قصة "طوب الركام" في غزة

من تحت الركام، وتحت الخيام التي تعصف بها الرياح، لا يبحث الغزّيون عن حجارة فقط، بل عن منطقٍ بديل للحياة. حين تُغلق المعابر ويغيب الإسمنت، يتحوّل الدمار إلى مورد، والابتكار إلى ضرورة يومية. في غزّة، الطوب ليس مادة بناء، بل قرار بقاء في وجه حصار طويل.

0:00
  • قصة طوب الركام في غزة
    قصة طوب الركام في غزة

لا تبدأ القصص من الحدث الكبير، بل من الهامش: من تفصيلٍ يبدو صغيراً، لكنه يكشف لاحقاً منطقاً كاملاً للعالم. وفي غزّة، قد يكون هذا التفصيل حجراً صغيراً، أو قطعة ركام مكسورة، أو آلة تفتيت صُنعت محلياً من الحاجة أكثر مما صُنعت من الحديد. هنا، لا يُفهم الابتكار بوصفه رفاهية، بل كآلية بقاء، وكردّ عقلاني على ضغطٍ غير عقلاني.

  من الفكرة إلى الضرورة

فكرة المشروع، كما يؤكد القائمون عليه، لم تولد من رحم الحرب الأخيرة، بل سبقتها بأكثر من 10 سنوات. غزّة عاشت حروباً متتالية وحصاراً طويلاً، جعل التفكير ببدائل مواد البناء أمراً ملحّاً منذ وقت مبكر. لكن ما حدث بعد الحرب الأخيرة نقل الفكرة من خانة “البديل الممكن” إلى "الخيار الوحيد".

أكثر من 90% من القطاع تعرّض للدمار الجزئي أو الكلي. أرقام كهذه لا تصف حجم الخراب فقط، بل تشرح لماذا لم يعد انتظار الكرفانات أو خطط الإعمار الدولية خياراً واقعياً. فإعادة الإعمار، في أفضل السيناريوهات، تحتاج إلى سنوات، بينما الحاجة إلى الإيواء كانت فورية.

أرقام لا تُحصي الألم… بل تشرح حجمه

بحسب أحدث البيانات حتى كانون الثاني/ يناير 2026، لا يمكن قراءة ما جرى في غزة بوصفه "حرباً" بالمعنى التقليدي، بل كتحطيمٍ شامل لمنظومة الحياة. أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح لا يمثلون مجرد أرقام، بل مؤشراً على استهداف بنيوي طال الجسد والمجتمع معاً، حيث شكّلت النساء والأطفال نحو 70% من الضحايا.

في الموازاة، دُمّر أو تضرر ما يقارب 193 ألف مبنى، وتراكم نحو 55 مليون طن من الركام، وهو رقم يحوّل الإعمار إلى معضلة زمنية ومالية، لا تقنية فقط.

ومع تهديد المجاعة لأكثر من 1.6 مليون إنسان، ووجود 42 ألف مصاب بإعاقات دائمة، تصبح الكلفة الحقيقية للحرب إنسانية بالدرجة الأولى، تتجاوز 27 مليار دولار في الإسكان، ولا تُقاس بما فُقد، بل بما تغيّر إلى الأبد.

من الإسمنت المستورد إلى "كوبا سيفر"

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"نقطة التحوّل": قرار عدم انتظار الحلول القادمة من الخارج، والالتفات إلى ما هو موجود تحت الأقدام.

ويقول سليمان أبو حسنين إن المشروع الحالي يعمل على إنتاج ما يُعرف بـ"جرين روك" أو "كوبا سيفر"، وهو نوع من الطوب أو القوالب الأسمنتية، تعتمد بنسبة 80 إلى 90% على مكوّنات محلية. ركام المباني المدمّرة يُعاد تدويره كنواة أساسية، يُمزج مع تربة محلية ومواد رابطة متوفرة داخل القطاع.

الهدف ليس إنتاج طوب بديل فقط، بل إنتاج مادة بناء "عملية": قوية، قابلة للاستخدام، ومقاومة لامتصاص المياه، وهي نقطة مفصلية في بيئة تعاني من الرطوبة وغياب البنية التحتية السليمة.

الأرقام التي تغيّر السردية

وفق القائمين على المشروع، فإن هذه التقنية قادرة على تخفيض تكلفة البناء بنسبة تتراوح بين 50% و60% مقارنة بالبناء التقليدي. في منطقة يعيش أكثر من 80% من سكانها تحت خط الفقر، لا تُعد هذه النسبة رقماً اقتصادياً فقط، بل فرقاً بين بيت يُبنى وبيت لا يُبنى.

  • صناعة الطوب (الصورة أحمد الكحلوت)
    إدخال الركام إلى آلات تفتيت – أو "كسّارات" – صُنعت أو عُدّلت محلياً (الصورة أسامة الكحلوت)

 

التقنية نفسها ليست بدعة غزّية، بل مستخدمة في دول عديدة ضمن ما يُعرف بالبناء الأخضر، حيث تُعاد قراءة العلاقة بين المواد، البيئة، والتكلفة. الفارق أن غزّة لا تختار هذا المسار بدافع الوعي البيئي وحده، بل بدافع الضرورة القصوى.

  اقتصاد الركام: حين يصبح الدمار مورداً

في معمل الطوب لسليمان، تبدأ الرحلة من الشارع. كتل خرسانية متناثرة، بقايا منازل، أجزاء من جدران كانت يوماً غرف نوم أو مطابخ. تُجمع هذه المخلفات، تُكسر يدوياً أحياناً بالمعاول، ثم تُنقل عبر شاحنات صغيرة، أو عربات تجرها الحمير والبغال، إلى المصانع.

هناك، تدخل الركام إلى آلات تفتيت – أو "كسّارات" – صُنعت أو عُدّلت محلياً. هذه الآلات تحوّل الكتل الكبيرة إلى حصى بأحجام مختلفة، تُفصل عبر شبكات حديدية لتصبح صالحة لصناعة الطوب أو لاستخدامات إنشائية أخرى.

ثمن الكسّارة الواحدة قد يصل إلى 15 ألف دولار، حسب طاقتها الإنتاجية، وهو استثمار كبير في اقتصاد محاصر، لكنه استثمار في الاستمرار.

حين لا يكفي الركام

لكن القصة، لا تسير في خط مستقيم. الطلب المتزايد على الركام خلق مفارقة جديدة: المخلفات الإنشائية نفسها قد تبدأ بالتقلص. بعض أصحاب المصانع يحذّرون من شلل محتمل إذا نفد الركام، وذلك أن الاحتلال الاسرئيلي في الكثير من الأماكن في قطاع غزة يقوم بعملية نقل ركام المنازل المدمره. ما يعيد طرح السؤال الأساسي: هل هذا حل دائم أم حل انتقالي؟

مخرجات الكسّارات لا تسد العجز الكامل في المواد الخام، لكنها تلبّي الحاجة الآنية. كثير من السكان يشترون الطوب رغم إدراكهم لضعف بنيته مقارنة بالطوب التقليدي، لأن البديل ببساطة هو عدم البناء.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by شبكة معا الإعلامية (@maan.network)

المخاطر الصامتة

هنا تدخل القصة منطقة الظل، حيث لا تكفي الأرقام وحدها. تقارير حكومية فلسطينية تشير إلى أن نحو ٥٥ مليون طن من ركام المباني في غزّة ملوّثة بمخلّفات القنابل والذخائر، بما في ذلك معادن ثقيلة، وربما اليورانيوم المنضب.

هذه ليست تفاصيل تقنية، بل أسئلة صحية وبيئية مفتوحة. لا توجد دراسات علمية كافية تحدد بدقة حجم الخطر أو طبيعته، وهو ما يجعل إعادة استخدام الركام قراراً اضطرارياً محفوفاً بالمخاطر، لا خياراً مدروساً بالكامل.

بين الهندسة والواقع

من الناحية الإنشائية، يُجمع مختصون على أن الحصى المعاد تدويره يمكن استخدامه في أعمال بسيطة وغير أساسية، لكنهم يحذّرون من الاعتماد عليه في القواعد الخرسانية المسلحة أو الأعمدة والأسقف.

في المقابل، تشير اختبارات مقارنة أُجريت على عينات من الأحجار الطبيعية والأحجار المعاد تصنيعها إلى وجود "درجة كافية من الأريحية" لاستخدام الطوب المصنّع من الركام في سياقات محددة، مع التحفظ على مشكلة امتصاص الرطوبة، التي قد تؤثر على العمر الافتراضي للبناء.

الابتكار تحت الضغط

إن الحرب والحصار في غزة خلق نظاماً مغلقاً، والنظام المغلق يفرض حلولاً غير تقليدية. غزّة، بمواردها المحدودة، أعادت تعريف مفهوم مادة البناء: من شيء يُستورد عبر المعابر إلى شيء يُصنع من آثار القصف نفسه. الابتكار هنا ليس فعل عبقرية فردية، بل نتيجة تراكُم ضغوط: الحصار، الدمار، الفقر، والوقت. كل عنصر منها يدفع باتجاه حل قد لا يكون مثاليًا، لكنه ممكن.

صناعة الطوب البديل في غزّة ليست قصة إسمنت فقط، بل قصة عن كيفية تشكّل القرارات حين تُسحب الخيارات. هي تجربة تعكس كيف يمكن للمجتمع، حين يُحاصر، أن يعيد ترتيب أولوياته ومعاييره: من الجودة المطلقة إلى "الجودة الكافية"، ومن الديمومة الطويلة إلى الإيواء الفوري.

في النهاية، لا يقدّم هذا النموذج نفسه بوصفه حلاً نهائياً لإعادة إعمار غزّة، بل كمرحلة انتقالية، كجسر بين الدمار والحياة. جسرٌ مصنوع من الطين، والركام، وإصرارٍ عنيد على أن عجلة الحياة، مهما تباطأت، لا يجب أن تتوقف.

اخترنا لك