينية، رفضوا الانخراط في التحوّل الملحوظ نحو اليمين الذي تشهده المنطقة، حيث فازت موجة من المرشحين المحافظين بمناصب سياسية، وأقاموا تحالفات مع ترامب.

وبات لولا أول مرشح رئاسي في البرازيل يحلّ في المرتبة الثانية في الجولة الأولى ثم يفوز في جولة الإعادة، وأول رئيس يُنتخب أربع مرات. وكان قد تولّى الرئاسة لولايتين بين عامَي 2003 و2011، قبل أن يعود إلى السلطة عام 2023.

وبعد فرز أكثر من 99% من الأصوات، حصل لولا، الذي سيبلغ عامه الحادي والثمانين يوم الثلاثاء، على 51.75% من الأصوات، وفقاً لما أعلنته السلطات الانتخابية، مقابل 48.25% لبولسونارو، البالغ من العمر 45 عاماً، وهو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.

ويقضي جايير بولسونارو عقوبة السجن بعد إدانته بالتخطيط لانقلاب عسكري للبقاء في السلطة، عقب خسارته انتخابات عام 2022 أمام لولا.

ورفض بولسونارو الابن أيضاً الإقرار بهزيمته، وأعلن أنّه سيسعى إلى إلغاء نتائج الانتخابات، بسبب قرار قضائي بتمديد ساعات الاقتراع ساعتين إضافيتين. وقال للصحافيين في برازيليا: "من المستحيل الاعتراف بنتائج الانتخابات. نحن لسنا هنا لنمارس الألعاب".

غير أنّ رئيس المحكمة الانتخابية البرازيلية أكّد أنّ قرار أحد قضاة المحكمة العليا تمديد ساعات الاقتراع لم يغيّر نتيجة الانتخابات.

وبعد إعلان النتائج، قال لولا إنّه هزم "الإنكار والأكاذيب"، مضيفاً أنّ الشباب نزلوا إلى الشوارع دفاعاً عن الديمقراطية. وقال في أحد فنادق ساو باولو: "خرج الناس للتصويت لأنّنا أقنعناهم بأنّ أصواتهم مهمة لحماية الديمقراطية".

وبدا لولا متأثّراً بشدة، وقال إنّه "تعلّم دروساً كثيرة"، في إقرار بالانقسامات العميقة التي تشهدها البلاد، مؤكّداً أنّه سيُغيّر "طريقة حكمنا"، عبر توسيع المشاركة الشعبية والتواصل الرقمي. وشدّد على أنّ الرئيس يجب أن يحكم لمصلحة الجميع.

وتعهّد لولا أيضاً بتشديد تنظيم عمل المنصّات الرقمية، التي اتّهمها بالتدخّل في الانتخابات. وقال: "لا يمكننا السماح لشركات عملاقة تجني المليارات، ولا تدفع الضرائب، وتحاول توجيه نتائج الانتخابات في هذا البلد".

وعندما يتولّى لولا منصبه في الخامس من كانون الثاني/يناير، سيجد نفسه في مواجهة كونغرس يميني وحكّام ولايات انتُخبوا في إطار موجة محافظة أوسع.

وقد ضمن إعادة انتخابه في حملة اتّسمت بالمخاوف من التراجع الديمقراطي وتآكل الحقوق المدنية.

وكان بولسونارو قد خاض حملته الانتخابية على أساس وعود بإطلاق سراح والده، الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً، والعفو عن أنصارهما، وعزل قضاة المحكمة العليا الذين أشرفوا على محاكماتهم.

ومع وجود الكونغرس الأكثر محافظة منذ انتهاء الديكتاتورية العسكرية في البرازيل عام 1985، كان سيتمتّع بالأصوات اللازمة لتعديل الدستور.

لكنّ احتمال عودة آل بولسونارو إلى السلطة دفع الناخبين، على ما يبدو، إلى التحرّك. فقد اتّسم عهد والده الرئاسي، بين عامَي 2019 و2023، باضطرابات مؤسّسية وانتكاسات بيئية.

وقلّل جايير بولسونارو من خطورة جائحة فيروس كورونا، التي أودت بحياة أكثر من 700 ألف شخص في البرازيل، وهاجم المؤسسات الديمقراطية، واتّبع سياسات نفّرت النساء والبرازيليين السود والسكان الأصليين.

وخلال الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية، نزل أنصار لولا إلى الشوارع، وحشدوا الدعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتشكّل النتيجة انتكاسة لإدارة ترامب، التي سعت إلى بناء تكتّل محافظ متحالف مع الولايات المتحدة في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، يضمّ الأرجنتين وكولومبيا ودولاً أخرى.

ولم يعلن ترامب تأييده لفلافيو بولسونارو، كما فعل مع والده عام 2022. لكنّ إدارته اتّخذت عدّة خطوات طالبت بها بعائلة بولسونارو.

فقد فرضت رسوماً جمركية على المنتجات البرازيلية، وعقوبات على مسؤولين بارزين، للضغط على البلاد من أجل إسقاط الملاحقة القضائية بحقّ جايير بولسونارو. كما خطّطت هذا الصيف لإرسال مسؤولين كبار للتشكيك في نزاهة الانتخابات البرازيلية.

وبعد رفضه الإقرار بهزيمته عام 2022، فرّ بولسونارو الأب إلى فلوريدا، وتغيّب عن مراسم تنصيب لولا. وبعد أسبوع، اقتحم أنصاره مباني حكومية في برازيليا، في هجوم شبيه بأحداث السادس من كانون الثاني/يناير في الولايات المتحدة، ربطه المدّعون العامّون بمخطّط انقلابي يهدف إلى إلغاء نتائج الانتخابات.

ومُدّدت ساعات التصويت في أنحاء البلاد يوم الأحد، بعدما دفعت تقارير عن مشكلات في وسائل النقل حملة لولا إلى طلب تدخّل قضائي. وقدّمت حملة بولسونارو لاحقاً طلباً مماثلاً، مشيرةً إلى الأمطار والفيضانات في بعض مناطق البلاد.

ولم يبتّ رئيس المحكمة الانتخابية، كاسيو نونيس ماركيز، الذي عيّنه جايير بولسونارو، في الطلبين، ما دفع حملة لولا إلى اللجوء إلى المحكمة العليا.

وأصدر القاضي كريستيانو زانين، الذي عيّنه لولا، قراراً يقضي بإبقاء مراكز الاقتراع مفتوحة حتى الساعة السابعة مساءً، أي بعد ساعتين من موعد إغلاقها المقرّر، في خطوة غير مسبوقة.

وكتب زانين في قراره: "نظراً إلى خطورة الوقائع الموصوفة، وفي ضوء الطابع الملحّ الواضح للمسألة، أصدر بموجب هذا القرار أمراً بتمديد مهلة التصويت في جميع مراكز الاقتراع في أنحاء البرازيل لمدة ساعتين".

وأثار التمديد انتقادات حادّة من حلفاء فلافيو بولسونارو، الذين وصفوه بأنّه "انقلاب قضائي".

وأبلغ ناخبون عن نقص في الحافلات ومشكلات أخرى في وسائل النقل في شمال شرقي البلاد، المنطقة التي يتمتّع فيها لولا بأقوى قاعدة تأييد، وكذلك في ساو باولو، أكبر مدن البرازيل.

وكان لولا قد حصل على 63% من أصوات شمال شرقي البلاد في الجولة الأولى، مقابل 30% لبولسونارو.

والآن، يفوز لولا بولاية جديدة لقيادة بلد يشهد استقطاباً عميقاً، حيث عبّر الناخبون عن إحباطهم من الحكومة، على الرغم من تحسّن المؤشرات الاقتصادية.

ولم ينجح تسجيل مستويات قياسية من التوظيف في تبديد المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما واجه لولا صعوبة في تحويل سجله الحافل بالإنجازات إلى حجة مقنعة لإعادة انتخابه.

وقد أجبره حلوله المفاجئ في المرتبة الثانية في الجولة الأولى على إعادة النظر بصورة شاملة في استراتيجية حملته الرقمية ورسائلها، والانتقال من التركيز على الإنجازات السابقة إلى تقديم وعود جديدة، من بينها تخفيف أعباء الديون عن الأسر وزيادة مخصّصات برنامج التحويلات النقدية الرئيسي في البرازيل.

وسعت حملته إلى حشد أصوات النساء من خلال تسليط الضوء على سجلّ فلافيو بولسونارو في مجال حقوق المرأة.

فخلال عمله نائباً في المجلس التشريعي لولاية ريو دي جانيرو، صوّت بولسونارو ضدّ تمديد إجازة الأمومة، وضدّ نزع أسلحة عناصر الشرطة المتّهمين بالعنف الأسري.

وأثارت تصريحات سابقة لبولسونارو، من بينها خطاب ألقاه عام 2006 وصف فيه النساء البرازيليات بأنّهن "من عوامل الجذب السياحي في بلدنا"، اتّهامات له بكراهية النساء.

وسعى بولسونارو في البداية إلى تقديم نفسه بوصفه نسخة أكثر اعتدالاً من والده، لكنّه غيّر توجّهه لاحقاً.

ومع تقدّم لولا في استطلاعات الرأي المبكرة، اتّجه بولسونارو أكثر نحو اليمين، وتبنّى برنامجاً متشدّداً لمكافحة الجريمة، شمل الإخصاء الكيميائي للمغتصبين، وخفض سنّ المسؤولية الجنائية عن الجرائم الخطيرة إلى 14 عاماً، وبناء سجون على غرار تلك التي أنشأها رئيس السلفادور نجيب بوكيلي.

واستمدّ لولا قوّة خاصة من الناخبين ذوي الدخل المحدود والنساء، وهما فئتان أبدتا تاريخياً مقاومة لآل بولسونارو.

وجرت الحملة الانتخابية وسط نقاش متصاعد بشأن دور المنصّات التكنولوجية في الانتخابات.

واتّهمت حملة لولا شركة "ميتا" بتوجيه منصّاتها لمصلحة فلافيو بولسونارو، مدّعيةً أنّ نتائج البحث همّشت الناشطين التقدميين، وأنّ مقاطع الفيديو المنتقدة للمرشح اليميني حُذفت من دون تفسير، فيما وصلت المنشورات المؤيّدة للولا إلى عدد أقلّ من المستخدمين.

ونفت "ميتا"، الشركة الأم لـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتسآب"، محاباة بولسونارو.

وفي بيان، عزت شركة التكنولوجيا العملاقة، التي تتّخذ من وادي السيليكون مقرّاً لها، هذه الحوادث إلى أعطال تقنية وأخطاء في إجراءات الحماية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، "أثّرت في حملات تنتمي إلى مختلف الأطياف السياسية في انتخابات البرازيل لعام 2026".

وُلد لولا عام 1945 في ولاية بيرنامبوكو، إحدى أفقر ولايات البرازيل، وانتقل إلى ساو باولو طفلاً، حيث أصبح عاملاً في صناعة المعادن.

وبرز بوصفه زعيماً نقابياً، وساهم في تأسيس حزب العمّال عام 1980، وانتُخب رئيساً عام 2002.

وخلال ولايتيه الرئاسيتين الأوليين، استفاد من طفرة عالمية في أسعار السلع الأساسية لتوسيع البرامج الاجتماعية، وانتشال الملايين من الفقر، وقيادة البلاد خلال سنوات من النمو الاقتصادي.

وغادر الرئاسة عام 2011 بمعدّلات تأييد بلغت نحو 85%، تاركاً البلاد في عهد خليفته السياسية ديلما روسيف.

وبعد عزل روسيف وإقالتها من منصبها عام 2016، خطّط لولا للترشح مجدّداً.

وأظهرت استطلاعات الرأي أنّه كان المرشح الأوفر حظّاً في انتخابات عام 2018، لكنّه أُدين بالفساد عام 2017، ومُنع من الترشّح، وأُودع السجن.

وفي غيابه، فاز جايير بولسونارو، النائب الذي لم يكن معروفاً على نطاق واسع سابقاً، والذي قدّم نفسه بوصفه "ترامب المناطق الاستوائية"، بالرئاسة، على أساس وعود بإعادة العظمة إلى البرازيل.

وأُطلق سراح لولا بعد 580 يوماً، وأبطلت المحكمة العليا لاحقاً أحكام إدانته، بعدما خلصت إلى أنّ القاضي الذي أشرف على قضيته كان متحيّزاً ضدّه، وأنّ المحكمة لم تكن تتمتّع بالاختصاص القضائي للنظر فيها.

وفي عام 2022، هزم لولا جايير بولسونارو بأضيق هامش فوز في تاريخ الديمقراطية البرازيلية الحديثة.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.