"الغارديان": يُطاردون كالحيوانات.. حرب ترامب ضد من يبنون أميركا

كان لورينزو سالغادو أراوخو يعمل في مجال بناء تركيب الهياكل الخشبية للمنازل قبل أن يلقى حتفه على يد عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (ICE). ويعيش عدد لا يحصى من عمال البناء اللاتينيين الآخرين في ولاية تكساس وهم يخشون مواجهة مصيرٍ مماثل.

0:00
  • يقوم أحد عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) بإجراء عملية اعتقال في تكساس
    يقوم أحد عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) بإجراء عملية اعتقال في تكساس

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يتناول تداعيات حملة الترحيل الجماعي التي تنفّذها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر إدارة الهجرة والجمارك (ICE)، على عمّال البناء من أصول لاتينية في ولاية تكساس، وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويسلّط المقال الضوء على تحوّل عمّال البناء المهاجرين إلى أهداف رئيسية لحملات الاعتقال والترحيل، وما يرافق ذلك من تفكّك عائلات، وانتهاكات للحقوق، وانتشار الخوف بين العمال، الأمر الذي أدّى إلى نقص حادّ في اليد العاملة، وتعطّل مشاريع البناء، وارتفاع تكاليف تشييد المنازل وأسعارها.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

في كلّ صباح وقبل بزوغ الفجر بوقت طويل، وبينما تغرق أميركا في نومها، يرتدي جيش من عمّال البناء في ولاية تكساس ستراتهم الفسفورية ويضعون خوذاتهم الواقية، ثمّ يحملون سلالمهم وأدواتهم على متن شاحناتهم، وينطلقون عبر الطرق السريعة ليبدأوا يوماً آخر من العمل الشاق تحت أشعة الشمس الحارقة. وفي مكان آخر، وقبل أن تتسلل خيوط الضوء الأولى لتغمر التوسّع العمراني والخرساني لولاية تكساس، تتحرّك جيوش أخرى في أسطول من السيارات الرياضية متعدّدة الاستخدامات اللامعة التي لا تحمل أي علامات مميزة؛ يتحينون الفرص عند محطات الوقود، ويجوبون محيط المتاجر الصغيرة، ويتربّصون على طول الطرق السريعة. هؤلاء أيضاً في طريقهم إلى العمل، لكنّ العملاء الفيدراليين الذين يشكّلون هذا الجيش الثاني ينفّذون مهمة من نوع آخر. 

فعلى عكس عمال البناء، هم لا يساهمون في تشييد مستقبل الولايات المتحدة من خلال بناء منازل جديدة؛ بل تتمثّل مهمتهم في ملاحقة أولئك الذين يقومون بأعمال البناء؛ فهم يتتبّعون عمال بناء الهياكل، ويقتفون أثر عمال الأسقف، ويطاردون عمال المحارة وصبّ الخرسانة. إنهم صيادون! 

ويقول جاكوب مونتي، وهو محامٍ متخصص في قضايا الهجرة في هيوستن: "في تكساس، تخرج لصيد الغزلان في الصباح الباكر. وهذا بالضبط ما يفعلونه؛ فهم يصطادون عمال البناء في الصباح الباكر، تماماً كما يصطاد المرء حيواناً". تُعدّ ولاية تكساس وقطاع عمال البناء فيها بؤرةً رئيسة لأحدث حملات الترحيل الجماعي التي يشنها دونالد ترامب، والتي أُطلق عليها اسم "آي سي إي" (ICE 2.0)؛ فبعد أن تحوّل الرئيس الأميركي من أسلوب "الغزو" العسكري الذي اتبعه العام الماضي في مدينتي لوس أنجلوس ومينيابوليس، إلى تكتيكات "التوقيف والتفتيش" - التي تبدو أقلّ ظهوراً للعيان لكنها لا تقل تدميراً - وجد في تكساس "صيداً وفيراً". وتشهد ولاية تكساس أكبر عدد من عمليات الاعتقال التي تنفّذها إدارة الهجرة والجمارك (ICE) على مستوى البلاد؛ إذ بلغ عدد المعتقلين أكثر من 12 ألف شخص في شهر تموز/يوليو وحده، وهو ما يعادل ضعف الأعداد المسجّلة في الولايات التي تليها من حيث حجم الاعتقالات، وهي فلوريدا وكاليفورنيا. وينتمي الكثير من المعتقلين إلى فئة عمال البناء من أصول لاتينية. فمن بين كل 10 عمال بناء في تكساس، هناك 4 وُلدوا خارج الولايات المتحدة، ومعظمهم من أصول لاتينية ولا يحملون وثائق قانونية.

ويشير مونتي إلى أنّ هذه العملية تُعدّ "هدفاً سهل المنال؛  فإذا استهدفت العمّال اللاتينيين في تكساس وهم يستقلون شاحناتهم، فستحظى بفرصة كبيرة للإيقاع بشخص لا يحمل وثائق قانونية، وتُغذي بذلك آلة الترحيل الجماعي".

ولكنْ ثمّة ثمن باهظ يتعيّن دفعه لقاء إلقاء إدارة الهجرة والجمارك بشباكها في أحياء اللاتينيين ومواقع البناء في تكساس، وهي تسعى جاهدة لتحقيق هدفها الجديد المتمثّل في تنفيذ 3 آلاف عملية اعتقال يومياً. وتتسبّب هذه الاعتقالات في الشوارع في حالة من الاضطراب داخل الولاية، وتُلحق ضرراً باقتصادها، وتؤدي إلى ارتفاع أسعار المساكن وتكلفة السلع الغذائية. كما تتعرّض الأسر اللاتينية للتفكك والتشتت؛ إذ يُدفع بأشخاص مجتهدين إلى العيش في الخفاء، بينما يختفي آخرون إما فراراً من البلاد أو نتيجة ترحيلهم قسراً. وفي الوقت ذاته، تبقى أساسات المنازل الجديدة غير مكتملة، وتظل مواقع البناء خالية من العمال.

 ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي - التي تشهد سباقات حاسمة للكونغرس ومنصب حاكم الولاية - تبرز أيضاً تداعيات سياسية؛ إذ يبدو أنّ ترامب يضع نفسه في مأزق مع الناخبين من أصول لاتينية في تكساس. فالسكان اللاتينيون في تكساس ممن ولدوا في الولايات المتحدة أو حصلوا على الجنسية ويحق لهم التصويت باتوا يشعرون بقدر متزايد من الغضب والحيرة. وكان الكثير منهم قد منحوا أصواتهم لترامب قبل عامين، مدفوعين بوعوده بتحقيق اقتصاد أقوى وتأمين الحدود لمنع دخول المهاجرين "المجرمين". لقد منحوا ترامب فوزاً تاريخياً، حتى في الدوائر ذات الأغلبية اللاتينية، التي كانت تُعدّ معاقل للحزب الديمقراطي لأكثر من قرن من الزمن. 

وكان من بين هؤلاء الناخبين سيرجيو بينافيدس، البالغ من العمر 44 عاماً، وهو صاحب شركة إنشاءات سكنية في منطقة "ريو غراندي فالي" على الحدود في ولاية تكساس. صوّت بينافيدس، وهو مواطن أميركي بالتجنّس، لصالح ترامب في انتخابات عام 2024؛ إذ أعجبته وعود حملته الانتخابية بخفض الأسعار وتأمين الحدود. وحين حذّره البعض من أنّ الأمور قد تسوء، لم يكترث لتحذيراتهم. أما الآن، فقد بدأ ينتبه؛ إذ ارتفعت أسعار المنازل والمواد الغذائية والوقود. كما أصبح لزاماً عليه دفع أجور أعلى للعمال، نظراً لترحيل أعداد كبيرة منهم. وقد اختفى أحد المقاولين المتعاقدين معه وزوجته بعد أن ألقت إدارة الهجرة والجمارك (ICE) القبض عليهما، تاركين خلفهما 3 أطفال يحملون الجنسية الأميركية. وفي هذا الصدد، يقول بينافيدس: "إنه لأمر محزنٌ. نحن هنا لنحمي عائلاتنا، ونرسل أبناءنا إلى الجامعات، ليتعلّموا ويكبروا. لم يكن هذا ما توقّعته عندما منحت صوتي لترامب". 

ويُعدّ بينافيديس جزءاً من رد فعل عكسي بدأ يظهر بوضوح في استطلاعات الرأي؛ إذ بدأ الناخبون من أصول لاتينية بتغيير موقفهم تجاه الرئيس، وذلك بسبب القضايا ذاتها التي كانت قد جذبتهم إليه في المقام الأول: تكاليف المعيشة، وسياسات إنفاذ قوانين الهجرة. وقد أظهر استطلاعٌ أجرته مؤسسة "إكويس ريسيرتش" (Equis Research) الشهر الماضي أنّ نسبة عدم الرضا عن ترامب قد ارتفعت لتصل إلى 63% بين الناخبين اللاتينيين في ولاية تكساس. وفي سباقٍ حاسم لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي - وهو سباقٌ قد يحدّد أيّ الحزبين سيهيمن على المجلس خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب - يعتزم 58% من الناخبين اللاتينيين المحتملين دعم المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو، بينما لا يحظى المرشح الجمهوري كين باكستون - الذي تلاحقه الفضائح - سوى بدعم 33% منهم. ويأتي هذا في ولايةٍ لم تشهد فوز مرشحٍ ديمقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي منذ عام 1988. يشكّل اللاتينيون ثلث الناخبين المسجّلين في تكساس، وهي ثاني أكبر نسبة من نوعها على مستوى البلاد؛ وهم يدركون تماماً حجم تأثيرهم هذا. ومن بينهم، عمال قطاع البناء.

يبدأ ماركو أنطونيو أوسوريو يومه في الخامسة صباحاً، متبعاً الروتين ذاته 6 أيام في الأسبوع. يأتي أحد أفراد فريق عمله لاصطحابه من منزله في هيوستن، ثم يتجوّلان بشاحنتهما البيضاء المشتركة لجمع بقية أعضاء الفريق، قبل التوجّه إلى موقع مجمّع سكني جديد، حيث يقضون الساعات الـ10 التالية في تمديد كابلات الألياف الضوئية المخصصة لخدمات التلفاز والإنترنت (واي فاي). فهذا هو مجال تخصصهم؛ وهم بارعون فيه ومطلوبون بشدة، ولو أنهم يُتركون وشأنهم ليواصلوا عملهم بسلام. مع مطلع العام الجاري، لاحظ أوسوريو، البالغ من العمر 50 عاماً، تصاعداً في أنشطة إدارة الهجرة والجمارك (ICE) في الشوارع. فيقول: "انتشرت بكثرة سيارات مأموري الشرطة، وقوات أمن الطرق السريعة، وعناصر إدارة الهجرة؛ كانوا يتنقلون بين السيارات على الطرق السريعة ويدققون في لوحات المركبات". وبصفته مواطناً مكسيكياً يقيم في الولايات المتحدة من دون وثائق قانونية -حيث وصل إليها عام 1993 وهو في الـ17 من عمره - كان يدرك أنه في وضعٍ محفوف بالمخاطر. لكنه ظن أنّ لديه نوعاً من الحماية؛ فابنته غابرييلا، المولودة في الولايات المتحدة، تخدم حالياً في قوات مشاة البحرية (المارينز) في قاعدة "كامب بندلتون" بولاية كاليفورنيا. وقد ساعدته في تقديم طلب للحصول على الإقامة، ولا تزال الأوراق قيد المعالجة.

ومع ذلك، لم يشأ أوسوريو المخاطرة، فغيّر نمط حياته؛ إذ بات لا يغادر منزله إلا للضروريات القصوى، وتوقّف عن الخروج ليلاً للذهاب إلى السينما. لم يكن بوسعه التوقّف عن العمل، وإلا فكيف سيدفع فواتيره؟ لكنه أصبح يرتدي قميصاً عادياً أثناء التوجّه إلى موقع العمل، بدلاً من سترته الصفراء الفاقعة؛ فلا داعي لأن يلفت الأنظار إليه كعامل في قطاع البناء في ظل حملات الملاحقة التي تشنها إدارة الهجرة والجمارك. وقد أبلغ شركته بأنه لم يعد يرغب في العمل خارج مدينة هيوستن، نظراً لأنّ الطرق السريعة المؤدية إلى مدينتي أوستن وسان أنطونيو باتت تعج بسيارات الشرطة. لكنّ الشركة ردت عليه بالقول: "لا توجد أعمال هنا؛ إما أن تذهب للعمل خارج المدينة، أو تتوقف عن العمل تماماً". 

لذا، اضطر إلى قبول وظيفة في مدينة أوستن. وفي 10 حزيران/يونيو، وبينما كان عائداً إلى منزله بعد مناوبة عمل استمرت 10 ساعات، قامت سيارة تابعة لمكتب المأمور بالالتفاف على الطريق السريع وأجبرته على التوقّف. ادّعى الشرطي أنّ السبب يعود إلى وجود خلل في أحد المصابيح الخلفية لشاحنته، لكنّ أوسوريو تساءل في قرارة نفسه: كيف عرفوا ذلك بينما كانت السيارتان تسيران في اتجاهين متعاكسين؟ ورجّح أنّ السبب الحقيقي هو أنّ زجاج شاحنته الأمامي كان مكشوفاً، ما جعلهم يدركون أنه من أصول لاتينية. وفي غضون دقيقتين من إيقافه، حاصرت سيارات تابعة لإدارة الهجرة والجمارك (ICE) شاحنته من الأمام والخلف. عندها أدرك أوسوريو أنّ سرعة ظهورهم تشير إلى عملية منسقة مسبقاً. أخبرهم بأنّ ابنته تخدم في قوات مشاة البحرية الأميركية (المارينز)، وعرض عليهم إيصالاً يثبت تقديمه طلباً للحصول على الإقامة. فردّ عليه أحد ضباط الوكالة قائلاً: "هذا لا يُعتد به". واقتادوه إلى زنزانة شديدة البرودة - تُعرف باسم "المُجمّدات " (las hieleras) - ومنها نُقل إلى مركز احتجاز للمهاجرين بالقرب من الحدود. قضى أوسوريو 40 يوماً في ظروف قاسية داخل مراكز احتجاز الإدارة، إلى أن نجح مونتي في استصدار قرار بإطلاق سراحه نظراً لغياب الإجراءات القانونية السليمة.

وفي الوقت الذي ينتظر البتّ في استئنافه، يواصل أوسوريو العمل؛ فالفواتير لا تتوقف عن التراكم، وأطفاله بحاجة إلى الطعام. وفي طريقه إلى مواقع العمل في هيوستن، يفكّر في ابنته التي تخدم البلاد، بينما تسعى حكومة تلك البلاد نفسها إلى طرده. يساوره القلق على طفله الأصغر، المصاب بالتوحّد، ويتساءل عن المصير الذي ينتظره. كما يتخيّل عودته إلى المكسيك، ذلك المكان الذي لم يطأه منذ 33 عاماً. وبينما يقود سيارته، يلمح في أرجاء المدينة مجمّعاتٍ سكنية ساهم هو في تشييدها، فيغمره شعورٌ بالفخر. ويقول: "انظروا إلى تلك المباني؛ لقد عملتُ هناك قبل 10 أعوام. وتلك أيضاً، بنيناها قبل 15 عاماً". ويحدّث نفسه قائلاً: "هذا هو موطني".

كان لورينزو سالغادو أراوخو، وهو مواطن مكسيكي يبلغ من العمر 52 عاماً يقيم في الولايات المتحدة منذ 35 عاماً - أي قبل وصول أوسوريو بعامين. وبصفته عاملاً ماهراً في بناء الهياكل الخشبية للمنازل الجديدة، كان يقضي أيامه وفق روتين ثابت: يغادر منزله في الـ5 صباحاً، ويصطحب فريق عمله، ثم يقضي 10 ساعات في العمل الشاق. ليستريح بعدها على شرفة منزله الذي بناه بنفسه في هيوستن، مستمعاً إلى موسيقى "تييرا كالينتي" (tierra caliente) برفقة كلبه المحبوب "نيونيو" (Ñoño)، الذي أطلق عليه هذا الاسم تيمناً بشخصية ممتلئة الجسم من مسلسل كوميدي مكسيكي عُرض في سبعينيات القرن الماضي.

وعندما بدأت إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في تكثيف حملات الاعتقال في الشوارع خلال شهر شباط/ فبراير، رأى سالغادو في ذلك فرصة؛ فقد كان الكثير من العمال يخشون مغادرة منازلهم، ما أدى إلى توقف العمل في الكثير من المنازل الجديدة وهي لا تزال في مراحل بنائها الأولى. وبفضل روحه الريادية الجريئة، بدأ سالغادو في قبول مهام لم يجرؤ غيره من العمال المهاجرين غير المسجّلين على التفكير فيها. لكنه اتخذ احتياطاته؛ فاستبدل سترته المخصصة لأعمال البناء بسترة رسمية أثناء توجّهه إلى العمل، وأزال كومة المخططات الهندسية والفواتير والإيصالات التي كانت تملأ لوحة القيادة في شاحنته البيضاء. فقد كانت تلك الشاحنة بمثابة مكتبه المتنقّل، لكنها كانت تكشف عن هويته كعامل في قطاع البناء؛ لذا، حرص على إخلائها من أي شيء قد يشي بذلك.

ومع مرور الوقت، وتزايد وطأة ممارسات إدارة الهجرة والجمارك، ساور القلق أبناءه الـ3. فبما أنهم جميعاً مواطنون أميركيون وُلدوا في الولايات المتحدة، كان سالغادو يعقد عليهم آمالاً كبيرة؛ إذ لم يرد لهم أن يعملوا في قطاع البناء مثله، بل أرادهم أن يتلقّوا تعليماً جيداً ويحقّقوا "الحلم الأميركي" الخاص بهم. وبالفعل، أصبح ابنه الأكبر، رونالدو سالغادو، معلماً لمادة التاريخ، بينما درس ابنه الثاني، لورينزو سالغادو جونيور، في جامعة "تافتس" المرموقة ويعمل حالياً مهندساً في العاصمة واشنطن، أما أصغرهم فلا يزال طالب هندسة. اجتمع الأبناء ووضعوا خطة لوالدهم؛ فزوّدوه برقم هاتف ليتصل بهم في حال أوقفته السلطات، وحرصوا على أن يحمل في محفظته بطاقة توضح "حقوقه القانونية". كما أخذوا عليه عهداً بألا يوقّع أبداً على أي وثيقة تقدّمها له إدارة الهجرة والجمارك، خشية أن يتعرّض للخداع ويُدفع لتوقيع أوراق تؤدي إلى ترحيله طواعية.

لكنْ كان لدى لورينزو جونيور سببٌ إضافي للقلق. ففي 29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، كان يسير متوجّهاً إلى عمله في العاصمة واشنطن. كان الوقت باكراً، وهي الفترة التي عادةً ما يبدأ فيها والده رحلته على الطريق. في ذلك اليوم، كان على لورينزو تقديم عرض مهم أمام إحدى الوكالات الحكومية، وهي إدارة الطيران الفيدرالية (FAA). وبينما كان يسير في شارع "جورجيا" باتجاه البيت الأبيض، لمح سيارتين لا تحملان أي علامات مميزة تقتربان منه. تجاوزتاه ثم استدارتا فجأة، لتتوقفا على جانبيه في حركةٍ أشبه بالكماشة. ظنّ في البداية أنه على وشك التعرّض للسرقة، لكنه سرعان ما أدرك أنهما تابعتان لعملاء فيدراليين. سألوه عن اسمه ووجهته؛ وما إن سمعوا لغته الإنكليزية المتقنة، ولاحظوا قميصه المرتّب، وعلموا أنه في طريقه إلى إدارة الطيران الفيدرالية، حتى تراجعوا قائلين: "حسناً، يمكنك المضي قدماً". 

لم يساور لورينزو جونيور أدنى شك في أنه تعرّض للاستهداف بناءً على خلفيته العرقية. فأصيب بصدمةٍ من جراء هذه التجربة، وساوره قلقٌ شديد على والده؛ فإذا كان هؤلاء قد أوقفوه هو - المهندس خريج جامعة "تافتس" والمتجه لتقديم المشورة للحكومة الأميركية في عاصمة البلاد - فما الذي قد يفعلونه بوالده، الذي يعمل في تركيب الهياكل ولا يحمل أوراقاً ثبوتية قانونية؟

في 7 تموز/يوليو، تلقّى لورينزو جونيور اتصالاً يفيد بأنّ والده قد أُوقف من قِبل عناصر إدارة الهجرة والجمارك. فسارع الابن إلى المطار واستقل أول رحلة متجهة إلى هيوستن. وخلال الرحلة، شاهد تقريراً إخبارياً عن شخص لا يحمل وثائق قانونية في المدينة، تعرّض لإطلاق نار على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك. وبينما كانت الطائرة لا تزال في الجو، حدّث لورينزو جونيور صفحة الخبر، ليجد أنّ العنوان قد تغيّر من "تعرّض لإطلاق نار" إلى "تعرّض لإطلاق نار وقُتل".

التقيتُ بلورينزو جونيور ورونالدو سالغادو في مقهى يبعد نحو 10 دقائق عن المكان الذي أُطلق فيه النار على والدهما عبر نافذة شاحنته؛ إذ ظنّ عناصر إدارة الهجرة والجمارك خطأً أنه مواطن غواتيمالي كانوا يبحثون عنه. وفي إحدى زوايا المقهى، أُقيم نصب تذكاري صغير للوالد؛ حيث وُضعت صورته في المنتصف، محاطة بشموع مضاءة ومسابح، إلى جانب بعض أدوات البناء التي كان يستخدمها، وقبعة مكسيكية (سومبريرو)، والعلم المكسيكي. كان الابنان لا يزالان تحت وقع الصدمة، لكنهما كانا في الوقت ذاته غارقين في التأمّل والتفكير.

تحدّث رونالدو عن كيفية ملاحقة والده من قِبل إدارة الهجرة والجمارك "لأنه لم يكن يبدو بمظهر معيّن؛ إذ لم يكن يطابق الصورة النمطية لما ينبغي أن يبدو عليه الأميركي". وتساءل بمرارة عن مدى قسوة ذلك، ولا سيما أنّ والده قضى حياته بأكملها ساعياً لتبنّي القيم الأميركية الجوهرية. وقد عدّدها رونالدو قائلاً: "العمل الجاد، ودفع الضرائب، وتكوين أسرة، وتعليم الأبناء؛ فإذا فعلت ذلك، ستنال الخير". أما لورينزو جونيور، فقد روى كيف قُتل والده على يد عميل حكومي بعد 3 أيام فقط من احتفال الولايات المتحدة بذكراها السنوية الـ250. ففي 4 تموز/يوليو، كان هو نفسه قد حضر عرض الألعاب النارية في العاصمة واشنطن، وشعر حينها بالفخر لكونه أميركياً. استرجع في ذاكرته ما درسه عن شخصيات تاريخية أمثال فريدريك دوغلاس، ودو بويز، ومالكوم إكس، ومارتن لوثر كينغ، وبطله الأكبر أبراهام لينكولن؛ وشعر آنذاك بأنه يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق "حلمه الأميركي" الخاص. وبعد 3 أيام، تعرّض لما يصفه بـ"صدمة وطنية عنيفة" (أو "انقلاب جذري في مشاعره الوطنية")؛ ولم يعد لديه اليوم سوى هدف واحد وهو تحقيق العدالة لوالده.

إذا قطعت مسافة 350 ميلاً جنوب غرب هيوستن، ستصل إلى المنطقة الحدودية في "وادي ريو غراندي" . هنا، تمتزج الثقافتان المكسيكية والأميركية وتكوّنان مزيجاً فريداً يُعرف بـ"تيخانو" (Tejano). يتميز الوادي بطقسه الحار والمغبر؛ إذ تصل درجات الحرارة في منتصف النهار غالباً إلى 105 درجات فهرنهايت (40.5 درجة مئوية)، وقد ترتفع لتصل إلى 110 درجات فهرنهايت. وفي اليوم الذي زرت فيه موقعاً للبناء في مدينة "هارلينغن" - على بعد نحو 10 أميال من الحدود - كانت الحرارة قد تجاوزت بالفعل 100 درجة فهرنهايت، بينما كانت الشمس شديدة السطوع.

كان 4 عمال يعملون تحت سماءٍ صافية، ويشيّدون الهيكل الخشبي للطابق الثاني من منزلٍ مزدوج. كانوا يرتدون ملابس فضفاضة تقيهم من أشعة الشمس، وتتدلى حول خصورهم أدواتٌ ثقيلة. بدا عليهم وكأنّ الحرارة لا تؤثر فيهم، لكنْ هذا في الواقع جزءٌ من روتين عملهم اليومي؛ إذ يعملون 10 ساعات يومياً، و6 أيام في الأسبوع. أكبر هؤلاء العمال سناً هو "خواكين" - الذي يرتدي قبعة "سومبريرو" - وهو في العمر نفسه الذي كان عليه سالغادو حين قُتل على يد عناصر إدارة الهجرة والجمارك. قبل شهرين، اعتُقلت زوجة خواكين؛ واقتيدت بينما كانت في طريقها إلى عملها في أحد المطاعم، وهي الآن رهن الاحتجاز بانتظار ترحيلها إلى المكسيك. وقال خواكين متحدّثاً بالإسبانية: "أخشى الآن أن يعتقلوني أنا أيضاً. لدينا 3 أطفال وُلدوا هنا؛ فمن سيعتني بهم؟"

أما زميله في فريق العمل، فورتينو (38 عاماً) - الذي كان يخفي وجهه خلف نظارات تزلج كبيرة - فهو أيضاً لا يحمل أوراقاً ثبوتية قانونية. وقد اختفى 2 من أعمامه. ويقول: "في الوقت الراهن، لا شيء آمن. لقد تعلمنا في المكسيك أن نضع ثقتنا في الله ونمضي إلى أعمالنا. لكننا نعيش كل يوم في حالة من القلق والترقب، متسائلين إن كان هذا هو اليوم الذي سيقبضون فيه علينا". أما العضو الثالث في الفريق، أليكسيس (33 عاماً)، فيحمل بطاقة إقامة دائمة "غرين كادرد"، لكن ذلك لا يمنعه من الشعور بالقلق. فهو لا يتوجّه إلى موقع العمل في الوقت الراهن إلا باستخدام سيارات مدنية عادية، متجنباً تماماً الشاحنات أو المركبات البيضاء، كما يحرص على ألا تظهر أي أدوات عمل بوضوح، ويغيّر مساره بانتظام. سألته عن رأيه في الحجة التي طرحها ترامب على الشعب الأميركي، ومفادها أنّ الوظائف في أميركا حق للأميركيين، لا لمن يقيمون في البلاد بشكل غير قانوني. ضحك أليكسيس وقال متحدثاً بالإسبانية أيضاً: "حسناً، لا بأس بذلك. لكنّ معظم الأميركيين لا يقومون بهذا النوع من العمل؛ فهم يرفضونه. إنه عمل شاق تحت أشعة الشمس الحارقة، من دون أي ظل. الأميركيون المتعلمون يطالبون بوظائف مكتبية مجهزة بمكيفات هواء؛ لذا، نحن اللاتينيين من نقوم بهذا العمل". وانضم إلى هذا الحديث إيزاياس، وهو عضو في فريق العمل يبلغ من العمر 20 عاماً ومواطن أميركي المولد. وقال إنّ الأميركيين اعتادوا على حياة مريحة وسهلة؛ فهم، على حد تعبيره، "وُلدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب".

 ملأ العمال الـ4 الموقع بضجيج الطرق والمطرقة والنشر. وبالنسبة لأذني غير المتمرسة، بدا هذا الصخب دليلاً على الحيوية؛ فهو صوت حيّ جديد ومجتمع جديد قيد التكوين.

لكن بالنسبة لروني كافازوس، مدير الموقع البالغ من العمر 49 عاماً، فإنّ هذا الضجيج ليس سوى عرض لعلةٍ ما؛ فمستواه أقل مما ينبغي، وكان يجدر به أن يكون أعلى بكثير. فبدلاً من العمال الـ4 الذين يعملون حالياً في بناء المنزل، كان ينبغي أن يكون هناك 3 أضعاف هذا العدد. ففي الأسبوع الماضي، كان الموقع خالياً تماماً؛ إذ لم يتمكّن من العثور على أي فرق عمل، بعد أن توقّف جميع المقاولين الفرعيين لديه عن العمل. وأشار كافازوس إلى أنه "ليس لدينا ما يكفي من العمال لإنجاز العمل؛ فبعضهم اعتُقل، والبعض الآخر يخشى مغادرة منزله، بينما استسلم فريق ثالث وقرر العودة إلى المكسيك". المشاريع التي كانت تستغرق 6 أشهر لإنجازها باتت تتطلب اليوم 10 أشهر، كما أن التكاليف العامة آخذة في الارتفاع. وفي الصيف، اضطر إلى وقف أعمال البناء لمدة 60 يوماً؛ إذ لم يجد عمالاً متخصصين في الهياكل الخشبية للاستعانة بهم.

ويبذل كافازوس قصارى جهده لحماية عماله وتشجيعهم على العودة إلى موقع العمل؛ فقد أقام سياجاً يحيط بالكامل بالمباني السكنية المزدوجة (الدوبلكس) الـ16 التي يشيدها لمنع دخول عناصر إدارة الهجرة والجمارك. على الرغم من أن تكلفة السياج وحده ستصل إلى 30 ألف دولار، إلا أنه يرى أن الأمر يستحق العناء إذا كان سيمنحه قدراً من راحة البال. اصطحبني إلى داخل أحد المباني قيد الإنشاء، وأراني باباً سرياً مخفياً تحت الدرج، يؤدي إلى مساحة يمكن للعمال الاختباء فيها في حال وصول عناصر إدارة الهجرة والجمارك. وفي إحدى المرات، اتصل به مدير الموقع ليخبره بأن أحد عناصر إدارة الهجرة يحاول دخول الموقع، فقال كافازوس: "قلت له: اخرج من أرضي فوراً! هرب كثير من عمالي، بينما اختبأ آخرون خلف ذلك الباب السري".

وقبل بضعة أشهر، اضطر أحد فرق العمل إلى المبيت في الموقع؛ فقد كانوا يخشون بشدة من أن توقفهم السلطات أثناء توجههم إلى العمل، فقرروا النوم على القواعد الخرسانية حتى إنجاز المهمة. وقال كافازوس وهو يهز رأسه أسفاً: "اللعنة! هل هذه هي أميركا بحق؟" 

يشغل كافازوس منصب رئيس "رابطة بنّائي جنوب تكساس" (STBA)، وهي أكبر تحالف من نوعه في “وادي ريو غراندي” . وقد قرر هو وزملاؤه من قادة قطاع البناء أن السيل قد بلغ الزبى وأن الوضع لم يعد يطاق. ويقول: "لقد حان الوقت لرفع الصوت. الكثيرون خائفون جداً من رد فعل ترامب لدرجة أنهم يفضلون الصمت. لكن الصمت ليس من شيم الأميركيين؛ فإذا لم نكن قادرين على قول الحقيقة، فما الذي نفعله بحق الجحيم؟" وفي شهر تموز/يوليو، نظمت الرابطة بالتعاون مع "التحالف الأميركي للأعمال والهجرة" (American Business Immigration Coalition Action)، الذي يدعو إلى إصلاح شامل لنظام الهجرة - فعالية أطلقوا عليها اسم "تجمع في الوادي". وقد اختُتم هذا التجمع، الذي أقيم بالقرب من الحدود في مدينة فار بولاية تكساس، بتوجيه تحذير لترامب والحزب الجمهوري: إذا واصلتم ملاحقة أفرادنا، فستواجهون غضبنا.

يتولى بيني ميلينديز، مالك شركة إنشاءات صغيرة في ويسلاكو بولاية تكساس، مسؤولية العلاقات الحكومية لصالح "رابطة بنّائي جنوب تكساس" (STBA). ورغم أنه صوّت لصالح ترامب في عام 2024، إلا أن إدارة الهجرة والجمارك (ICE) احتجزت منذ ذلك الحين 10 من عماله. ونتيجة لذلك، تباطأت وتيرة مشاريع بناء المنازل التي ينفذها إلى النصف، كما ارتفعت تكلفة المنازل المكتملة بمقدار 30 ألف دولار أو أكثر عن أسعارها المعتادة.

وفي إطار مهامه في الضغط السياسي لصالح الرابطة، بدأ ميلينديز في جمع مقاطع فيديو التُقطت بالهواتف الذكية لمداهمات إدارة الهجرة والجمارك، ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. وتُظهر هذه المقاطع عناصر شرطة وعملاء من الوكالة ملثمين وهم يقتحمون مواقع البناء من دون أمر قضائي ويقبضون على العمال. وفي أحد المقاطع، يظهر عامل بناء وهو يلوذ بالفرار من الموقع بينما يلاحقه العملاء، في مشهد يشبه مطاردة كلاب الصيد لطريدتها. وفي مقطع آخر، يظهر شرطي وهو يقتاد عدداً من العمال وقد كُبّلت أيديهم خلف ظهورهم خارج أحد المواقع. ويهدد الشرطي قائلاً: "سنعود من أجل الرجال الموجودين على السطح"، مضيفاً بسخرية: "الجو حار هناك في الأعلى". فيرد أحد العمال: "لقد اعتدنا على ذلك، فهذا هو عملنا. وربما نكون نحن من بنينا منزلك".

إضافة إلى ذلك، أعدّ ميلينديز مقطع فيديو خاصاً به ليضيفه إلى تلك المجموعة، عبّر فيه عن غضبه الشديد، وهو الذي سبق له أن منح صوته لترامب في انتخابات سابقة. في بداية المقطع، يظهر ميلينديز وهو يرتدي قناعاً ويغطي جسده بزيّ تكتيكي أسود؛ ثم ينزع القناع ويلقيه أرضاً، قائلاً: "الجبناء وحدهم من يختبئون خلف الأقنعة". بعد ذلك، يخلع سترته الواقية الثقيلة ويستبدلها بصدريّة برتقالية من النوع الذي يرتديه عمّال البناء، مع خوذة واقية، ويضيف: "هذه هي الأدوات التي نحتاجها لجعل أميركا عظيمة مجدداً". وفي حديثه إلى صحيفة "الغارديان"، وصف ميلينديز ما تقوم به إدارة ترامب في منطقة "وادي ريو غراندي" بأنه يرقى إلى مستوى الأزمة الإنسانية، مشيراً إلى أن "كرامة مجتمعنا تتعرّض للانتهاك". 

وكان مسؤولو "رابطة بنّائي جنوب تكساس" (STBA) قد قرروا في وقت سابق من هذا العام إيصال هذه الرسالة مباشرة إلى إدارة ترامب؛ بحيث طالب وفدٌ مكوّن من 7 من قادة الرابطة - بينهم ميلينديز وكافازوس، إضافة إلى المدير التنفيذي للرابطة ماريو غيريرو- بعقد لقاء مباشر مع ممثلين عن وزارة الأمن الداخلي في واشنطن. أردت معرفة تفاصيل ذلك الاجتماع، لذا زرت غيريرو في مقر شركته للإنشاءات في إيدنبرغ بولاية تكساس. لم يكن هناك أدنى شك في ولاءاته؛ فقد طغت أعلام الولايات المتحدة وتكساس على مكتبه.

يصف غيريرو نفسه بأنه أميركي من أصل مكسيكي من الجيل الـ4، وبأنه وطني فخور؛ وقد صوّت لصالح ترامب في أعوام 2016 و2020 و2024. ويقول: "ربما أكون أميركياً أكثر من جي دي فانس، وأكثر من ماركو روبيو، وبالتأكيد أكثر أميركيةً من ذلك اللعين ستيفن ميلر". لقد صوّت لترامب لأنه كان مستاءً من الأعداد القياسية للمهاجرين غير القانونيين الذين عبروا الحدود في عهد جو بايدن، ولأنه اعتقد أن ترامب، بصفته رجل أعمال، سيعمل على تعزيز اقتصاد المنطقة. لكنه شعر بخيبة أمل منذ عودة ترامب، بسبب ارتفاع الأسعار، واحتجاز الإدارة الأميركية لعدد من المهاجرين المجتهدين الذين يحترمون القانون. أخبرني غيريرو بما حدث عندما انضم إلى وفد "رابطة بنّائي جنوب تكساس" (STBA) في رحلتهم إلى العاصمة واشنطن؛ إذ مُنحوا 15 دقيقة فقط للتحدث أمام كبار مسؤولي وزارة الأمن الداخلي، الذين جلسوا بملامح جامدة على أحد جانبي طاولة طويلة مصنوعة من خشب الماهوجني.

كانت إدارة الهجرة والجمارك تنشر الرعب في أرجاء الوادي، وهو ما دفع أبناء تكساس، الذين اصطفوا في الجانب المقابل، إلى بدء الحديث. فقد كان العملاء يقتحمون مواقع البناء من دون مذكرات قضائية، ويعتقلون أشخاصاً يحملون تصاريح عمل، ويستخدمون سيارات دفع رباعي غير مميزة لملاحقة شاحنات الخرسانة، ثم يقتادون جميع العمال بعيداً بينما كانوا يصبون الأساسات. وقبيل انتهاء الوقت المخصص، أُتيحت الفرصة لأبناء تكساس للإدلاء بكلماتهم الختامية. فاغتنم غيريرو هذه اللحظة، وثبّت نظره مباشرة في عيني المسؤول البارز في الإدارة الذي كان يجلس في الجهة المقابلة من الطاولة، وأخبره بأنه صوّت لصالح ترامب في كل مرة ظهر فيها اسمه على بطاقة الاقتراع. وقال له: "يا رجل، نحن لا نحصل على ما صوّتنا من أجله. أنتم تدركون دناءة ما تفعلونه. وإذا استمررتم على هذا المنوال، فإن إدارتكم ستخسر حتماً". 

نقله إلى العربية: زينب منعم.