خطر المجاعة الجديد يلوح في الأفق في السودان بسبب الجفاف الناجم عن "إل نينيو"

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب أثار هدوءٌ نسبيٌّ في القتال آمالاً بأن يُخفّف محصولٌ وفيرٌ من حدة الجوع في السودان. لكنّ ظاهرة "إل نينيو" جلبت جفافاً مدمّراً وفي بعض المناطق أدت إلى أدنى معدل هطول للأمطار منذ عام 1984.

  • سوق للمواشي في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان السودانية (رويترز)
    سوق للمواشي في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان السودانية (رويترز)

في جميع أنحاء السودان، يكافح المزارعون من أجل حصاد محاصيلهم منذ اندلاع الحرب في عام 2023 عدواً جديداً قد يغرق البلاد مرة أخرى في المجاعة: الطقس.

ظاهرة "إل نينيو"، وهي نمط مناخي يهدّد أجزاء من أفريقيا بالفيضانات، تجلب درجات حرارة أعلى وجفافاً إلى السودان، حيث ظهرت بالفعل جيوب من المجاعة خلال أكثر من ثلاث سنوات من الصراع، وخاصة في المناطق المحاصرة.

وتُلحق ظروف الجفاف أضراراً بالغة بالمحاصيل والثروة الحيوانية في جميع أنحاء المنطقة الجنوبية، حيث تُنتج الزراعة المعتمدة على الأمطار معظم غذاء السودان، وذلك وفقاً لمسؤولين في الأمم المتحدة وخبراء في مجال الإغاثة، إلى جانب أكثر من عشرين مزارعاً قابلتهم وكالة "رويترز". ويتوقّع أحد كبار المزارعين أن يكون محصوله ربع محصول العام الماضي.

تحذيرات من تزايد المجاعة

وكتبت منظمة "مراقبة الجوع العالمية"، المدعومة من الأمم المتحدة، في تنبيه صدر في 12 تشرين الأول/أكتوبر، أنه "يتزايد خطر المجاعة في العديد من المناطق المتضررة من النزاعات في السودان، مع تأثير الجفاف الناجم عن ظاهرة "إل نينيو" الذي يزيد من حدّة الأوضاع المتردّية بالفعل".

وقد أظهرت بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أنّ معدّل هطول الأمطار خلال الفترة من تموز/يوليو إلى أيلول/سبتمبر، ذروة موسم الأمطار، كان الأدنى منذ أكثر من ثلاثة عقود في جميع أنحاء البلاد. 

ففي ولاية شمال دارفور غرب البلاد، كان هذا المعدل الأدنى منذ عام 1984، وهو العام نفسه الذي شهد مجاعة اجتاحت السودان وإثيوبيا. أما في ولاية شمال كردفان وسط البلاد، فكان المعدل الأدنى منذ عام 1990، بينما في ولاية القضارف جنوب شرق البلاد، كان الأدنى منذ عام 1991.

وفي حزيران/يونيو، أفاد نظام "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" أنّ 5.1 ملايين شخص في السودان يواجهون جوعاً شديداً. ويعمل النظام حالياً على تحديث هذه الأرقام. وكان من المتوقّع أن تنخفض هذه الأرقام مع بدء موسم الحصاد في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر، مدعومةً بانخفاض حدّة القتال في بعض المناطق. إلا أنّ الجفاف الناجم عن ظاهرة "إل نينيو" يُتوقّع الآن أن يرفعها.

350 ألف شخص إضافي يعانون من الجوع

ويتوقّع برنامج "الأغذية العالمي" التابع للأمم المتحدة أن يعاني 350 ألف شخص إضافي من الجوع الشديد بحلول نهاية 2026، ليرتفع العدد إلى 1.2 مليون شخص إضافي بحلول آب/أغسطس 2027، حسبما صرّح رئيس برنامج الأغذية العالمي في السودان، صامويل كليندون، لوكالة "رويترز"، مستشهداً بأرقام تمّت مشاركتها مع المانحين ولكن لم يتمّ نشرها على نطاق واسع. وقال برنامج الأغذية العالمي إنّ المناطق الأكثر تضرّراً هي دارفور ومنطقة كردفان.

وركّز برنامج "الأغذية العالمي" على إيصال الغذاء إلى 5 ملايين شخص من أشدّ الناس احتياجاً، لكنه يقول إنه لا يستطيع الوصول إليهم جميعاً. أما بالنسبة لمن يستطيع الوصول إليهم، فقد خفّض البرنامج حصصهم الغذائية لترشيد استخدام الموارد المحدودة.

وحتى 17 تشرين الأول/أكتوبر، كان لدى برنامج "الأغذية العالمي" 276 مليون دولار لتمويل عملياته في السودان، أي أقل من نصف ميزانية العام الماضي. ويقول البرنامج إنه يحتاج إلى 134 مليون دولار إضافية لمواجهة الجوع الناجم عن الجفاف. وقال كارل سكو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية، لـ"رويترز"، إنّ انخفاض كلّ من المساعدات والمحاصيل في آن واحد هو "وصفة لكارثة".

تراجع المساعدات يفاقم الأزمة الإنسانية

وبحسب سكا، فقد تمّ تخفيض حصص الإعاشة إلى النصف في مخيم "الطويلة"، وهو مخيم مترامي الأطراف في دارفور يضم نحو 700 ألف شخص نزحوا بسبب الحرب، حتى مع قول عمال الإغاثة إنّ 9000 شخص آخرين وصلوا بين بداية أيلول/سبتمبر ومنتصف تشرين الأول/أكتوبر.

كما أدّت ولاية القضارف دوراً حاسماً في إمدادات الغذاء للسودان خلال الحرب لأنها نجت من القتال، لكنها لم تسلم من الجفاف. وأظهر مرصد "رويترز" للمناخ أنّ درجات الحرارة في القضارف تراوحت بين 7 و9 درجات فوق المتوسط ​​التاريخي ليوم 20 تشرين الأول/أكتوبر. في حين قلّلت الحكومة السودانية من شأن التهديد الذي يواجه الإمدادات الغذائية. وصرّح وزير الزراعة السوداني، عصمت قريشي، في مؤتمر صحفي عقده في 8 تشرين الأول/أكتوبر في الخرطوم، بأنّ محصول هذا العام سيكون أقل، ولكنه "لن يكون أقل بكثير من محصول العام الماضي".

وعند سؤاله عن الجفاف، قال رئيس هيئة المساعدات الإنسانية التابعة لمنظّمة دعم اللاجئين، عبد الرحمن إسماعيل، لوكالة "رويترز": "لقد بذلنا جهوداً لتنسيق ودعوة استجابة مبكرة، ونعتقد أنه بإمكاننا فعل المزيد إذا تمّ توفير الموارد والقدرات اللازمة". 

ويعني الجفاف أنّ هناك القليل من الراحة لدولة لها تاريخ من الأزمات الإنسانية، بما في ذلك مجاعة عام 1984 التي أودت بحياة مئات الآلاف من الناس في جميع أنحاء المنطقة.

وقال خبير المجاعة، أليكس دي وال، إنّ "الوضع اليوم أسوأ بكثير من معظم النواحي بسبب الصراع"، مضيفاً أنه في ثمانينيات القرن الماضي حشد العالم موارد المساعدات، بينما تمّ الآن تقليص ميزانيات المساعدات الدولية.

اقرأ أيضاً:"إل نينيو" يهدد شرق أفريقيا وآسيا بفيضانات وأوبئة وموجات نزوح جديدة