"الغارديان": جنوب السودان تحت نيران القتال.. والمستشفيات تئنّ من الجرحى

إصابات بالأعيرة النارية وشظايا الانفجارات، وحاجة مستمرة إلى الدم.. جولة داخل أقسام الطوارئ والجراحة المكتظة بالمصابين في جنوب السودان.

0:00
  • جناح في مستشفى جوبا العسكري مخصص للمصابين بسبب القتال في السودان.
    جناح في مستشفى جوبا العسكري مخصص للمصابين بسبب القتال في السودان.

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يتناول تداعيات تجدد القتال في جنوب السودان على القطاع الصحي، ولا سيّما الضغط المتزايد على المستشفيات والطواقم الطبية التي تعالج ضحايا الاشتباكات المسلحة، في ظل تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية والمعارضة، وتفاقم الأزمة السياسية.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

بحلول الساعة الـ11 من صباح يوم الخميس الماضي، كان الدكتور سلوبودان ميروسافليف قد عالج مريضين يعانيان من إصابات حرجة في المستشفى العسكري بجوبا. وعلى الرغم من أن اليوم لم يكن قد انتصف بعد، إلا أن الجرّاح لم يستطع التنبؤ بالمدة التي سيقضيها داخل أروقة المسشفى؛ فقد يصل في أي لحظة مريض مصاب بطلق ناري في البطن أو الرأس أو الصدر من دون سابق إنذار، أو قد تنقل مروحيةُ عدداً من المصابين بجروح خطيرة من منطقة أخرى في جنوب السودان، أو قد يؤدي وقوع حادث يسفر عن إصابات جماعية إلى امتلاء الأقسام بالمرضى في غضون ساعات.

لقد أصبحت حالة عدم اليقين جزءاً من طبيعة العمل بالنسبة للدكتور ميروسافليف وزملائه في هذا المستشفى، حيث تدعم "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" (ICRC) إجراء عمليات جراحية لضحايا أصيبوا بأعيرة نارية جراء تجدد القتال بين الجيش - المعروف باسم "قوات دفاع شعب جنوب السودان" (SSPDF) - وبين "الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة" (SPLM-IO) الموالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار، إلى جانب الجماعات المتحالفة معها. وقد أدى هذا الصراع إلى زيادة الطلب على الرعاية الجراحية، الأمر الذي شكل عبئاً ثقيلاً فاق قدرة النظام الصحي - المتهالك أصلاً والذي يفتقر إلى الموارد الكافية - في أحدث دولة في العالم. كما تصاعدت حدّة القتال خلال العام الماضي، لا سيما في ولاية جونقلي - معقل المعارضة - في ظل أزمة سياسية تفاقمت بسبب تهميش الرئيس سلفا كير لمنافسه رياك مشار.

كان مشار وكير عضوين بارزين في "الجيش الشعبي لتحرير السودان"، وهي حركة متمردة مسلحة ناضلت من أجل الاستقلال عن السودان - وهو ما تحقق بالفعل عام 2011 - حيث تولى كير منصب الرئيس بينما أصبح مشار نائبه الأول. وقد انزلقت جنوب السودان إلى أتون حرب أهلية دامية عام 2013، عقب إقالة كير لمشار واتهامه لاحقاً بالتخطيط للانقلاب عليه. وعلى إثر ذلك، أسس مشار "الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة" (SPLM-IO)، التي خاضت مواجهات ضارية ضد الجيش النظامي خلال الحرب الأهلية، التي تسببت في مقتل أكثر من 400 ألف شخص وتهجير زهاء نصف سكان البلاد. وقد دارت رحى القتال بصفة أساسية على أساس خطوط فرز إثنية وعرقية بين قبيلة "الدينكا" التي ينتمي إليها سلفا كير وتمثل الأغلبية، وقبيلة "النوير" التي ينتمي إليها مشار وتعد ثاني أكبر مجموعة عرقية في البلاد. وفي عام 2018، وقّع كير ومشار اتفاق سلام وضع حداً للحرب الأهلية، وأرسى دعائم حكومة وحدة وطنية تضم الطرفين، ممهداً الطريق لعودة مشار إلى منصبه نائباً للرئيس. بيد أن تطبيق بنود الاتفاق لم يحرز أي تقدّم يُذكر، في ظل الخلافات والنزاعات المستمرة بين الجانبين حول تقاسم السلطة. 

بعد ذلك، تجدد الصراع إثر هجوم دامٍ شنّته منظمة "الجيش الأبيض" - وهي جماعة متمردة كانت متحالفة مع مشار خلال الحرب الأهلية - على حامية حكومية في مقاطعة ناصر بولاية أعالي النيل في آذار/ مارس 2025. وأسفر هذا الهجوم عن توجيه اتهامات لمشار بالقتل، والخيانة العظمى، والجرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن جرائم خطيرة أخرى على خلفية تلك الواقعة؛ الأمر الذي دفع الرئيس سلفا كير إلى تعليق مهامه وإيقافه عن ممارسة صلاحيات منصبه. وقد أدت هذه الإجراءات إلى تأجيج حالة الاضطراب والاحتقان في البلاد؛ إذ يرى أنصار مشار أن الاتهامات الموجهة إليه ذات دوافع سياسية كيدية، بينما يحذر مراقبون من أنها قد تقوّض اتفاق السلام وتزج بالبلاد -المقبلة على انتخابات في كانون الأول/ ديسمبر- في أتون حرب أهلية شاملة.

وقد تزامنت هذه الأحداث أيضاً مع تصاعد حدّة القتال بين الميليشيات والقوات الحكومية في مناطق متفرقة من البلاد، ما أسفر عن سقوط المئات وتهجير أكثر من 200 ألف شخص. وفي الشهر الماضي، أعربت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان عن قلقها البالغ إزاء استمرار العنف المتجدد والتوترات السياسية في تعريض حياة المدنيين للخطر. وصرّحت ياسمين سوكا، رئيسة اللجنة، قائلةً: "مع كل زيارة، نواصل الاستماع إلى شهادات أشخاص يتحملون تبعات العنف والنزوح وانعدام الأمن، فضلاً عن عواقب تقاعس من تقع على عاتقهم مسؤوليات سياسية وأمنية عن منع هذه الأضرار ومعالجتها".

وفي المستشفى العسكري في جوبا، كان المرضى والعاملون في المجال الطبي والزوار يتنقلون بين الأقسام مع حلول موسم الأمطار في البلاد؛ حيث اختلطت أصوات الخطى وحفيف عربات المستشفى والمحادثات المتسارعة بطنين مراوح السقف المتواصل ورائحة مواد التعقيم. وجلس بعض المرضى - ممن يتعافون من إصابات بأعيرة نارية - على طول الممرات المسقوفة، بينما كان آخرون ينتظرون مستندين إلى عكازات، في حين كان مرضى آخرون  شارفوا على التعافي يؤدون تمارين إعادة التأهيل الصباحية.

ومع اشتداد رقعة القتال وتصاعد المواجهات، يتوجب على هذه المنشأة الطبية الاستعداد التام لاستقبال مصابي الأسلحة والنزاعات في أي لحظة؛ ممّا يعني للفرق الجراحية أنه لا وجود لمفهوم "يوم العمل المنتظم أو المتوقع". وفي هذا الصدد، أوضح ميروسافليف أنه قبل حلول منتصف النهار، كانوا قد عقدوا اجتماعهم الصباحي، واستمعوا إلى تقارير فريق النوبة الليلية، وفحصوا الحالات الحرجة في وحدة العناية الفائقة والمتوسطة (High dependency unit)، ثم باشروا إجراء العمليات الجراحية. 

يعمل الجراح الصربي في المستشفى منذ آب/ أغسطس 2025؛ حيث يجري عمليات جراحية لبعض المرضى الذين يعانون من إصابات بالغة الخطورة، إلى جانب إشرافه على الفرق الجراحية. وعادةً ما يبدأ يومه قبل الساعة الـ8 صباحاً بجلسة إيجاز، تليها جولات تفقدية للمرضى في الأجنحة، وتقديم استشارات طبية، واستقبال حالات طارئة، وإجراء عمليات جراحية. وفي الأيام العادية، تنتهي العمليات في وقت مبكر من المساء، إلا أنها قد تمتد لساعات متأخرة من الليل عند وصول مصابين بجروح حرجة. وإلى جانب ضحايا العنف السياسي، تشمل قائمة المرضى الوافدين إلى المستشفى مصابي النزاعات القبلية والمواجهات العرقية المسلحة المرتبطة بالنزاع على الماشية. وخلال النصف الأول من هذا العام، أجلت "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" 266 جريحاً من مناطق الصراع ونقلتهم إلى المستشفى. وتتمثل غالبية الحالات في إصابات بأعيرة نارية، بينما تشمل الحالات الأخرى إصابات طعن وكسوراً وإصابات ناجمة عن انفجارات. وقد قدّر "ميروسافليف" أن حالة واحدة من بين كل 10 حالات تنطوي على إصابات خطيرة في الرأس، بما في ذلك اختراق الرصاص للجمجمة.

بالنسبة للأطباء الجراحين، تترجم هذه الأرقام إلى صراع يومي ضد فقدان وحدات الدم والعدوى وتضرر الأعضاء الحيوية. ويحتاج بعض المرضى إلى إجراء عدد من العمليات الجراحية. ويقول ميروسافليف إن الطواقم الطبية تستقبل أسبوعياً ما لا يقل عن حالتين أو 3 حالات إصابة "معقدة للغاية" ناجمة عن طلقات نارية أو انفجارات في منطقتي الصدر والبطن، وتتطلب إجراء جراحات متعددة. وبالنسبة لهؤلاء المرضى، لا تعد الجراحة سوى البداية؛ إذ "يحتاجون إلى كميات هائلة من وحدات الدم وإلى الكثير من الدعم والرعاية الطبية المركزة". وتُعد وحدات الدم من أكثر الموارد الحيوية ندرةً في وحدة علاج الإصابات البليغة؛ فقد يتوفر لدى المستشفى نحو 15 وحدة دم، مع قدرة استيعابية قد تصل أحياناً إلى 20 وحدة، في حين قد يحتاج مريض واحد مصاب بجروح خطيرة إلى نصف هذه الكمية المتاحة.

وأمام هذا الواقع، تبذل الفرق الطبية وإدارة المستشفى جهوداً مضنية لتأمين المتبرعين، معتمدين في كثير من الأحيان على أقارب المرضى وذويهم، إلى جانب بنك الدم الوطني في "جوبا". إلا أنّ الحفاظ على إمدادات مستدامة وموثوقة من الدم يظل أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد. وقد تكون العواقب وخيمة عند وصول عدد كبير من المصابين دفعة واحدة. وفي هذا السياق، أفادت روز أوتشينغ، منسقة الشؤون الصحية في "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" بجنوب السودان، بأن قسم الجراحة في مستشفى "جيادا" العسكري كان يعمل بما يتجاوز 160% من طاقته الاستيعابية للأسرّة خلال ذروة التصعيد الأخيرة هذا العام. وقالت: "نحن نبذل قصارى جهدنا لمواكبة الأوضاع، وذلك من خلال إضافة أسرّة إضافية وتوظيف المزيد من كوادر العلاج الطبيعي والتأهيل. غير أن الطلب يتزايد بوتيرة تفوق قدرة خدمات علاج الإصابات، والمدنيون العالقون في خضم القتال هم من يدفعون الثمن".

وبالنسبة لمبارك جمال، الممرض في قسم الطوارئ، تبدأ رحلة الترقب وعدم اليقين مع كل صباح. ينحدر جمال من ولاية الاستوائية الوسطى ويعمل في المستشفى منذ عام 2024. ويضم قسم العيادات الخارجية عدداً محدوداً من الأسرّة؛ إذ يستقبل القسم في الأيام العادية زهاء 30 مريضاً، قد يكون ما بين 7 و10 منهم مصابين بجروح ناجمة عن أسلحة. ويقول جمال إن الأيام العادية قد تنقضي بسرعة، مستذكراً أنهم استقبلوا أكثر من 93 مريضاً في يوم واحد خلال آخر حادثة أسفرت عن إصابات جماعية. وتتمثل مسؤوليته في ضمان جاهزية قسم الطوارئ للتعامل مع أي حالات قد تصل أثناء الليل؛ ويشمل ذلك إعادة توفير المستلزمات، ومعرفة الطاقم المناوب ليلاً، وآليات التنسيق مع الزملاء في غرف العمليات والأقسام الأخرى.

كما أن النجاة لا تعني نهاية العلاج. فبالنسبة لأخصائي العلاج الطبيعي لوتو تشارلز، يكمن المعيار الحقيقي للتعافي في قدرة المريض على العودة إلى منزله في نهاية المطاف والعيش باستقلالية.

ينحدر تشارلز من ولاية شرق الاستوائية، ويعمل في المستشفى منذ عام 2016، بحيث تتركز مهام عمله إعادة تأهيل المصابين والجرحى؛ إذ يتعافى عدد كبير من مرضاه من إصابات ناجمة عن أعيرة نارية. ويشير تشارلز إلى حالات أخرى قائلاً: "هناك مرضى يعانون من كسور متعددة، وآخرون مصابون بتلف في الأعصاب أو انهيار رئوي، فضلاً عن مرضى طريحي الفراش ممن يعانون من إصابات واسعة النطاق في الأنسجة الرخوة تجعلهم غير قادرين على الحركة". وتشمل طبيعة عمله وضع الجبائر للأطراف المكسورة، ومتابعة المرضى الخاضعين للعلاج بالشد (traction)، ومساعدتهم على استعادة القوة العضلية والقدرة على الحركة. وفي أحد أيام الشهر الماضي، على سبيل المثال، قدم تشارلز الرعاية لـ5 مرضى: تطلبت حالة أحدهم إزالة الجبيرة وتعديلها ثم إعادة وضعها، واحتاج مريض آخر إلى تمارين لاستعادة حركة المفصل في الركبة، في حين تمت مساعدة مريض طريح الفراش على النهوض من سريره للمرة الأولى.

بالنسبة لتشارلز، تكمن المكافأة الحقيقية في اللحظة التي يغادر فيها المريض المستشفى سيراً على الأقدام، بعد أن كان قد وصل إليه محمولاً على نقالة. ويقول: "هذا المشهد يمنحني دافعاً قوياً ويحثني على الاستمرار في عملي، إذ يشعرني بأنني أقدم مساهمة حقيقية لخدمة مجتمعي". أما بالنسبة لميروسافليف، فهذا ما يجعل الأيام الشاقة تستحق العناء؛ إذ يقول: "إنه شعور رائع حين تنجز عملك وتساعد الناس على النجاة من موت محقّق ومغادرة المستشفى سيراً على الأقدام".

نقلته إلى العربية: زينب منعم.

منتصف نيسان/أبريل 2023 تندلع مواجهات عنيفة في الخرطوم وعدة مدن سودانية، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وتفشل الوساطات في التوصل لهدنة بين الطرفين.