الولايات المتحدة في عامها الـ 250: من ماض متنازع عليه إلى مستقبل فاشي؟

العنصرية والإقصاء شكّلا جزءاً بنيوياً من المشروع الأميركي منذ تأسيسه، وهذا الإرث لا يزال يلقي بظلاله على الانقسام السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة حتى اليوم.

  • أميركا في عامها الـ 250: من ماض متنازع عليه إلى مستقبل فاشي؟
    الولايات المتحدة في عامها الـ 250: من ماض متنازع عليه إلى مستقبل فاشي؟

تحدث مقال في موقع "counterpunch"، للكاتب والدن بيلو، عن الجذور التاريخية والفكرية للتناقضات التي رافقت تأسيس الولايات المتحدة، ويربط بين إرث الاستعمار والعبودية والعنصرية وبين التحولات السياسية الراهنة، وصولاً إلى صعود اليمين الشعبوي في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وفيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية: 

حين وقع 56 مندوباً عن 13 مستعمرة على إعلان الاستقلال عن بريطانيا في عام 1776، كان قد مضى نحو 300 عام على أول وصول أوروبي لأميركا في عام 1492، عندما تدفق نحو 2.6 مليون فلاح أوروبي فقير إلى "العالم الجديد" مثل الجراد، هرباً من الأنظمة الإقطاعية في أوروبا أو الرأسمالية الزراعية التي كانت تجردهم من أراضيهم. 

في أول 200 عام من ذلك الزمن، كان قد وقع معظم الأحداث المدمرة في أميركا الوسطى ونصف الكرة الجنوبي، حين سحق الإسبان إمبراطوريات السكان الأصليين هي الأزتك والإنكا والجماعات الأصغر حجماً، وقمعوا السكان واستعبدوهم، مما أدى إلى جانب الأمراض التي جلبها الأوروبيون معهم، إلى إبادة الملايين من أصحاب الأرض في عموم القارة الأميركية.

التأسيس ككارثة

لقد أثبتت الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية، مرونة أكبر في مواجهة الأوروبيين الطامعين في الأراضي. فإلى جانب المقاومة الشرسة، تعلموا الضغط على النظام الاستعماري ضد المستوطنين الجدد، ونجحوا بالتفاوض مع التاج البريطاني والتوصل إلى إعلان عام 1763، الذي فرض على المستوطنين البيض الانتقال إلى الأراضي الواقعة غرب جبال الأبلاش.

لكن نجاح الثورة الأميركية كان بمثابة مأساة للأميركيين الأصليين، فلقد قضى أحد أهم آمالهم في كبح جماح تقدم المستوطنين نحو أراضيهم، ومعه ضاعت المعاهدات جميعها التي اتفقوا عليها مع التاج البريطاني، بينما بدأت تبرز عواقب إعلان الاستقلال، وأوقدت الإبادة الجماعية بسرعة، عندما أمر الجنرال جورج واشنطن، بذريعة تحالفهم مع بريطانيا، بالتدمير الكامل لمجتمعات الإيروكوا فيما يعرف اليوم بوسط ولاية نيويورك، وهو فعل أكسب الرئيس المستقبلي لقب "مدمر مدن" السكان الأصليين.

لقد كان لتأسيس الولايات المتحدة عواقب وخيمة على السود أيضاً، الذين كانوا يصلون كعبيد إلى المستعمرات الإنغليزية منذ أوائل القرن 17. ففي أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ترسخ اقتصاد المزارع القائم على العبودية لأول مرة في أواخر القرنين 16 و17، عندما تم اختطاف ملايين البشر من أفريقيا، وأجبروا على العمل على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي في مهام شاقة وخطيرة من ضمنها زراعة وحصاد قصب السكر.

لكن تأسيس الجمهورية والعقود السبعة الأولى منها شهدت ازدهاراً كاملاً لاقتصاد المزارع في الجنوب الأميركي، وهو اقتصاد اتسم بكفاءة لا ترحم في استغلال العمال الأفارقة. وبفضل اندماجه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من خلال إنتاج القطن، كان الجنوب أغنى بكثير من الشمال، وقد ترافق هذا الازدهار الذي أتاحته عمالة العبيد مع سيطرة طبقة ملاك المزارع الجنوبية على الرئاسة، ومجلسي الكونغرس، والسلطة القضائية للجمهورية الوليدة.

تزامنت إبادة السكان الأصليين لأميركا وتكثيف استغلال العمالة المستعبدة في الجنوب بالتزامن مع إصدار قانون إبعاد الهنود الذي أعلنه الرئيس أندرو جاكسون، بإجبار 5 قبائل من السكان الأصليين هي: تشوكتاو، وسيمينول، وشيروكي، وتشيكاسو، ومسكوغي، على الخروج من أراضيهم في الجنوب الشرقي بين عامي 1830 و1850 لإفساح المجال أمام مزارع القطن.

إرث جون لوك الملتوي

يرى الماركسيون أن للأفكار علاقة جدلية بالمصالح المادية، وتعكسها وتسهم بشكل مستقل نسبياً، في توجيه السعي نحو الهدف. وكما ذكرت في مقال سابق، لا يمكن فهم التفاعل الديناميكي بين الثورة والتوسع والإبادة الجماعية والعنصرية في المشروع الأميركي، من دون الأخذ بعين الاعتبار التأثير الهائل لأفكار الفيلسوف الإنغليزي جون لوك، الذي عاش في القرن 17، وهو المفكر الأكثر ارتباطاً بالثورة الأميركية وتأسيس الدولة ودستورها، الذي برر حق التمرد إذا انتهك الحاكم أو الحكومة بنود "العقد الاجتماعي" مع الشعب.

لكن نظرية لوك المتعلقة بأصول الملكية الخاصة كان لها تأثير مماثل على المستوطنين في أميركا، وقال إن ما حول علاقة الفرد بالأرض من عدم التملك إلى التملك هو مزج عمله بها. فهذه هي العلاقة الاجتماعية الأساسية، التي تشكلت في حالة الطبيعة قبل نشأة المجتمع السياسي من خلال العقد الاجتماعي، بينما في الحقيقة يعتبر الدفاع عن هذه العلاقة البدائية حجر الزاوية في العقد بين الحاكم والمجتمع.

لقد جسد تحليل لوك لأصول الملكية الخاصة نفسية المستوطن الأبيض. فبعد أن هرب من هياكل الطبقات الزراعية الجامدة في أوروبا، رغب المستوطن، كأي فلاح صغير، في الاستحواذ على بعض قطع الأراضي مما كان يعتبر أرضاً بكراً. وكما لاحظ الباحث الليبرالي المعروف لويس هارتز، كان لدى المستوطن عقلية برجوازية صغيرة، حريصة على تأمين ملكية الأرض بدلاً من تكديسها، وأن "المستوطن صاحب الحيازة الصغيرة، الذي يعيش في أقرب ما يكون إلى حالة الطبيعة عند لوك، يخشى الخسارة اقتصادياً أكثر مما يحب الربح.

إن هذا التعلق بالملكية الفردية للممتلكات الصغيرة متأصل بعمق في الوعي الثقافي الجماعي لأميركا، لدرجة أن هارتز أكد أن أيديولوجية الأميركيين يمكن وصفها بأنها "لوكية"، أي غير عقلانية، وهي في الولايات المتحدة "ابتلعت الفلاحين والبروليتاريا على حد سواء في مخطط البرجوازية الصغيرة"، وأدى هذا إلى عواقب على تطور الوعي الطبقي للأميركيين خلال فترة التصنيع السريع في أواخر القرنين الماضيين.

لكن تأثير لوك تجاوز كونه أساساً للرأسمالية ونظام الملكية الخاصة الذي تشابك مع إرث لوك الآخر الراسخ بالقدر ذاته، وهو عدم المساواة العرقية في الحصول على الملكية والحرية. وكتب لوك في عبارته الشهيرة، "في البدء، كان العالم كله أميركا"، متخيلاً ما أسماه "حالة الطبيعة" قبل نشأة المجتمع السياسي. وفي معرض طرحه لنظريته القائلة بأن امتزاج العمل بالأرض هو ما أدى إلى نشوء الملكية الخاصة، رأى لوك أن السكان الأصليين لأميركا لا يمكن اعتبارهم مالكين للأرض، لأنهم كانوا يسكنون الأرض والغابات دون أن يزرعوها.

في الحقيقة نظرية جون لوك، ترى أن الأميركيين الأصليين يمكن تشبيههم بـ"الوحوش الضارية التي لا يستطيع البشر أن يعيشوا معها في مجتمع ولا أن يشعروا بالأمان، ويمكن بالتالي إبادتهم كما تباد فصيلة من الحيوانات". ورغم أن لوك ربما لم يتوقع عواقب كلماته، إلا أنها وفرت مبرراً أخلاقياً قوياً للإبادة الجماعية العرقية، حيث اخترق البيض رأس الشاطئ الشرقي الذي حاول الأميركيون الأصليون حصرهم فيه، واجتاحوا غرب البلاد. 

وبالمثل، كان للعبودية جذور "لوكية" في التمييز بين العلاقة التي تربط السيد بالخادم والعلاقة التي تربطه بالعبد، وقال إن الأولى عبارة عن عقد حر بين السيد والخادم المتعاقد من أوروبا، بينما كانت علاقة العبد من أفريقيا بالسيد علاقة يخضع فيها الأول لـ "السيادة المطلقة" للأخير. بإيجاز، كانت ليبرالية لوك مليئة بتناقض جوهري. فمن جهة، دافع عن "الحرية الطبيعية للإنسان، وفي التحرر من أي قوة عليا على وجه الأرض، وعدم الخضوع لإرادة أو سلطة تشريعية بشرية، بل أن يكون لقانون الطبيعة وحده حكمه، ومن جهة أخرى، اعتبر أن الأميركيين الأصليين خارج نطاق المجتمع المتحضر، و"الزنجي" دون البشر، وأنكر عليه حق التمرد على استعباده.

وقد انعكس تناقض لوك النظري في ممارسته. فبصفته سكرتيراً لإيرل شافتسبري الشخصية محورية في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، ساعد لوك في كتابة دستور كارولينا، وهو مخطط للحكم المطلق لم يتناقض فقط مع نظريته عن السيادة باعتبارها ملكاً للشعب، بل حكم أيضاً على السود بالعبودية الوراثية.

الدودة في التفاحة

لقد شكل التناقض الفكري لجون لوك في الاحتفاء بالحرية الإنسانية ثم إضفاء الشرعية على الإقصاء العنصري، هاجساً متجذراً في صميم المشروع الأميركي منذ بداياته، حين دافع قادة بارزون مثل واشنطن وجيفرسون عن حق البيض في التمرد على الاستبداد، وعن "حقوق الإنسان"، في الوقت الذي أنكروا فيه هذه الحقوق على عبيدهم السود وسكان أميركا الأصليين. ولم يغب هذا التناقض عن البريطانيين، كما يتضح من تساؤل الأديب الشهير صموئيل جونسون بقوله، "كيف نسمع أعلى صيحات المطالبة بالحرية من مستغلي السود؟".

فالحقيقة أن من بين 56 شخصية هم الموقعون على إعلان الاستقلال، لم يكن هناك سوى 15 منهم من غير مالكي العبيد، ومن بين هؤلاء، كشفت دراسة حديثة أن 7 منهم "استفادوا بشكل مباشر من تجارة الرقيق، وشراء وبيع السلع التي ينتجها الرقيق، أو تزويد معسكرات الرق في جميع أنحاء العالم الأطلسي بالغذاء والمؤن الأخرى".

يرى المؤرخ روبرت باركنسون أن الوثيقة كانت معبرة عن الخوف والإقصاء العنصريين وربما أكثر، بقدر ما كانت تعبيراً عن الحقوق غير القابلة للتصرف، بينما يكمن جوهر الإعلان في 27 اتهاماً التي وجهت ضد الملك جورج الثالث، وأخطرها الاتهام الأخير، بأنه "حرض على الفتن الداخلية بيننا، وسعى إلى استمالة سكان حدودنا، وهم الهنود المتوحشون عديمو الرحمة، الذين لا يفرقون في حربهم بين أحد في العمر أو الجنس أو الحالة الاجتماعية". وفي سياق القرن 18 كتب باركنسون، "تشير عبارة الفتن الداخلية إلى العبيد المتمردين". أما عبارة "المتوحشين عديمي الرحمة الهنود، فلا تحتاج إلى مزيد من التوضيح".

كما رأى الفيلسوف السياسي الأسود الراحل تشارلز ميلز أنه، "بقدر ما يتشكل العالم الحديث بفعل التوسع الأوروبي والاستعمار الإمبريالي، ودول المستوطنين البيض، العبودية العنصرية، فإن العقد الاجتماعي عند لوك يمكن اعتباره مؤسساً على عقد عنصري إقصائي داخل المجتمع الأبيض، يحرم الملونين من المساواة في المكانة الأخلاقية والقانونية والسياسية.

الطبقة والعرق والحرب الأهلية

كان للحرب الأهلية الأميركية العديد من الأسباب المتكاملة. فمع أن الكثيرين في الشمال كانوا مدفوعين بالواجب الأخلاقي في إلغاء العبودية، إلا أن التهديد الذي شكله توسع اقتصاد المزارع القائم على العبيد كان أكثر أهمية بكثير، وهو هدد تطلعات المستوطنين إلى امتلاك أراض بحرية، تزرع بأيدي عمال أحرار. وهذا ما يفسر التناقض الذي شعر به البيض الشماليون تجاه السود. فمن جهة، كانوا ينظر إليهم كتهديد، لأنهم يعملون بلا أجر أو أي تعويض، ومن جهة أخرى، كانوا يعاملون كحلفاء ضد نظام العبودية الجنوبي المتعطش للأرض ولا يشبع.

وكما رأى المؤرخ البارز لصعود الديمقراطية الأميركية في النصف الأول من القرن 19 سيدني ويلينتز، فإن الفرق الأساسي بين الجنوب والشمال في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية كان بين "الجنوب الملتزم إلى حد كبير بالعنصرية التي تقوم على العبودية، والشمال، الملتزم بالديمقراطية التي يرأسها الرجل الأبيض والمتناقض حول مشاركة الرجل الأسود، بينما يزعم مناهضة العبودية". وكلاهما كانا شكلين متباعدين لما أسماه بعضهم بـ"ديمقراطية العرق المتفوق".

الوعي الطبقي في مقابل التضامن العرقي

لقد سادت الديمقراطية العنصرية من النوع الثاني بعد الحرب الأهلية الأميركية. ورغم أنها تخلصت من العبودية، إلا أنها كانت مشبعة تماماً بتفوق العرق الأبيض، وكان الحرمان غير الرسمي من الحقوق السياسية وإرهاب الدولة والمجتمع المدني الموجه ضد السود هو القاعدة في الجنوب ما بعد إعادة الإعمار، وكان التسامح الهش مع حق الاقتراع للسود في الشمال مصحوبا بتمييز اجتماعي واقتصادي ممنهج.

كذلك، اجتذبت الثورة الصناعية السريعة نحو 16 مليون مهاجر من أوروبا في النصف الثاني من القرن 19، مما أدى إلى توترات حادة بين طبقة رأسمالية بيضاء أنجلو ساكسونية في الغالب، وطبقة عاملة متعددة الجنسيات والأعراق. ومع ذلك، فقد كان لعلم النفس "اللوكي" الأساسي الذي انتقل عبر الأجيال، أثر مزدوج بإضعافه الوعي البرجوازي الصغير التضامن القائم على الطبقة، بينما افتراضه الضمني، والواقعي للغاية يمنح البيض الحرية والديمقراطية كحقوق حصرية لهم، وعزز التضامن القائم على العرق.

وكما جرت العادة، تكيف الاقتصاد الرأسمالي الصاعد في البلاد مع هيمنة البيض، فقسم القوى العاملة حسب العرق، كما سارت عملية تنظيم النقابات العمالية إلى حد كبير على أسس عرقية. كان الفصل العنصري هو القاعدة في القوات المسلحة حتى قبيل الحرب الكورية بقليل، على الرغم من أن السود أظهروا منذ حرب الاستقلال، أنهم قادرون على القتال والموت من أجل بلادهم مثل البيض، كما فعل الأميركيون اليابانيون حين قدموا تضحيات جسيمة للبلاد خلال الحرب العالمية الثانية.

هكذا كان التضامن الطبقي الضعيف والتضامن العرقي القوي، هما القطبان اللذان ستتكشف بينهما قصة الطبقة العاملة الأميركية المضطربة بين الحرب الأهلية وحركة الحقوق المدنية في أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن المنصرم. فخلال هذه الفترة، وسعت الولايات المتحدة نفوذها خارج أميركا الشمالية، وترافقت معها تناقضاتها الجوهرية، وأدت إلى انخراطها في حروب توسعية إمبريالية في الفلبين، والمحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية، وكوريا، وفيتنام، واتسمت بضراوتها ولامست إلى حد ما الإبادة الجماعية. ولكن، في دلالة على تحيزهم العنصري، لم ير صانعو القرار الأميركي أي تناقض بين الإبادة الجماعية التي غطيت بعبارة "حرب كثيفة التكنولوجيا"، بزعم أن المهمة تتمثل في تصدير الديمقراطية على النمط الأميركي، بافتراضهم الضمني أن البيض وحدهم هم القادرون على ممارسة الحقوق الديمقراطية والتمتع بها على أكمل وجه.

"الاستراتيجية الجنوبية"

لقد كانت شكلت حركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي هجوماً مباشراً على الديمقراطية العنصرية. وبعد أن تراجعت لفترة، عادت بقوة في سبعينيات وثمانينيات القرن ذاته لتشكك في مسار السياسة الأميركية من خلال ما يعرف بـ"الاستراتيجية الجنوبية" سيئة السمعة، حيث أعاد "الحزب الجمهوري"، مستخدماً العنصرية الصريحة والخطاب العنصري المبطن، تشكيل صورته وشخصيته لجذب البيض الجنوبيين الذين شعروا بالخيانة من تحالف الحزب الديمقراطي مع حركة الحقوق المدنية.

كذلك استغل المتعصبون الجمهوريون اليمينيون بمهارة حالة عدم الاستقرار الاقتصادي التي عاناها العمال الشماليون نتيجة تبني قيادة "الحزب الديمقراطي" للسياسات النيوليبرالية، ملقين باللوم في فقدانهم للوظائف وركود دخولهم على "تساهل" الحزب مع الأقليات والمهاجرين. وبحلول مطلع القرن الماضي، كان "الحزب الجمهوري" قد قطع شوطا كبيراً نحو التحول إلى حزب تفوق العرق الأبيض.

ولقد بلغت هذه العملية ذروتها في عهد دونالد ترامب، الذي ضمن لنفسه أغلبية قوية من الناخبين البيض، حيث صوت له نحو 54 و55% منهم في انتخابات 2016 و2020 و2024. وكما هو الحال مع "الحزب الجمهوري"، فقد أدت الثورة المضادة الاجتماعية إلى أن تصبح المؤسسات السياسية الأخرى في الولايات المتحدة عنصرية لدرجة أنه يوجد، كما قال ميلز، "نظام مستمر للهيمنة البيضاء في غياب أيديولوجية تفوق أبيض صريحة وقواعد صريحة للتبعية بحكم القانون.".

مواد تسرع الاشتعال

تأججت في السنوات الأخيرة مخاوف البيض من خلال 3 عناصر تحريضية. وربما كان انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة عام 2008 العامل الأكبر في تفاقم النزعة القومية البيضاء. وكان من العوامل الحاسمة أيضاً شعور العديد من الرجال البيض بأنهم تائهون في عالم تتزعزع فيه التسلسلات الهرمية التقليدية للجنسين، ويتخلى فيه عن التصنيف الثنائي للجنسين، وتكتسب فيه النساء مزيداً من السيطرة على أجسادهن، ويطرح فيه معيار "الأسرة الأبوية" التقليدي موضع تساؤل في ظل ترتيبات منزلية جديدة.

لطالما عومل المهاجرون بشك وريبة، لكن وصول أعداد كبيرة من الملونين في العقود الأخيرة جعل العديد من البيض عرضة لنظرية "الاستبدال العظيم"، التي روج لها المفكر الفرنسي اليميني المتطرف رينو كامو، والتي مفادها أن الهجرة من الجنوب العالمي هي مؤامرة من قبل النخب الليبرالية لجعل الأغلبية البيضاء أقلية بحلول عام 2040.

مهد كل هذا الطريق لصعود دونالد ترامب، الذي وصفته المحللة السياسية في وكالة الاستخبارات المركزية باربرا والتر بأنه "أكبر تاجر عنصري على الإطلاق". ووفقاً لها، "لم يسبق لأي رئيس جمهوري خلال العقود الخمسة الماضية أن انتهج برنامجاً أكثر عنصرية وتمييزاً، أو أن دافع عن الأميركيين البيض الإنجيليين على حساب الجميع.

النضال من أجل المستقبل

كنت في سان فرانسيسكو عندما احتفلت الولايات المتحدة بمرور مئتي عام على تأسيسها عام 1976، حينها سادت مشاعر الارتياح، وكأن الأمة تتجاوز انقسامات حقبة الحقوق المدنية، وحرب فيتنام، وفضيحة ووترغيت. أما اليوم، ومع احتفال الولايات المتحدة بمرور 505 أعوام على تأسيسها، يسود التشاؤم والغضب. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب، قال 31% فقط إنهم "فخورون جداً أو للغاية بكونهم أميركيين"، بانخفاض عن نسبة 78% عام 2015.

يشك عدد كبير من المواطنين، بدءاً من السيناتور كريس مورفي "الديمقراطي" من ولاية كونيتيكت، والممثل روبرت دي نيرو بشدة في أن ترامب والجمهوريين سيتنازلون عن السلطة سلمياً في حال خسارتهم الانتخابات في عام 2028. أما آخرون، مثل الفنانتين إيلين دي غينيريس وروزي أودونيل، فلم ينتظروا لمعرفة ذلك، واختاروا الفرار إلى بلدان أخرى، على الرغم من أن الاشمئزاز من ترامب في كثير من الحالات قد اقترن بسعادة برغبة في التهرب من دفع الضرائب.

لم يصمد الإجماع الليبرالي حول طبيعة الولايات المتحدة كبوتقة انصهار تُقدم للعالم، رغم عيوبها، نموذجاً للحكم الديمقراطي، أمام النقد الأكاديمي من اليسار. أما من اليمين، فيجري تجاهل التنوع، الكلمة التي يكرهها دونالد ترامب بشدة، في إعادة سرد وتجديد لتاريخ أميركا باعتباره نتاجاً حصرياً للبيض، وهو السردية السائدة في خمسينيات القرن الماضي، حين كان ترامب شاباً.

تجلت هذه الرواية بوضوح في خطاب قبول ترامب ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة في المؤتمر الوطني الجمهوري لعام 2020، حيث قال إن "ما يميز أميركا هو روح غزو الأرض والغرب على يد مربي الماشية وعمال المناجم ورعاة البقر ورجال الشرطة والمزارعين والمستوطنين"، وهو مشروع منتصر لم يكن ليتحقق لولا "أمثال وايت إيرب وآن أوكلي وديفي كروكيت وبافالو بيل"، لكن لم يشر ترامب صراحة إلى كلمة "أبيض"، لكن تلميحاته الضمنية كافية لإثارة حماس أنصاره من مؤيديه.

لكن ليس التهديد باستيلاء اليمين المتطرف على السردية التاريخية الأميركية هو الأزمة الأكبر التي تواجه الجمهورية الأميركية مع بلوغها 250 عاماً، بل هو التخريب المتعمد لما يُدرس لكل طالب وطالبة باعتباره جوهرة "التجربة الأميركية" حيث فصل السلطات بين يدي رجل لم يخف رغبته في السلطة المطلقة، مع معارضة ضئيلة من الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون، وبدعم وتواطؤ المحكمة العليا، وحماسة قاعدة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" التي تسير معه ببهجة نحو الفاشية.

ومع ذلك، فإن الجمهورية ليست بلا أمل. ويتجسد هذا الأمل في التقدميين مثل عمدة نيويورك زهران مامداني والشباب الراديكاليين الذين اكتسحوا الانتخابات التمهيدية في أواخر حزيران/يونيو الماضي، وهم لا ينظرون إلى الماضي بحثاً عن "حكمة الآباء المؤسسين"، بل يتوخون مستقبلاً ديمقراطياً واشتراكياً ومتساوياً، ومتعدد الأعراق حقاً.