"واشنطن بوست": فرنسا هي رجل أوروبا المريض الجديد
المستثمرون يشعرون بالقلق لأن الصورة المالية العامة لفرنسا تبدو قاتمة على نحو متزايد، ولأن نظامها السياسي المنقسم يبدو عاجزاً عن منع البلاد من الانجراف نحو التخلّف عن سداد ديونها.
-
لقطة لوثيقة كُتب عليها "Projet de loi de finances PLF 2027" بعد تقديم مشروع ميزانية فرنسا لعام 2027 (أ ف ب)
هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تنشر مقال رأي تتناول فيه الأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة في فرنسا، محذّرةً من أن ارتفاع الدين العام، واتساع عجز الموازنة، وتصاعد الاحتجاجات، والعجز السياسي عن تنفيذ الإصلاحات، قد تدفع البلاد نحو أزمة ديون تهدّد استقرار منطقة اليورو بأكملها.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
موجة بيع السندات والاحتجاجات في الشوارع من أعراض القنبلة المالية الموقوتة، لكن لا توجد إرادة سياسية لإجراء المفاضلات الضرورية.
تنحّيا جانباً، اليونان وإيطاليا. فقد أصبحت فرنسا الآن رجل أوروبا المريض، إذ تعاني من مزيج من الإنفاق المرتفع للغاية على الرعاية الاجتماعية، وتفاقم العجز، وقنبلة ديون تلوح في الأفق. وتهدّد المشكلات المالية التي تواجهها البلاد بنشر الاضطرابات الاقتصادية في مختلف أنحاء منطقة اليورو.
ومن المؤشرات على تصاعد قلق المستثمرين موجة بيع السندات الأخيرة، التي أدّت إلى ارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض في البلاد. فقد عمدت صناديق التحوّط والحكومات الأجنبية وصناديق التقاعد إلى التخلّص من سندات الحكومة الفرنسية طويلة الأجل، ما دفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى تجاوز 5%.
وتُعدّ موجة بيع السندات عَرضاً لمشكلة أكبر. فالمستثمرون يشعرون بالقلق لأن الصورة المالية العامة لفرنسا تبدو قاتمة على نحو متزايد، ولأن نظامها السياسي المنقسم يبدو عاجزاً عن منع البلاد من الانجراف نحو التخلّف عن سداد ديونها. كما أن أبرز المرشحين في الانتخابات الرئاسية المقرّرة في نيسان/أبريل المقبل لا يبعثون على قدر كبير من الثقة.
يتجاوز عجز الموازنة الفرنسية حالياً 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى بكثير من السقف الذي حدّده الاتحاد الأوروبي عند 3%. ويُعدّ عجز الموازنة الفرنسية ثاني أعلى عجز بين الدول المتقدمة، بعد الولايات المتحدة مباشرةً.
ويبلغ الدين العام في فرنسا نحو 3.6 تريليونات دولار، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي عام 2030، سيحلّ أجل استحقاق ديون بقيمة تريليون دولار. وقد تؤدي إعادة تمويل هذه الديون إلى زيادة تكاليف خدمة الدين بنسبة 59%.
اقرأ أيضاً: "أكسيوس": لماذا تُعد أزمة ديون فرنسا مهمة؟
لكن ما خطة الحكومة الحالية؟ إنها تعتزم بيع سندات دين إضافية بقيمة 386 مليار دولار العام المقبل.
مشكلة فرنسا بسيطة: فالبلاد تنفق على دعم شبكة الأمان الاجتماعي الباهظة التي توفّرها، وعلى جهازها البيروقراطي الحكومي الضخم، أكثر مما تجبيه من الضرائب.
وتنفق البلاد أكثر من 57% من ناتجها المحلي الإجمالي على القطاع العام، وهي نسبة تتجاوز حتى نظيراتها الأوروبية، التي لا تُعرف أصلاً بشحّ الإنفاق على الاستحقاقات الاجتماعية.
لكن كلما حاول القادة السياسيون تقليص هذا التضخّم، ولو بصورة متواضعة، كما فعل الرئيس إيمانويل ماكرون خلال ولايته الأولى، نزل أكبر المستفيدين من هذه المساعدات إلى الشوارع، على نهج التقاليد الثورية الفرنسية.
وهذا ما يحدث الآن. فمنذ أواخر أيلول/سبتمبر، شهدت المدن الفرنسية احتجاجات تزداد عنفاً، اندلعت ظاهرياً على خلفية مطالب بزيادة الإنفاق على التعليم. وانضم إلى هذه الاحتجاجات محرّضون يبدو أن اهتمامهم الأساسي ينصبّ على إثارة الفوضى، ما استدعى ردّاً عنيفاً من الشرطة.
وكان ماكرون، المصرفي الاستثماري السابق، قد خاض الانتخابات الرئاسية وفاز بها عام 2017، مقدّماً نفسه بوصفه سياسياً وسطياً وتكنوقراطياً، لا ينتمي إلى أيٍّ من الحزبين التقليديين في اليسار واليمين. وقال إنه قادر على كسر حالة الشلل السياسي وترتيب الأوضاع المالية لفرنسا، لكنه فشل في ذلك.
وفي عام 2023، نجح ماكرون في تمرير تعديل على نظام التقاعد عبر البرلمان، رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، واشترط العمل لمدة 43 عاماً قبل الحصول على مستحقات التقاعد. وقد أثار احتمال تطبيق هذا التعديل المتواضع احتجاجات غاضبة في الشوارع.
وفي عام 2025، ومن أجل النجاة من تصويت لحجب الثقة، أرجأ رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو تنفيذ إصلاح نظام التقاعد غير الشعبي إلى ما بعد انتخابات الربيع المقبل.
وقد تعهّدت مارين لوبان، من حزب "التجمّع الوطني" اليميني، والتي تتصدر استطلاعات الرأي في السباق الرئاسي، بخفض العجز إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تعهّدت أيضاً بإعادة خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً لبعض العاملين، وهي خطوة من شأنها أن تؤدي إلى تضخّم العجز بصورة كبيرة.
أما جان لوك ميلانشون، مرشح اليسار المتطرف، فقد قال إنه سيجعل البنك المركزي يلغي حيازاته من الديون الفرنسية، أو "يلقي بها في النار".
وهذه وصفة لا معنى لها للانهيار الاقتصادي: فإذا رفضت حكومة ميلانشون سداد ما تدين به فرنسا بالفعل، فلماذا قد يُقدم أي مستثمر على إقراضها المزيد من الأموال؟
كانت آخر مرة حقّقت فيها فرنسا موازنة متوازنة عام 1974. وكان من المحتم أن يحين موعد دفع الفاتورة في نهاية المطاف. ويوجّه المستثمرون إشارات إلى أن لحظة الحساب قد تكون وشيكة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.