في ضوء الحرب على إيران.. غوتيريش: على القوى العظمى إدراك حدود قوتها
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يرى أنّ الحرب على إيران كشفت أنّ قدرة القوى العظمى على فرض إرادتها أو قوتها أو جبروتها في العديد من المواقف قد تقلّصت بشكل كبير.
-
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش
أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أنّ الجمود الأميركي مع إيران والحرب المتعثّرة في أوكرانيا قد كشفا عن الحدود الصارخة لقوة القوى العظمى، رافضاً فكرة أن تتضاءل مكانة الأمم المتحدة في عالم متعدّد الأقطاب.
وفي مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية لمناسبة اقترابه من نهاية عقد من الزمن في منصبه، قال غوتيريش:"حان الوقت لكي تدرك القوى العظمى حدود قوتها. إذا نظرنا إلى ما حدث مؤخّراً، نجد أنّ قدرة القوى العظمى على فرض إرادتها أو قوتها أو جبروتها في العديد من المواقف قد تقلّصت بشكل كبير".
ودعا غوتيريش إلى التدقيق في العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، حيث "أملت واشنطن باستسلام طهران، لكن بعد 6 أشهر ما زال النظام الإيراني صامداً، وقد أغلق مضيق هرمز".
ودعا القوى العظمى لإدراك أنّ الأمور تتغيّر، واصفاً النكسات بأنها جزء من التحوّل من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة إلى عالم متعدّد الأقطاب.
مجلس الأمن "شبه مشلول"
وفي ظلّ الأزمة المالية التي تعاني منها الأمم المتحدة، وانخفاض الروح المعنوية، والانقسامات بين القوى العظمى، حذّر الأمين العامّ من أنّ النظام متعدّد الأقطاب قد ينزلق إلى المواجهة ما لم تتكيّف المؤسسات العالمية معه.
ورفض غوتيريش فكرة أنّ "مجلس السلام"، الذي أسسه الرئيس دونالد ترامب، يمكن أن ينافس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، معترفاً بفشل "مجلس السلام" في إحراز تقدّم في غزة.
"مع كلّ الصعوبات التي قد تواجه الأمم المتحدة، فإنّ الحقيقة هي، إذا نظرنا إلى ما يحدث في غزة، وإلى الإجراءات التي اتُخذت وإلى التقدّم الذي أُحرز، فلنكن صريحين، ليس من شأن الأمم المتحدة أن تقلق. بل من شأن الآخرين أن يقلقوا بشأن ما يفعلونه".
واعترف غوتيريش بصعوبة التوسّط في حروب أوكرانيا وغزة وإيران، ووصف مجلس الأمن بأنّه "شبه مشلول"، متهماً واشنطن وموسكو بعرقلته.
وأشار غوتيريش إلى أنّه جرى تهميش الأمم المتحدة في الحرب في السودان، معتبراً أنّ جهات خارجية "استغلّت حالة الجمود في مجلس الأمن للتدخّل في القتال".
وقال: "يسود الآن شعور بالإفلات من العقاب. لقد تضاءلت قدرتنا على التأثير بشكل كبير" بسبب عدم وجود مجلس أمن قادر على إخبار الدول بأنه يجب عليها أن تلتزم بقواعد السلوك وإلا ستُعاقب".
ونقلت الصحيفة البريطانية أنّ غوتيريش أعرب في جلسات خاصة عن مخاوفه من احتمال تقلّص سلطة الأمم المتحدة ونطاق عملها في المستقبل.
المشكلة تكمن في العلاقة مع واشنطن
وذكرت "فايننشال تايمز" أنّ غوتيريش، كما هو حال العديد من أسلافه الثمانية، وجد أنّ مشكلته الأكبر تكمن في علاقته مع الولايات المتحدة. وتتسم علاقته مع ترامب بالتوتر ولم يتحدّث معه إلا نادراً. لكنّ غوتيريش تحدّث عن "تعاونٍ بعيداً عن الأضواء".
وقد عملت إدارة ترامب على سحب دعمها لمنظمة الصحة العالمية ووكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة، وأوقفت تمويل عشرات العمليات الأممية.
وبحسب الأمم المتحدة فإنها مدينة بأكثر من ملياري دولار متأخّرة لميزانيتها، وثلاثة مليارات دولار لعمليات حفظ السلام، على الرغم من أنّ واشنطن أشارت إلى نيّتها صرف 725 مليون دولار من الميزانية. وقد أدّت تخفيضات الميزانية إلى فقدان آلاف الوظائف.
وقال غوتيريش، بشأن ضغوط الميزانية: "اعتقد كثيرون أنّ العديد من وكالات الأمم المتحدة ستنهار. لم ينهر شيء. بالطبع تقلّص حجمنا. هل الوكالات على وشك الانهيار؟ كلا، لأننا كنا منظّمين بطريقة سمحت لنا بالتكيّف بسرعة".
وأضاف أنّه "مع وجود حجم هائل من المتأخّرات، يبلغ نحو 4 مليارات دولار، نستطيع مواصلة أنشطتنا. في ميزانية عام 2026، خفضنا عدد الوظائف بنسبة 22%. لا أعرف أيّ مؤسسة عامة في العالم فعلت ذلك".
وتابع: "خفضنا العام الماضي عدد الجنود في عمليات حفظ السلام بنسبة 25%. استطعنا تقليص هذه القوات وحدةً تلو الأخرى".
مجلس الأمن قد يتكيّف مع القوى المختلفة في العالم
وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أنّ عقد غوتيريش كأمين عامّ تزامن مع صعود مستوى جديد من "القوى المتوسطة" كفاعلين ذوي نفوذ متزايد على الساحة العالمية، بما في ذلك عمالقة الجنوب العالمي، مثل الهند، ودول الخليج "الغنية".
وفي هذا الإطار، رأى غوتيريش أنّ هذا الاتجاه إيجابي ومن شأنه أن يؤدّي إلى تغيير الهيئات العالمية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، و"أخيراً لتعكس العالم اليوم بدلاً من العالم الذي تمّ إنشاؤه عام 1945".
في المقابل، نبّه إلى ضرورة التعامل مع هذا التحوّل بحذر شديد. فـ"إذا لم تسارع القوى العالمية إلى جعل هذه الهيئات تعكس العالم المتغيّر، يكمن الخطر في أن يؤدّي تعدّد الأقطاب إلى مزيد من التنافس، وفي نهاية المطاف إلى مزيد من المواجهة".
ولفت غوتيريش إلى أنّ امتلاك ثلاثة من أصل خمسة أعضاء في مجلس الأمن لحقّ النقض من أوروبا أمر غير مستدام. "في النهاية، لا بدّ أن يسود الواقع على أرض الواقع. وسيكون من المحتّم أن يتكيّف مجلس الأمن مع الثقل النسبي للقوى المختلفة في العالم".
وفي الوقت عينه، أقرّ بصعوبة الاتفاق على أعضاء دائمين جدد في مجلس الأمن بعد إصلاحه. وقال: "السلطة لا تُمنح، بل تُنتزع. والسؤال هو: كيف يمكننا تنظيم المجتمع لخلق الظروف اللازمة لانتزاع هذه السلطة؟".