من الخيمة إلى جائزة دولية… فرح وتالا و حكاية إعمار من غزة

 في الحروب، يولد الأمل عادةً من أشخاص عاديين يقررون النظر إلى الخراب بطريقة مختلفة. ومن داخل خيمة نزوح في غزة، بدأت الشقيقتان فرح وتالا موسى تحويل الركام من رمز للموت إلى مادة خام لحكاية إعمار جديدة، كتبتها الحرب لكن صاغتها الإرادة.

  • من الخيمة إلى جائزة دولية… فرح وتالا و حكاية إعمار غزة
    تعاملت الشقيقتان مع الركام باعتباره مورداً، لا عبئاً.. وهذه طريقة تفكير نادرة في مناطق الحروب

ثمّة لحظات في التاريخ لا تبدأ من القصور أو غرف القرار أو مراكز الأبحاث العملاقة، بل من أماكن تبدو هامشية إلى حد أن العالم لا يلتفت إليها. أحياناً تبدأ الفكرة التي تغيّر طريقة فهمنا للعالم من طاولة مطبخ، أو من شارع فقير، أو من طفل يراقب الخراب حوله ويحاول أن يفهمه بطريقة مختلفة.

وفي غزة، المدينة التي تحولت خلال العدوان إلى واحدة من أكثر بقاع الأرض امتلاءً بالركام، خرجت واحدة من تلك اللحظات من خيمة نزوح صغيرة.

هناك، وسط الغبار والحطام في مدينة رفح، كانت الشقيقتان الفلسطينيتان فرح وتالا موسى تنظران إلى المشهد المحيط بهما بطريقة مختلفة تماماً عن بقية الناس.

الجميع كان يرى الأنقاض باعتبارها النهاية الطبيعية للحرب: بيوت انهارت، شوارع اختفت، ومدن تحولت إلى أكوام من الإسمنت المكسّر. لكن فرح وتالا، اللتين لم تتجاوزا الـ 15 والـ 17 عاماً من العمر، حاولتا أن تطرحا سؤالاً مختلفاً: ماذا لو لم يكن الركام مجرد بقايا موت؟ ماذا لو كان مادة خام لبداية جديدة؟

الخيمة التي تحولت إلى ورشة

حين يصبح الركام سؤالاً لا نهاية، هذا النوع من الأسئلة هو ما يصنع غالباً التحولات الكبرى. ليس لأن الإجابة تكون سهلة، بل لأن الجرأة على طرح السؤال بحد ذاته تغيّر طريقة النظر إلى الواقع.

وقصة فرح وتالا تنتمي تماماً إلى هذا النوع من الحكايات وهذه الأسئلة.

الخيمة التي تحولت إلى ورشة لإعادة اختراع الحياة..

بعد تدمير العدوان لمنزلهما، وجدت الشقيقتان نفسيهما تعيشان في خيمة، مثل مئات آلاف الفلسطينيين الذين تحولت حياتهم فجأة إلى حياة مؤقتة. لكن المؤقت في غزة طويل إلى درجة أنه يصبح واقعاً كاملاً.

الخيمة ليست فقط قماش يحمي من المطر، بل عالم كامل يعاد تشكيله من الصفر: النوم، الطعام، الدراسة، وحتى الأحلام. ومن داخل هذا العالم الهش، بدأت الفكرة.

كانت الأنقاض تحيط بكل شيء. الإسمنت المحطم في الشوارع، الحجارة المبعثرة قرب الخيام، الغبار الذي يغطي المدينة كأنه طبقة جديدة من الجغرافيا. بالنسبة لكثيرين، كان ذلك المشهد مخيفاً مقلقاً. أما بالنسبة لتالا، فقد أصبح "دافعاً للتفكير في حل"، كما قالت لاحقاً.

اقرأ أيضاً: قصة "طوب الركام" في غزة

هنا تحديداً تكمن المفارقة المهمة. المجتمعات التي تتعرض للدمار الهائل لا تواجه فقط أزمة مادية، بل أزمة خيال أيضاً. فالخراب حين يكون شاملاً يجعل الناس عاجزين عن تخيل المستقبل. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لما فعلته الشقيقتان لا تكمن فقط في صناعة طوب بناء من الحطام، بل في إعادة إنتاج فكرة الإمكانية نفسها.

الابتكار لا يولد دائماً في المختبرات

العملية التي طورتها الفتاتان تبدو بسيطة ظاهرياً: سحق الأنقاض، غربلة الحطام، ثم خلط الناتج بمواد متوفرة محلياً مثل الطين والرماد ومسحوق الزجاج لإنتاج قوالب بناء خفيفة ومنخفضة التكلفة. لكن الأفكار المؤثرة غالباً ما تكون بسيطة بشكلٍ مخادع. فالابتكار الحقيقي لا يتعلق دائماً بالتكنولوجيا المعقدة، بل بإعادة تعريف الشيء العادي بطريقة جديدة.

في الاقتصاد مثلاً، هناك مفهوم معروف يسمى "إعادة تدوير القيمة"، أي تحويل ما يُعتبر عديم الفائدة إلى مورد منتج. وما فعلته فرح وتالا هو تطبيق حرفي لهذه الفكرة داخل واحدة من أكثر البيئات تدميراً في العالم.

لقد تعاملتا مع الركام باعتباره مورداً، لا عبئاً. وهذه طريقة تفكير نادرة في مناطق الحروب، حيث يطغى منطق النجاة الفورية على أي تفكير طويل الأمد. لكن ربما الجزء الأكثر إثارة في القصة ليس المنتج نفسه، بل السياق الذي وُلد فيه.

غزة.. حين تصبح إعادة الإعمار فكرة شبه مستحيلة

في غزة اليوم، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني نزحوا من منازلهم منذ بدء الحرب، أي ما يقارب 90% من سكان القطاع. المدن هناك لم تعد فقط مدمرة، بل مختنقة أيضاً بملايين الأطنان من الأنقاض التي تغلق الطرق وتعطل الحياة اليومية.

وفي الوقت نفسه، تصل تقديرات الأضرار المادية إلى نحو 70 مليار دولار، وهو رقم هائل بالنسبة إلى مساحة صغيرة ومحاصرة مثل غزة.

حين ننظر إلى هذه الأرقام، تبدو فكرة إعادة الإعمار أشبه بمهمة مستحيلة. فإعادة بناء المدن تحتاج إلى أموال ضخمة، واستقرار سياسي، وشبكات بنية تحتية، ومواد خام، وآليات هندسية معقدة.

لكن التاريخ يخبرنا أن إعادة الإعمار الحقيقية يبدأ أحياناً من مبادرات صغيرة جداً، من أفراد عاديين يحاولون حل مشكلة محددة في محيطهم المباشر. وهذا بالضبط ما فعلته الشقيقتان.

الأفكار الكبيرة تبدأ غالباً من احتياجات صغيرة

لقد بدأتا من الحاجة اليومية. الطوب الذي صنعتاه لم يكن مصمماً في مرحلته الأولى لبناء أبراج سكنية أو مشاريع ضخمة، بل لاستخدامات بسيطة: تثبيت الخيام، إنشاء الأرصفة، بناء الفواصل، وصناعة أحواض الحدائق. أي أنه طوب وُلد من الاحتياج المباشر للحياة اليومية داخل بيئة النزوح.

وهنا تظهر خاصية أخرى كثيراً ما نتحدث عنها في قصص النجاح غير التقليدية: الأفكار الأكثر تأثيراً لا تبدأ من الرغبة في صنع "اختراع عظيم"، بل من محاولة حل مشكلة صغيرة وملحّة.

من مبادرة فردية إلى معرفة جماعية

الأمر اللافت أيضاً أن الشقيقتين لم تتعاملا مع الجائزة الدولية باعتبارها نهاية الرحلة، بل كبداية لمشروع أكبر. فبعد فوزهما بـ"جائزة الأرض" للشباب على مستوى الشرق الأوسط، قررتا استثمار قيمة الجائزة، البالغة 12,500 دولار، في تدريب شباب آخرين على صناعة هذا النوع من الطوب.

هذه النقطة مهمة جداً. لأن الابتكار الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحول من تجربة فردية إلى معرفة جماعية قابلة للانتقال. ولذلك تخطط الشقيقتان لتنظيم ورش تدريبية لنحو 100 شاب فلسطيني، مع هدف أولي لإنتاج 200 طوبة في المرحلة التجريبية.

بمعنى آخر، المشروع لم يعد فقط محاولة شخصية للنجاة، بل تحول إلى نموذج مصغر لفكرة إعادة الإعمار المجتمعي.

  • تالا وفرح مع الجائزة و
    تالا وفرح مع الجائزة و "حجر الأمل" وسط الدمار (الصورة: رفح نيوز)

في إحدى تصريحاتها، قالت تالا: "حوّلنا شيئاً سلبياً إلى إيجابي". قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع الكارثة. ففي الحروب، يُختزل الإنسان غالباً إلى ضحية فقط. والصور القادمة من غزة خلال السنوات الأخيرة كرّست هذا المعنى مراراً: شهداء، دمار، نزوح، مجاعة، وخراب شامل. لكن ما تفعله فرح وتالا هو كسر هذا الاختزال.

هما لا تنكران المأساة، بل تنطلقان منها. لا تحاولان تجميل الحرب، بل البحث داخلها عن مساحة صغيرة للفعل الإنساني الممكن. وهذا ما يجعل قصتهما مختلفة.

 إعادة البدء تصبح مهارة للبقاء

حتى فقدان النموذج الأولي للمشروع خلال إحدى عمليات النزوح لم يدفعهما للتراجع. في الظروف العادية، قد يؤدي ضياع أشهر من العمل إلى إنهاء أي مشروع ناشئ. لكن في غزة، يبدو أن الناس يطورون علاقة مختلفة تماماً مع فكرة الخسارة. حين يصبح الفقدان جزءاً يومياً من الحياة، تتحول القدرة على البدء من جديد إلى مهارة أساسية للبقاء.

وربما لهذا السبب تحديداً تبدو قصة الشقيقتين أكبر من مجرد مشروع بيئي. إنها قصة عن الطريقة التي يعيد بها البشر اختراع الأمل تحت الضغط الهائل.

المدن لا يعيد بناءها الإسمنت وحده

غزة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل مختبر قاسٍ لفهم كيف يتصرف الإنسان عندما يُدفع إلى أقصى حدود الاحتمال. البعض ينهار، البعض يهرب، والبعض يحاول أن يصنع معنى جديداً من الفوضى. وفرح وتالا تنتميان بوضوح إلى الفئة الأخيرة.

في النهاية، قد لا يكون الطوب الذي تصنعه الشقيقتان هو ما سيعيد بناء غزة بالكامل. وربما لن تتحول مبادرتهما إلى مشروع صناعي ضخم. لكن قيمة الفكرة لا تُقاس دائماً بحجمها المادي المباشر. أحياناً تكمن أهميتها في قدرتها على تغيير الخيال الجمعي للناس، وفي منحهم طريقة مختلفة لرؤية المستقبل. وهذا ما فعلته الشقيقتان تماماً.

ففي مكان اعتاد العالم أن يراه باعتباره مساحة للموت فقط، قررت فتاتان صغيرتان أن تنظرا إلى الركام بوصفه مادة للبناء.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv)

وبينما تنتظر غزة خطط الإعمار الكبرى والمؤتمرات الدولية والوعود السياسية، كانت فرح وتالا، من داخل خيمتهما الصغيرة، تضعان بأيديهما أول حجر في حكاية أخرى، حكاية تقول إن المدن لا يعيد بناءها الإسمنت وحده، بل أيضاً القدرة العنيدة على تخيل الحياة بعد الخراب.

اقرأ أيضاً: بـأكياس "المساعدات".. أصبح لـ "العم معتز" كوخه على شاطئ غزة

اخترنا لك