"ذا أتلانتيك": ماذا تفعل الولايات المتحدة حقاً في فنزويلا؟
فيما تكافح فنزويلا للتعافي من الاضطرابات السياسية والزلازل الكارثية، تستغلّ الحكومة الأميركية البلاد للحصول على النفط والمال.
-
"ذا أتلانتيك": فيما تكافح فنزويلا للتعافي من الاضطرابات السياسية والزلازل الكارثية، تستغلّ الحكومة الأميركية البلاد للحصول على النفط والمال.
مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية تنشر مقالاً يتناول طبيعة التدخّل الأميركي في فنزويلا بعد اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، مسلّطاً الضوء على سعي إدارة دونالد ترامب إلى السيطرة على الثروات النفطية والمعدنية للبلاد.
ويخلص المقال إلى أنّ إدارة ترامب تعطي الأولوية للمصالح النفطية والاقتصادية في فنزويلا، في حين يعرقل غياب الشفافية والاستقرار السياسي تعافي البلاد، ويثير تساؤلات بشأن المستفيد الحقيقي من استغلال ثرواتها الطبيعية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
مررنا بمحاذاة منصّات حفر مهجورة في بحيرة ماراكايبو، التي اكتُشف فيها النفط قبل أكثر من قرن. وأدّت الطفرة النفطية التي أعقبت ذلك إلى بناء مدينتَي كراكاس وماراكايبو، وتحقيق ثروة امتدّت عبر ثلاثة أجيال، وإرساء أربعة عقود من الديمقراطية. وبعد قرن من الزمن، لا تزال احتياطيات تُقدَّر بعشرات المليارات من البراميل موجودة تحت المياه، وربما أصبح بعضها الآن تحت سيطرة الحكومة الأميركية.
لكن استخراجها لن يكون سهلاً. فبعد الطفرة جاء الانهيار، ببطء في البداية، ثم بوتيرة متسارعة. وغادرت معظم الشركات الأميركية والأوروبية، فيما لم تستثمر الشركات الروسية والصينية التي حلّت محلّها سوى القليل.
وتحوّلت بحيرة ماراكايبو، أكبر مسطّح مائي في أميركا الجنوبية، إلى موقع لإحدى أكبر الكوارث البيئية في القارة، بعدما أدّى عقدان من الإهمال إلى تسرّبات نفطية وتلوّث المياه بالمواد السامة.
وستكون هناك حاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات لمعالجة التلوّث واستخراج مزيد من النفط. وفي غضون ذلك، يعمل سكان المناطق المحيطة بالبحيرة، شأنهم شأن ملايين الفنزويليين، مقابل دخل ضئيل للغاية. وقد جعل التضخّم السريع، الذي بلغ 20% في تموز/يوليو، أي بمعدّل سنوي يصل إلى 783%، كل شيء باهظ الثمن.
ولا يوفّر قطاع النفط سوى عدد قليل من الوظائف ذات الأجور الجيدة. وأخبرتني إليانا، وهي من سكان إحدى البلدات المطلة على البحيرة، أنّ زوجها استقال من شركة النفط الحكومية، "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA)، بعدما انخفض راتبه من 50 دولاراً يومياً إلى بضعة سنتات. وهو يعمل الآن لدى شركة روسية تدفع له نحو 35 دولاراً يومياً، لكنه مضطر إلى قضاء معظم الليالي على منصّة الحفر.
من واشنطن أو مارالاغو، تُوصَف فنزويلا أحياناً بأنها فرصة ذهبية لأميركا، وكنز من الثروات. وفي الثالث من كانون الثاني/يناير، وعد دونالد ترامب بأن تصبح كذلك.
وقال خلال مؤتمر صحافي: "سنديرها على نحو صحيح؛ سنديرها باحترافية. وسنجلب أعظم شركات النفط في العالم لتستثمر مليارات ومليارات الدولارات، وتستخرج الأموال، وتستخدم تلك الأموال في فنزويلا، وسيكون المستفيد الأكبر شعب فنزويلا".
وفي المؤتمر نفسه، أعلن أنه سيعمل مع ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس نيكولاس مادورو.
لكن عندما سألت أشخاصاً يعيشون بالقرب من بعض أكبر حقول النفط في فنزويلا عمّا إذا كانت رودريغيز قد أحدثت أي تغيير في القطاع أو في البلاد، ضحكوا أو سخروا.
قالت إليانا: "اعتقد الناس أنّ الأمور ستتغيّر، لكن في الواقع لم يتغيّر شيء".
أما خوسيه، وهو صياد كان يعمل سابقاً لدى شركة النفط الحكومية، فقال: "جاء الأميركيون لسرقة كل شيء، النفط والمعادن. نحن أغنياء بكل شيء، لكننا هنا لا نملك شيئاً".
هذه الآراء منتشرة على نطاق واسع، وليست بعيدة عن آراء ريكاردو هاوسمان، الاقتصادي في جامعة هارفرد، الذي خدم قبل عقود في حكومة فنزويلية فتحت الموارد الطبيعية أمام الاستثمارات الأجنبية من خلال عملية شفافة.
ففي تسعينيات القرن الماضي، كانت شركة النفط الحكومية تنشر عقودها وتشرح للمشرّعين والشركات والجمهور ما تقوم به. كما موّلت العائدات النفطية برامج اجتماعية، بينها منح دراسية في الجامعات الأميركية.
أما العلاقة السياسية والتجارية التي تتشكّل الآن بين أميركا وفنزويلا، فهي مختلفة تماماً. فمن الواضح أنها ليست علاقة بين طرفين متساويين، لكنها ليست احتلالاً بالمعنى الدقيق أيضاً.
صفقات نفطية يكتنفها الغموض
ماذا يحدث للنفط الفنزويلي بعد استخراجه؟ وإلى أين تذهب الأموال؟ وكيف تغيّر ذلك عقب إعلان ترامب، في الـ 28 من آب/أغسطس، عن "أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم"؟
لا توجد إجابة بسيطة عن هذه الأسئلة.
فخلال مقابلات أجريتها مع خبراء ومسؤولين في قطاع النفط وأكاديميين، واجه الجميع صعوبة في شرح تفاصيل النظام القانوني الجديد، والتعديلات على قانون المحروقات، والصفقات الجديدة ومراجعة الاتفاقيات القديمة.
ولعلّ التعقيد هو المقصود بحدّ ذاته. فربما يصعب فهم الوضع لأنّ الأطراف المعنية لا تريد أصلاً أن يفهمه أحد.
وقال لي هاوسمان إنّ الدستور الفنزويلي ينصّ على أنّ "أي مسألة ذات مصلحة وطنية يجب أن يوافق عليها البرلمان، أي الجمعية الوطنية. لكنهم لم يفعلوا ذلك، ولذلك فهم يحمون أنفسهم حالياً من خلال الغموض".
ورغم هذا التعتيم، فإنّ بعض ما يقوله ترامب صحيح. فالولايات المتحدة تسيطر بالفعل على بيع الملايين من براميل النفط في فنزويلا، فضلاً عن الذهب والمعادن الأخرى.
وكشرط لرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية، تُودَع جميع عائدات حقوق الامتياز والضرائب التي تدفعها الشركات المرخّصة في حساب خاص أُنشئ أولاً في قطر، ثم نُقل إلى مصرف "سيتي بنك".
ويعتقد محلّلو القطاع أنّ نفطاً تزيد قيمته على 13 مليار دولار بيع منذ كانون الثاني/يناير، لكن الرقم يبقى تقديرياً. وخلال جلسة استماع في الكونغرس في الـ 15 من أيلول/سبتمبر، رفض وزير الخزانة سكوت بيسنت تأكيده، فيما لم تتلقَّ طلبات الديمقراطيين المتكرّرة للحصول على المعلومات ردوداً وافية.
أُعيد جزء من الأموال إلى الحكومة الفنزويلية لدفع رواتب الموظفين، من بين أمور أخرى، كما أُتيحت عملات أجنبية للمصارف. لكن رغم عدم وجود أدلة على سرقة الأموال أو تحويلها لتمويل مشاريع أخرى لإدارة ترامب، لا توجد أيضاً أدلة تثبت عدم حدوث ذلك.
ومن المفترض أنّ شركة المحاسبة "كيه بي إم جي" (KPMG) تدقّق العملية، لكن لم يُنشر أي تقرير تدقيق بحلول الموعد النهائي المحدّد في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر.
لغياب الشفافية تداعيات؛ فقد تأخّرت الاستثمارات الجديدة الضخمة اللازمة لتحقيق تعافٍ حقيقي. وتحتاج حقول النفط القديمة بالقرب من ماراكايبو، وكذلك الاحتياطيات غير المستغلّة في حزام نهر أورينوكو، إلى مليارات الدولارات وسنوات طويلة لتطويرها.
وأيّ شركة تخطّط لمشروع من هذا النوع تحتاج إلى الثقة بأنّ عقودها والاستقرار السياسي والاجتماعي سيستمرّان لعقد أو أكثر.
وقال لي فرانسيسكو مونالدي، محلّل قطاع النفط في جامعة رايس، إنّ قانون المحروقات الجديد، الذي أُقرّ في الـ29 من كانون الثاني/يناير تحت ضغط أميركي، يُعدّ تحسّناً، لكنه لا يزال يمنح وزارة النفط الفنزويلية مرونة تتيح لها "أن تمنحك أفضل صفقة في أميركا اللاتينية، أو أسوأ صفقة"، ثم تغيّر شروطها لاحقاً.
وهذا الغموض بشأن مستقبل الاتفاقيات والاستقرار السياسي يثير قلق الشركات الكبرى. وإذا كانت شركات النفط تفضّل نظاماً سياسياً مستقراً، فإنّ ذلك لا ينبع من مبدأ نبيل أو حسن نيّة.
وقال مونالدي: "إنهم لا يعملون في مجال الأعمال الخيرية، وليسوا راهبات. لكن هؤلاء يعرفون متى تُدار الأمور بطريقة ستسبّب لهم مشكلات في نهاية المطاف".
وباستثناء شركة "شيفرون"، التي بقيت في فنزويلا طوال عهدَي تشافيز ومادورو، ولا تزال تعيد استثمار إيراداتها داخل البلاد من دون إضافة استثمارات أخرى، اكتفت معظم الشركات الكبرى بإرسال مبعوثين إلى كراكاس وتوقيع مذكّرات تفاهم.
كما تتردّد شركات تكرير الذهب في معالجة سبائك الذهب الفنزويلية التي أخرجتها شركة مقرّبة من ترامب، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، بسبب احتمال أن تكون قد استُخرجت بواسطة منظمات إجرامية.
يبدو أنّ "أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم" التي أعلنها ترامب صُمّمت لتشجيع الشركات الأميركية على تسريع عمليات الحفر، والأهم بالنسبة إليه، لصرف الانتباه عن أزمة النفط التي تسبّبت بها حربه على إيران.
لكن الإعلان ربما أدّى إلى نتيجة معاكسة، لأنّ الصفقة أشدّ غموضاً من الترتيبات القائمة، وأقلّ شعبية.
فبعد الإعلان، نشر آلاف الأشخاص رسائل غاضبة على صفحات السفارة الأميركية في وسائل التواصل الاجتماعي، عكست الغضب والمفاجأة.
والشريك التجاري الرئيسي للإدارة الأميركية هو شركة "نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز" (NABEP)، التي يرأسها أليخاندرو بيتانكورت.
وقد خضع بيتانكورت لتحقيقات بشأن غسل الأموال في دول عدّة، بينها الولايات المتحدة وسويسرا وإسبانيا، لكنه نفى سابقاً ارتكاب أي مخالفات، ولم تُوجَّه إليه تهمة جنائية.
واعتُقل في لندن بموجب مذكرة توقيف سويسرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وظلّ في إنكلترا أكثر من ستة أشهر خلال إجراءات تسليمه. وأفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأنّ إدارة ترامب ضغطت على المسؤولين السويسريين لوقف التحقيق ورفع طلب التسليم، على ما يبدو للسماح له بإتمام الصفقة.
وفي فنزويلا، يشتهر بيتانكورت بإخفاقه في تنفيذ مشروع لتحديث شبكة الكهرباء، وفرض أسعار مبالغ فيها مقابل معدّات مستعملة ورديئة الجودة، وإثراء نفسه خلال العملية. ويلقي الناس عليه مسؤولية انقطاع الكهرباء المستمرّ حتى اليوم.
أما الصفقة نفسها، فيكتنفها الغموض أيضاً. فقد خصّصت الحكومة الفنزويلية 17 حقلاً نفطياً لشركة "نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز".
ووفقاً للبيت الأبيض، استحوذ مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون على "حصة من حقوق الملكية بنسبة 35% في الشركة الأم"، فيما يبدو أنّ وزارة الخارجية الأميركية حصلت على حق شراء 20% من نفط الشركة بتكلفة الإنتاج، فضلاً عن حق الأولوية في شراء النسبة المتبقية.
ويخشى بعض المحلّلين أن يُباع النفط الفنزويلي بأسعار أدنى من أسعار السوق.
ولم تُتبادل أي أموال حتى الآن، ولم تُضخّ استثمارات. وأصبح البنتاغون والشركة مسؤولَين عن استقطاب شركات متخصّصة بالتنقيب عن النفط إلى فنزويلا، بما في ذلك مناطق تفتقر إلى البنى التحتية.
وعندما سألت محلّلين واقتصاديين عمّا إذا كان بإمكان إدارة ترامب وبيتانكورت منح عقود الحفر لأصدقائهما في البلدين، أجابوا جميعاً بنعم.
ويرى البعض جانباً إيجابياً، إذ إنّ زيادة إنتاج النفط قد تتيح وصول بعض الأموال إلى السكان.
وقال إنريكي نوفوا، الرئيس السابق لغرفة النفط الفنزويلية: "إنها عملية تدريجية. نأمل أن نعمل غداً بصورة أفضل قليلاً مما نعمل اليوم".
لكن حتى المتفائلون بالصفقة أبدوا استغرابهم من طبيعة الشراكات الجديدة التي اختارتها الإدارة الأميركية.
مستقبل الاستثمارات والانتقال السياسي
هناك طريقة مباشرة تمكّن فنزويلا من الحصول على نظام سياسي مستقر يطمئن شركات النفط والمواطنين على حدّ سواء، وهي إجراء انتخابات أو استفتاء يختار الناس من خلاله رئيسهم المقبل.
والإدارة الأميركية، التي تسيطر على أهمّ مصادر دخل فنزويلا، وتُبقي التهديد بعمل عسكري إضافي قائماً، تستطيع المساعدة على تحقيق ذلك.
وقد أكّد وزير الخارجية ماركو روبيو مراراً أنّ الإدارة ستفعل ذلك، واصفاً عملية من ثلاث مراحل: الاستقرار، والتعافي، والانتقال.
وبتشجيع أميركي، بدأت الحكومة الفنزويلية وجزء من المعارضة مفاوضات بشأن الانتقال السياسي. وأخبرني عدد من المشاركين أنّ المفاوضات، رغم بطئها، كانت مثمرة.
وفي الجولة الأولى، التي عُقدت في آب/أغسطس، تركّزت المناقشات على إصلاح المحكمة العليا وضمان استقلاليتها، بما يسمح بإرساء أسس قانونية لأي انتخابات مقبلة.
لكن كثيرين لا يزالون غير مقتنعين بأنّ الانتقال السياسي سيتحقّق قريباً، خصوصاً مع عدم تحديد موعد للانتخابات. فبعد أيام من لقائه رودريغيز على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصفها ترامب بأنها "لطيفة جداً ورائعة جداً"، من دون تحديد موعد للانتخابات.
وفي الثاني من أيلول/سبتمبر، عندما سأله أحد الصحافيين عن الانتخابات الفنزويلية، قال: "لا أعتقد أنهم مستعدّون بعد. كما تعلمون، الأمر جديد جداً".
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه تداعيات الخلاف السياسي الذي أعقب انتخابات تموز/يوليو 2024 حاضرة، وسط استمرار تباين المواقف بشأن مستقبل العملية السياسية.
وتختلف الأرقام بحسب المعايير المعتمدة لتصنيف السجناء السياسيين، لكن حتى أوائل تشرين الأول/أكتوبر، أُطلق سراح ما بين 920 و1110 منهم منذ كانون الثاني/يناير، فيما بقي أكثر من 320 رهن الاعتقال.
والتقيت بعض أفراد عائلاتهم، الذين اعتصموا أمام السفارة الأميركية طلباً للمساعدة. وقال أحدهم: "يقول ماركو روبيو إنه لا يوجد سجناء سياسيون. لكن السجناء السياسيين لا يزالون خلف القضبان".
ولا تزال الخلافات قائمة بشأن دور المعارضة في المرحلة المقبلة، وموعد إجراء الانتخابات، والضمانات المطلوبة لاستقرار النظام السياسي.
وتقيم زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو خارج فنزويلا منذ كانون الأول/ديسمبر 2025. وقد زارت ترامب في البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير، لكن الإدارة الأميركية لم تحدّد حتى الآن موعداً للانتخابات.
وفي مقابلة أجريتها معها في بنما مطلع أيلول/سبتمبر، قالت إنّ هاجسها الأساسي، إلى جانب العودة إلى وطنها، هو أنّ كثيرين لا "يفهمون إطلاقاً ما يجري في فنزويلا".
وأضافت: "كل ما أسمعه يدور حول صيغ تقليدية للانتقال تأخذ في الاعتبار مصالح الجميع وآراءهم، باستثناء الشعب، وكأنّ الشعب لا أهمية له".
وبصرف النظر عن الخلافات السياسية، فإنّ الاستقرار والوضوح بشأن مستقبل الحكم يظلّان عنصرين أساسيين لتشجيع الاستثمارات طويلة الأجل في قطاع النفط.
ولا يتصوّر أحد أنّ الطريق أمام البلاد سيكون سهلاً. ويرى البعض أنّ الأفضل هو الانتظار حتى تتّضح موازين القوى السياسية، أو تتغيّر الإدارة الأميركية، أو يبدأ تدفّق مزيد من النفط. فالانتقال السياسي ينطوي على مخاطر اقتصادية، ولا أحد يستطيع الجزم بموعد عودة النمو.
لكن مخاطر الانتظار تتزايد بسرعة أيضاً. وقال هنري ألفياريز، المنسّق الوطني لحزب "فينتي" المعارض: "هناك شعور بالإرهاق ورغبة في التغيير لا يمكن توجيههما إلا من خلال قيادة واضحة وهدف واضح. ولا يمكن حلّ ذلك إلا إذا حصل الناس أخيراً على موعد للانتخابات. وهذا قد يمنع انفجاراً اجتماعياً".
الزلازل تكشف حجم الأزمة الإنسانية
في الـ 24 من حزيران/يونيو، ضرب زلزالان كراكاس ومدينة لا غوايرا الساحلية وعدداً من البلدات الواقعة على الساحل، لتصبح مخاطر الانتظار واضحة.
وخلال دقائق، انهارت مبانٍ سكنية كبيرة عدّة، من بينها مجمّع سكني عام بُني للمتضرّرين من انهيار طيني عام 1999. وتضرّرت عشرات آلاف المباني. وقُتل ما لا يقلّ عن 6500 شخص، فيما لا يزال العدد الكامل مجهولاً، وأصيب أكثر من 16800، وأصبح نحو 17 ألفاً بلا مأوى.
وكان حجم الكارثة أكبر من قدرات الاستجابة المتاحة، إذ واجهت عمليات الإنقاذ والإغاثة صعوبات كبيرة في انتشال الضحايا وتقديم المساعدة الطبية والغذاء والمأوى للمتضرّرين.
زرت لا غوايرا، المدينة الأكثر تضرّراً، قبل أسبوع من بدء العام الدراسي. ولم يعرف النازحون الذين التقيتهم أين سيدرس أطفالهم، أو ما إذا كانت الدراسة ستُستأنف أصلاً. وكان بعضهم قد لجأ إلى مدرسة محلية ولم يجد مكاناً آخر ينتقل إليه.
وفي موقع أحد المباني المنهارة، التقيت إيلي سولانو، وهي أمّ فقدت ابنها، وكانت لا تزال تبحث عن جثته تحت الأنقاض بعد شهرين من الكارثة.
وسألت السكان عن المدة التي استغرقها وصول المساعدة الحكومية. قال بعضهم أربعة أيام، وآخرون خمسة، فيما اعتقد البعض أنّ المدة كانت أطول.
وقالت لي إحدى النساء: "لم نرَ رجال شرطة. لا جيش، لا شيء على الإطلاق. كان الناس يساعدون بعضهم بعضاً، والجيران يساعدون جيرانهم، واستمرّ الأمر على هذا النحو أياماً كثيرة جداً".
ولا يزال الأمر كذلك. فبعد الزلزالين، ظهرت منظمات تطوّعية مختلفة لتقديم المساعدة. وكان لبعضها، مثل جمعية "أليمنتا لا سوليداريداد"، جذور راسخة في المجتمع.
وقبل عام 2024، كانت الجمعية تدير أكثر من 200 مطبخ خيري في البلاد. وبعد الزلزالين، استأنفت نشاطها الإغاثي، وينظّم أحد قادتها، خوان أندريس سافيدرا، فرقاً من المتطوّعين الذين يوزّعون الطعام يومياً على المتضرّرين.
في بعض المجتمعات، يؤدّي غياب الدولة إلى الفوضى. وفي مجتمعات أخرى، ينظّم الناس أنفسهم بدلاً من ذلك.
وفنزويلا واحدة من هذه البلدان. وقد أخبرتني ماتشادو في كانون الأول/ديسمبر 2024 أنّ تجربة تنظيم الانتخابات أحدثت "تغييراً أنثروبولوجياً"، إذ جمعت أشخاصاً من فئات مختلفة، ودفعتهم إلى الرغبة في إصلاح بلادهم من القاعدة إلى القمة.
وبعد نحو عامين، ظلّ الفنزويليون يردّدون الفكرة نفسها. فقد أخبرتني ناشطة سياسية عادت إلى البلاد حديثاً أنّ الزلزالين والفوضى التي أعقبتهما أعادت التذكير بالدروس المستخلصة من انتخابات عام 2024: "الحكومة لن تنقذنا؛ الأميركيون لن ينقذونا؛ علينا أن نعمل معاً". وقالت: "نحن متروكون لمصيرنا".
نقلته إلى العربية: بتول دياب.