كيف تحولت علبة معلبات فارغة إلى مشروع صمود في غزة؟
في غزة، لا تولد الحياة من الوفرة، بل من الحطام. علبة معدنية صدئة كانت تُرمى كنفاية، تحولت في يد مزارع فلسطيني إلى مساحة خضراء صغيرة تقاوم الخراب. هكذا يبتكر الغزيون أشكالهم الخاصة للبقاء؛ يزرعون النعنع والورد، ويزرعون معهم معنى الأمل وسط الدمار.
-
زعرب يبيع الأشتال بأسعار منخفضة كي يتمكن الشباب من إعادة بيعها (تصوير: ربيع ابو نقيرة)
هناك فكرة قديمة تقول إن المجتمعات لا تُختزل فقط بما تنتجه في أوقات الرخاء، بل بما تبتكره في اللحظات الصعبة. وفي غزة، حيث تحولت الحرب إلى واقع يومي طويل، لم يعد الناس يسألون كيف يعيشون جيداً، بل كيف ينجحون في انتزاع شكلٍ ما من الحياة من قلب الخراب نفسه.
هنا، تصبح الأشياء الصغيرة ذات قيمة استثنائية، رغيف الخبز ليس مجرد طعام، وخزان المياه ليس مجرد وعاء، وحتى علبة المعلبات الفارغة لم تعد مجرد نفاية معدنية تُلقى جانب الطريق. لقد أمست، بطريقة ما، مشروعاً اقتصادياً صغيراً، وأداة مقاومة نفسية، وشكلاً بدائياً من أشكال إعادة بناء الحياة.
حين تتحول النفايات إلى مواد خام للحياة
في مشتل متواضع جنوب قطاع غزة، يقف المزارع محمود زعرب وسط أكوام من العلب المعدنية الصدئة التي كانت تحتوي يومًا ما على الفاصوليا والبازلاء الموزعة ضمن المساعدات الإنسانية. المشهد يبدو لأول وهلة عادياً، أو حتى فوضوياً، لكن ما يحدث هناك يحمل معنى أعمق بكثير من مجرد إعادة تدوير للنفايات. زعرب لا يرى في تلك العلب مخلفات حرب، بل يراها أوعية محتملة للحياة. يقوم بتنظيفها بعناية، يثقب أسفلها لتصريف المياه، يملؤها بالتربة، ثم يغرس فيها شتلات النعنع والورد والعناب والتين، لتتحول القطع المعدنية الباردة إلى مساحات خضراء صغيرة تتنفس وسط عالم يختنق بالدخان والركام.
الفكرة، كما يروي زعرب، لم تولد من رفاهية بيئية أو من شغف أكاديمي بإعادة التدوير. لقد خرجت من الضرورة المباشرة. الحرب دمرت الأراضي الزراعية، ورفعت أسعار المستلزمات الزراعية إلى مستويات لا يستطيع معظم الناس تحملها، بينما أصبحت القواوير البلاستيكية سلعة نادرة ومكلفة. وفي بيئة محاصرة تعاني من نقص حاد في كل شيء تقريباً، يبدأ الناس بالنظر إلى النفايات باعتبارها مواد خام غير مكتشفة.
View this post on Instagram
اقتصاد يولد من الحطام لا من الأسواق
هذا بالضبط ما يجعل قصة زعرب مثيرة للاهتمام. لأنها ليست قصة زراعة فحسب، بل قصة تحوّل اقتصادي واجتماعي كامل يحدث على مستوى القاعدة الشعبية. فحين تختفي الموارد التقليدية، لا تتوقف المجتمعات عن العمل، بل تعيد تعريف معنى الموارد نفسها. فجأة، تصبح العلبة المعدنية أصلاً اقتصادياً صغيراً. وتصبح النبتة المزروعة داخلها منتجاً قابلاً للبيع. وتتحول العربة الخشبية التي يجرها شاب عاطل عن العمل بين الخيام إلى سلسلة توزيع متنقلة داخل اقتصاد بديل نشأ في ظروف استثنائية.
كيف أعادت غزة تعريف معنى "المورد"؟
في الأدبيات الاقتصادية التقليدية، يحتاج أي اقتصاد إلى رأس مال، وسوق، وبنية تحتية. لكن غزة بعد الحرب تكشف شيئاً مختلفاً تماماً: يمكن لاقتصاد بدائي أن ينشأ من الحطام نفسه، إذا وُجدت حاجة جماعية للبقاء. ولهذا تبدو عربات الشباب الذين يبيعون الأشتال في مخيمات النزوح وكأنها أكثر من مجرد نشاط تجاري صغير. إنها تعبير عن قدرة المجتمع على إنتاج دورة حياة جديدة من داخل الدمار.
حسين الأخرس، أحد هؤلاء الشباب، يدفع عربته بين الطرقات الرملية المحاطة بالخيام. على متن العربة عشرات العلب المعدنية المزروعة بالنعنع والورود الصغيرة.
المشهد يبدو متناقضاً بصورة تكاد تكون سريالية، نباتات خضراء تتحرك وسط مدينة مدمرة. يقول حسين إن الحرب تركت معظم الشباب بلا عمل، وإن الجميع يبحث عن أي وسيلة للبقاء. لكنه يلاحظ شيئاً لافتاً: الناس لا يشترون النباتات فقط لأنها رخيصة أو مفيدة، بل لأنهم يريدون شيئاً يذكّرهم بأن الحياة الطبيعية لم تختفِ تماماّ!
لماذا يحتاج الإنسان إلى وردة وسط الكارثة؟
وهنا تكمن النقطة الأهم في القصة. البشر، حتى في أقسى ظروفهم، لا يبحثون فقط عن الطعام والماء. إنهم يبحثون أيضًا عن الرموز. عن الأشياء التي تمنحهم شعوراً بأن العالم لم يتحول بالكامل إلى خراب. ولهذا يصبح النعنع المزروع أمام خيمة نازح أكثر من مجرد نبات عطري، إنه إعلان نفسي صغير بأن الإنسان ما زال قادراً على خلق الجمال، حتى في البيئة الأكثر قسوة.
هذا النوع من السلوك يتكرر تاريخياً في المجتمعات التي تمر بالكوارث الكبرى. خلال الحروب الطويلة أو المجاعات أو الحصارات، تظهر دائماً أشكال غير متوقعة من "اقتصاد الصمود"، حيث يعيد الناس استخدام كل شيء تقريباً. لكن ما يحدث في غزة يحمل خصوصية مختلفة، لأن الحصار الطويل والانهيار المتكرر للبنية التحتية دفع السكان إلى تطوير ثقافة كاملة قائمة على البدائل. البديل ليس خيارًا هنا؛ إنه أسلوب حياة.
"اقتصاد الصمود"… حين يصبح البديل أسلوب حياة
يقول محمود زعرب إنهم قبل الحرب كانوا يستخدمون أكياس النايلون الزراعية التقليدية، لكن الظروف الجديدة أجبرتهم على البحث عن حلول أخرى. "كل هذه الأشياء بديلة"، يقولها ببساطة، لكنها جملة تختصر فلسفة كاملة. فغزة اليوم تعيش داخل منظومة بدائل ضخمة: بدائل للوقود، بدائل للكهرباء، بدائل للبناء، وحتى بدائل للزراعة. وفي كل مرة يختفي فيها شيء من السوق، تظهر محاولة شعبية لتعويضه بأي وسيلة ممكنة.
اللون الأخضر بوصفه مقاومة نفسية
المثير للاهتمام أن هذه المبادرات لا تعمل فقط على المستوى الاقتصادي، بل تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية عميقة. فوجود نباتات خضراء حول الخيام يخفف من قسوة المشهد البصري للحرب.
اللون الأخضر، في مكان يهيمن عليه الرماد، يصبح فعل مقاومة بحد ذاته. ولهذا يزداد الإقبال على شراء الأشتال رغم الفقر الشديد. الناس يريدون استعادة أي تفصيل يشبه الحياة السابقة، حتى لو كان مجرد وعاء صغير من النعنع أمام باب الخيمة.
من المبادرات الفردية إلى الزراعة المجتمعية
لكن القصة لا تتوقف عند الأفراد. فمع الوقت، بدأت تظهر مبادرات جماعية أكثر تنظيماً، مثل مبادرة "غذاؤنا من أيدينا" التي يقودها أكاديميون وناشطون فلسطينيون، وتسعى إلى تحويل أسطح المنازل المدمرة والخيام وعلب الطلاء الفارغة إلى مساحات زراعية صغيرة.
الفكرة هنا ليست تجميل البيئة فقط، بل بناء حد أدنى من الأمن الغذائي داخل مجتمع يعاني من مستويات كارثية من انعدام الغذاء.
وهذا يكشف جانباً آخر مهماً: حين تنهار الأنظمة المركزية، تنتقل المجتمعات تلقائياً إلى نماذج محلية صغيرة للإنتاج. الزراعة المنزلية، إعادة التدوير، أنظمة الزراعة المائية البدائية، كلها ليست فقط أفكار تنموية، بل آليات دفاع اجتماعي ضد الانهيار الكامل. غزة، بطريقة ما، تتحول إلى مختبر حيّ لفهم كيف تتصرف المجتمعات تحت الضغط الوجودي الطويل.
اقتصاد الأمل لا اقتصاد الربح
اللافت أيضاً أن الاقتصاد الناشئ من هذه المبادرات لا يقوم على الربح الكبير، بل على فكرة "الدوران". كل شخص يحاول خلق فرصة صغيرة تكفي لإبقاء الحياة مستمرة.
زعرب يبيع الأشتال بأسعار منخفضة كي يتمكن الشباب من إعادة بيعها. الشباب يبيعونها داخل المخيمات بهامش ربح بسيط. والناس يشترونها لأنها تمنحهم شعوراً بالأمل أكثر مما تمنحهم منتجاً زراعياً فعلياً. إنها سلسلة اقتصادية كاملة، لكن وقودها الحقيقي ليس المال، بل الحاجة النفسية الجماعية إلى الاستمرار.
كيف غيّرت الحرب قيمة الأشياء؟
وربما لهذا السبب تبدو قصة العلب المعدنية أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. لأنها تكشف كيف يمكن للمجتمعات أن تعيد اختراع نفسها من الصفر عندما تُدفع إلى الحافة.
في الظروف الطبيعية، لا أحد يفكر في علبة معدنية فارغة باعتبارها أصلاً اقتصادياً. أما في غزة، فإن الحرب أعادت تعريف قيمة الأشياء كلها. المخلفات أصبحت مواد إنتاج. والخيام أصبحت أحياء سكنية دائمة. والنباتات الصغيرة أصبحت علاجاً نفسياً جماعياً ضد الإحساس المستمر بالموت.
في النهاية، قد تبدو مبادرة محمود زعرب بسيطة جداً مقارنة بحجم الكارثة التي يعيشها القطاع، لكنها تحمل دلالة أوسع بكثير من أنه فقط مشروع زراعي صغير. إنها تذكير بأن الإنسان، حين يُحاصر بكل أشكال الفقد، لا يتوقف عن محاولة اختراع الحياة من جديد. حتى لو اضطر إلى فعل ذلك داخل علبة معدنية صدئة كانت، قبل وقت قصير فقط، جزءاً من نفايات الحرب.