فايننشل تايمز: أزمة الدين الأميركي تبدأ بالضغط على طفرة الذكاء الاصطناعي

"فايننشل تايمز" ترى أن تضخم الدين الأميركي بدأ يُظهر تأثيرات ملموسة عبر ارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض، محذرةً من أن تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستوى 5% قد يهدد طفرة الذكاء الاصطناعي.

  • بورصة نيويورك
    بورصة نيويورك "أرشيف"

أشارت صحيفة "فايننشل تايمز" البريطانية، إلى أن تضخم الدين الأميركي بدأ يُظهر تأثيرات ملحوظة، بعدما أدى إلى موجة بيع عالمية في السندات الحكومية الشهر الماضي، مشيرةً إلى أن "أول تأثير ملموس للأزمة قد يتمثل في إعاقة ارتفاع أسعار الفائدة على السندات الأميركية لازدهار الذكاء الاصطناعي".

وأوضحت الصحيفة، في مقال نشر على صفحاتها، اليوم الاثنين، إلى أن "التحذيرات المتشائمة بشأن تزايد ديون الولايات المتحدة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت الحكومة الأميركية تعاني عجزاً مستمراً في الميزانية.

وفي هذا السياق، أشارت "فايننشل تايمز" إلى أنه، على امتداد 300 عام، "لم تنتهِ أي فقاعة اقتصادية كبيرة إلا عندما ارتفعت تكاليف الاقتراض بصورة ملحوظة للشركات التي تشكل جوهرها، بما في ذلك سلسلة انهيارات السكك الحديدية في القرن التاسع عشر. أما خلال القرن الماضي، مع عصر البنوك المركزية الحديثة، فانفجرت جميع الفقاعات الكبيرة بعد رفع البنوك المركزية أسعار الفائدة على القروض قصيرة الأجل بصورة حادة".

إلا أن الوضع هذه المرة يختلف في جانب جوهري، تضيف الصحيفة، "إذ كانت الشركات، خلال فترات ازدهار السوق، تبدأ عادةً بالاقتراض بكثافة لتعزيز استثماراتها في المشاريع الرائجة، فيما كانت الظروف الاقتصادية المزدهرة تؤدي إلى تضخم الأسعار وارتفاع أسعار الفائدة وصولاً إلى انفجار الفقاعة، قبل أن تتدخل الحكومات لتتولى ديون الشركات المتضررة وتقترض لتحفيز الاقتصاد المتعثر".

أما خلال العقود الأخيرة، "فتحول دور الحكومة إلى تقديم حوافز مستمرة حتى في أوقات الرخاء، واستمر تراكم الديون بوتيرة متسارعة بعد عام 2008. وفي العقد الحالي، سجلت الولايات المتحدة باستمرار عجزاً في الميزانية بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف متوسط العقود السابقة".

شركات الذكاء الاصطناعي تراكم ديونها

وفي المقابل، "تجنبت الأسر والشركات خلال معظم هذه الفترة تحمل ديون جديدة كبيرة"، وفق الصحيفة، التي أشارت إلى أن "شركات التكنولوجيا العملاقة لم تبدأ في تراكم الديون إلا العام الماضي، بهدف تمويل التوسع الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مع تناقص فوائضها النقدية، فيما لا تزال مستويات ديونها ضمن الحدود المقبولة بالنسبة إلى شركات بهذا الحجم. وبذلك، تراكمت مبالغ الاقتراض المفرطة في الدورة الحالية حتى الآن على دفاتر الحكومة، حيث تبدأ المشكلات مع تعمق هذه المبالغ".

وفي مؤشر على تصاعد الضغوط، ذكرت "فايننشل تايمز" أن "مدفوعات فوائد الدين العام تضاعفت خلال السنوات الخمس الماضية لتتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم قياسي جديد في الولايات المتحدة وأسرع زيادة إلى أعلى مستوى بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى".

وأضافت أن تزايد القلق بشأن المالية العامة، إلى جانب عوامل أخرى من بينها ارتفاع أسعار الطاقة، "أدى إلى زيادة عوائد السندات الحكومية عالمياً، فيما ترفع أسعار الفائدة تكاليف الاقتراض لشركات الذكاء الاصطناعي، التي تشكل الحصة الأكبر من إصدارات ديون الشركات الجديدة".

وفي ما يتعلق بتداعيات ذلك على قطاع الذكاء الاصطناعي، أشارت الصحيفة إلى أن "الطفرة الحالية تحمل العديد من سمات الفقاعة، لكنها قد تستمر في التضخم حتى تصل أسعار الفائدة إلى مستويات باهظة. ووفق الأبحاث التي استند إليها المقال، فإن المؤشر الذي ينبغي مراقبته هو عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، باعتباره المعيار العالمي لتكاليف الاقتراض طويل الأجل، والذي يبلغ حالياً 4.8%".

وتزداد أهمية هذه الضغوط، وفق الصحيفة، في ظل "تقدير الإيرادات السنوية المتوقعة من استخدام الذكاء الاصطناعي بنحو 200 مليار دولار هذا العام، مقابل أكثر من تريليون دولار تنفقها الشركات على مراكز البيانات والبنية التحتية الأخرى". وأشارت إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد بصورة متزايدة على إصدارات السندات والأسهم الجديدة لسد هذه الفجوة، فيما من شأن تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 5% أن يبطئ كلا المسارين، وأن يجعل العائد أعلى من عائد أرباح سوق الأسهم الأميركية، الذي لطالما شكل عائقاً أمام نمو الأسهم.

ارتفاع عائد السندات يضعف الأسواق الصاعدة

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ لفتت "فايننشل تايمز" إلى أن استمرار عائد السندات لأجل 10 سنوات فوق 5% سيجعل معدل الفائدة الذي تدفعه الولايات المتحدة على ديونها يتجاوز قريباً معدل النمو الاسمي المتوقع لاقتصادها، ما يجعل الدين أقل استدامة بكثير.

كما أشارت إلى أهمية وتيرة ارتفاع العوائد، موضحةً أنه إذا "تجاوز العائد مستوى 5% بحلول تشرين الثاني/نوفمبر، فسيكون قد ارتفع بأكثر من 75 نقطة أساس خلال ستة أشهر، فيما أدت ارتفاعات حادة مماثلة تاريخياً إلى إنهاء الأسواق الصاعدة".

وفي مقابل هذه المخاوف، نقلت الصحيفة عن بعض المحللين رؤيتهم أن بلوغ هذا المستوى قد يمثل عودةً إلى حقبة شبيهة بتسعينيات القرن الماضي، حين شهدت الولايات المتحدة نمواً قوياً وعوائد مجزية في سوق الأسهم، مع بقاء عائد السندات لأجل 10 سنوات فوق 5% طوال تلك الفترة.

إلا أن فايننشل تايمز أشارت إلى اختلاف الوضع المالي الحالي، إذ انتهى ذلك العقد بفائض في ميزانية الحكومة الأميركية، بينما تضخم العجز بصورة كبيرة منذ ذلك الحين، وتضاعف الدين العام ثلاث مرات تقريباً ليصل إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجةً لذلك، أصبحت تكاليف خدمة الدين أعلى بكثير، ما يعني أن ارتفاع تكاليف الاقتراض العام سيضيق الخناق على المقترضين الآخرين في وقت أسرع، وسيؤثر بشدة في أسواق الذكاء الاصطناعي المزدهرة.

وفي حين "يطلق آخرون تحذيرات أشد من احتمال أن يقوض عبء الدين الأميركي مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى ويطيح بالدولار كعملة احتياط عالمية"، رأت الصحيفة أن "هذا التفكير التشاؤمي لا يزال سابقاً لأوانه، لأن منافسي الولايات المتحدة الرئيسيين يعانون مشكلات مماثلة على صعيد الديون".

وخلصت "فايننشل تايمز" إلى أن ما يستحق المتابعة عن كثب في الوقت الراهن هو مدى سرعة تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5%، والخطر الذي يشكله ذلك على ازدهار الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: العائدات تشتعل.. ما الذي قصده قاليباف؟ وما علاقة سندات الخزينة بالحرب على إيران؟