غزة تفقد طقوس العيد.. خروف الأضحى أغلى من سيارة
في الحروب الطويلة، لا تختفي الطقوس دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجياً حتى يكتشف الناس فجأة أنهم فقدوا ما كان يمنح حياتهم معناها اليومي. في غزة، لم تعد المشكلة فقط في غياب الأضاحي، بل في الطريقة التي غابت بها الحياة الطبيعية نفسها، حتى صار العيد يبدو كذكرى.
-
كاريكاتير معبّر عن غياب الأضاحي للعام الثالث في غزة: (علاء اللقطة)
للعام الثالث على التوالي، يدخل قطاع غزة عيد الأضحى بلا ملامح العيد التي عرفها الفلسطينيون لعقود. لا أصوات خراف تملأ الأسواق، ولا ازدحام على محال الملابس، ولا عائلات تتنقل بين البسطات بحثاً عن مستلزمات الأطفال، بل مشهد ثقيل من الخيام والوجوه المتعبة والأسواق الباردة، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة التي يعيشها القطاع منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
🔴 لا أضاحي في غزة
— #القدس_ينتفض 🇵🇸 (@MyPalestine0) May 24, 2026
بسبب الأسعار المرتفعة داخل قطاع غزة. pic.twitter.com/GKYlk4K5CP
العيد الذي فقد صوته
في غزة اليوم، لا يبدو العيد مناسبة دينية واجتماعية كما كان دائماً، بل اختباراً إضافياً لقدرة السكان على الاحتمال، فالحرب التي دمّرت الأحياء والمنازل، لم تكتفِ بإعادة تشكيل الجغرافيا، بل امتدت لتضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للحياة اليومية، حتى وصلت إلى طقوس العيد ذاتها، وحوّلت الأضحية من شعيرة شعبية معتادة إلى رفاهية شبه مستحيلة.
توثيق تاريخي لتتذكر الأجيال الجديدة كيف كان يبدو عيد الأضحى في قطاع غزة قبل محرقة القرن
— MO (@Abu_Salah9) May 23, 2026
في هذا الوقت كانت الشوارع تمتلئ عن آخرها بالأضاحي والتكبيرات .. شيء لا يُشبه أي مكان في العالم
أما اليوم فالمدينة دُمرت بالكامل والأضاحي مُنعت من الدخول. pic.twitter.com/t9NIav1ibD
الأضحية تتحول إلى رفاهية مستحيلة!
داخل أسواق المواشي القليلة المتبقية، ترتفع الأسعار بصورة صادمة وغير مسبوقة. خَروف واحد قد يصل سعره إلى 7000 دولار، في وقت يعيش فيه معظم السكان بلا دخل ثابت، ويعتمدون على المساعدات الإنسانية المحدودة أو ما تبقى من مدخرات استنزفتها الحرب الطويلة.
وبين الرقمين، تظهر الفجوة الهائلة بين واقع الناس ومتطلبات الحياة الأساسية، فضلاً عن متطلبات مناسبة دينية اعتاد الفلسطينيون أن يمنحوها خصوصية كبيرة.
View this post on Instagram
قبل الحرب، كان قطاع غزة يستقبل عشرات آلاف رؤوس الأغنام والعجول سنوياً لتلبية احتياجات موسم الأضاحي، وكانت الأسواق تتحول قبل العيد بأسابيع إلى مساحات مكتظة بالحركة والحياة. أما اليوم، فقد توقفت عمليات الاستيراد بشكل كامل تقريباً، بفعل إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في قطاع الثروة الحيوانية.
كبش عاش المجاعة أكل العدس والطحين المسوس وشرب مياه ملوثة.
— رائِد العَقّاد || غرَّة 🔻 (@Raedxgi4) May 22, 2026
وحقه 7000دولار . الي قدامكم هذا سعره 23 الف شيكل
هذا الصباح
"لبيك اللهم لبيبك " pic.twitter.com/tcpRfBm9mf
طقوس العيد تحت الحصار
هذا التحوّل لم يكن اقتصادياً فقط، بل مسّ تفاصيل الحياة اليومية للناس، فالأضحية في غزة لم تكن فقط عملية شراء، بل طقس اجتماعي متكامل يرتبط بالعائلة والجيران والأطفال وروح المشاركة. ولذلك، فإن اختفاء الأضاحي بهذا الشكل لا يُقرأ فقط بوصفه أزمة أسعار، بل بوصفه انعكاساً لانهيار أعمق يطال شكل الحياة نفسها.
-
غزة والاختناق الكبير: الأضاحي تختفي والأسواق تفقد روحها
في أحد مخيمات النزوح بمدينة غزة، يستعيد محمد الزعانين، النازح من بيت حانون، تفاصيل العيد كما كانت قبل الحرب. يقول الرجل الخمسيني للميادين نت: "إن زيارة مزارع المواشي برفقة إخوته وأبنائه كانت طقساً عائلياً ثابتاً يسبق العيد كل عام، قبل أن تتحول تلك الذكريات إلى مشاهد بعيدة تحت وطأة الحرب والحصار".
فيديو | حظائر الأضاحي تتحول إلى أماكن لنزوح الأهالي في غزة
ويضيف: "إسرائيل" تحاربنا في كل شيء، حتى في فرحتنا بأعيادنا الدينية"، في إشارة إلى منع إدخال المواشي وتحوّل الأضحية إلى حلم لا يمكن الوصول إليه بالنسبة لمعظم العائلات.
في مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو الصدمة واضحة في تعليقات السكان، ناشطون يتحدثون عن خراف تُباع بما يوازي دخل سنوات كاملة، وآخرون يسخرون بمرارة من فكرة استبدال الأضحية بالدجاج المجمد أو المعلبات، وبين السخرية والغضب، يظهر حجم الانكسار الذي يرافق مواسم الأعياد في القطاع.
View this post on Instagram
المربّون: خسائر تتجاوز المواشي
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الأسعار، فالمربون أنفسهم يعيشون انهياراً قاسياً، مزارع كثيرة دُمّرت خلال الحرب، وأعداد ضخمة من المواشي نفقت بسبب القصف أو نقص الأعلاف والرعاية البيطرية، فيما اضطر مربون إلى بيع ما تبقى لديهم بأسعار زهيدة خلال أشهر الحرب الأولى، لتأمين الحد الأدنى من البقاء.
أسواق شبه خالية وارتفاع غير مسبوق في أسعار المواشي في قطاع غزّة، حيث وصلت أسعار بعض الأضاحي إلى نحو 7 آلاف دولار للخروف الواحد. pic.twitter.com/v5yhd2wBRb
— Dr. Zaid Alsalman (@dr_zaid) May 24, 2026
في شمال غزة، يقف مربون داخل حظائر شبه فارغة يتحدثون عن مواسم كانت تمثل مصدر رزقهم الأساسي، قبل أن تتحول إلى عبء ثقيل وخسارة متواصلة، أحد المربين الذي كان يمتلك مئات الرؤوس من الأغنام والعجول، لم يتبقَّ لديه سوى عدد محدود من الخراف، يحاول الحفاظ عليها وسط نقص الأعلاف وارتفاع تكاليف التربية بشكل غير مسبوق.
ويقول مربون إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بغياب المواشي المستوردة، بل بانهيار كامل في البيئة الإنتاجية نفسها، فحتى الخراف القليلة المتوفرة محلياً، تحتاج إلى أعلاف وأدوية ورعاية مكلفة يصعب توفيرها في ظل الحصار، ما يفسر القفزة الهائلة في الأسعار.
"احنا النا 3 سنين لا حد بيقدر يشتري ولا يضحي بسبب الحرب" ..
— فلسطين بوست (@PalpostN) May 26, 2026
فلسطيني يتحدث عن أزمة بيع الأضاحي في غزة، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير الأعلاف، بعد سنوات من الحرب والنزوح المستمر.. pic.twitter.com/r3aLk0NOPt
فبذلك لم يعد غياب الأضاحي في غزة مرتبطاً فقط بارتفاع الأسعار أو انعدام القدرة الشرائية، بل بتحطم قطاع اقتصادي كامل كان يشكل واحداً من أعمدة الأمن الغذائي والاجتماعي في القطاع، فمربو المواشي الذين اعتادوا استقبال موسم عيد الأضحى باعتباره ذروة الموسم التجاري، وجدوا أنفسهم أمام انهيار شامل طال المزارع والحظائر ومخازن الأعلاف وسلاسل التوريد.
ويقول مازن الجرجاوي، أحد أبرز مربي المواشي في غزة، إن الحرب أنهت عملياً قطاع تربية الأغنام بعد نفوق أعداد كبيرة من المواشي ومنع إدخال الحيوانات الحية إلى القطاع، مؤكداً أن ما كان يبيعه سابقاً خلال موسم العيد وحده تجاوز مئات الرؤوس، بينما لم يعد يملك اليوم سوى مطعم صغير يعتمد على اللحوم المجمدة..
ويضيف أن كثيراً من المربين اضطروا إلى ذبح مواشيهم أو بيعها بأي ثمن لتأمين الدقيق والطعام خلال موجات النزوح والقصف، في مشهد يلخص كيف تحولت الأضاحي من طقس ديني واجتماعي جامع إلى رمز لانهيار اقتصادي وإنساني واسع يضرب غزة للعام الثالث على التوالي.
أسواق ممتلئة… وجيوب فارغة
ومع ذلك، فإن المفارقة الأكثر قسوة تكمن في أن هذه الأسعار المرتفعة لا تعني بالضرورة وجود حركة بيع حقيقية. فالسوق شبه متوقف، والقدرة الشرائية تكاد تكون معدومة، كثير من السكان يأتون فقط للمشاهدة أو للسؤال عن الأسعار، قبل أن يغادروا بصمت.
الأمر ذاته ينسحب على بقية الأسواق، فمحال الملابس، التي كانت قبل الحرب تعيش ذروة نشاطها في مواسم الأعياد، تبدو اليوم محملة بالبضائع وقليلة الزبائن، الأطفال الذين كانوا ينتظرون ملابس العيد، باتت عائلاتهم عاجزة عن شراء الحد الأدنى من احتياجاتهم، في ظل ارتفاع الأسعار واختفاء مصادر الدخل.
⭕️ شاهد | طفلة فلسطينية من غزة تعبّر ببراءة عن مشاعرها مع اقتراب عيد الأضحى، وسط ظروف النزوح القاسية وغياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي. pic.twitter.com/DTI2Y5f6Mn
— قناة العالم (@v_alalamnews) May 23, 2026
في شوارع غزة وخان يونس والنصيرات، يمكن ملاحظة التغير الكبير في شكل العيد، لا ازدحام كما في السنوات السابقة، ولا حركة تسوق كثيفة، ولا أصوات فرح حقيقية، حتى تكبيرات العيد تبدو هذه المرة محمّلة بثقل مختلف، كأنها تخرج من مدينة منهكة بالحرب والجوع والنزوح.
كثير من العائلات لم تعد تتحدث عن شراء الأضحية أو الملابس، بل عن كيفية تأمين الطعام والمياه والخيمة الآمنة. ففي قطاع يعيش أكثر من مليوني إنسان فيه تحت ضغط الحرب والحصار، أصبحت الأولويات مختلفة بالكامل. ومع غياب الكهرباء واستمرار القصف في بعض المناطق وتدهور الخدمات الأساسية، يتحول العيد إلى عبء نفسي إضافي أكثر منه مناسبة للفرح.
عيد بلا أضـ.اح.. في غـ.زة حيث يـ.ذبح الفرح قبل الأضـ.حية !!
— وطن. يغرد خارج السرب (@watanserb_news) May 25, 2026
في غـ.زة… حتى العيد لم يعد يشبه نفسه.. لا خروف يزيّن في الأزقة، لا أصوات تتعالى في أسواق المواشي.. ولا أطفال يجرّون آباءهم بحماس نحو الأضـ.حية !!
فقط فراغ ثقيل… وصمت يزداد اتساعا كلما اقترب عيد الأضـ.حى.. حظائر… pic.twitter.com/S3OHHEENOD
الهدنة التي لم تغيّر شيئاً
ورغم إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فإن السكان يقولون إن واقعهم لم يتغير بصورة حقيقية. فالقصف لا يزال مستمراً بوتيرة متفاوتة، والمعابر ما زالت تعمل ضمن قيود مشددة، فيما بقي إدخال المساعدات والبضائع خاضعاً لشروط معقدة وغير مستقرة.
هذا الواقع خلق حالة من الاختناق الاقتصادي والاجتماعي يصعب فصلها عن المشهد العام للحرب. فالأسواق التي تبدو ممتلئة ببعض السلع، تخفي خلفها أزمة أعمق تتعلق بانعدام القدرة على الشراء. بمعنى آخر، المشكلة لم تعد في توفر البضائع فقط، بل في غياب الناس القادرين على الوصول إليها.
سكان قطاع غزة يستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث وسط أسواق شبه خالية وارتفاع غير مسبوق في أسعار المواشي، في ظل الحرب والحصار وانهيار الثروة الحيوانية، حيث وصلت أسعار بعض الأضاحي إلى نحو 7 آلاف دولار للخروف الواحد. pic.twitter.com/rl2XBhEo4j
— أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) May 24, 2026
وفي قطاع يعتمد جزء كبير من سكانه على الأعمال اليومية والمهن الصغيرة، أدى توقف النشاط الاقتصادي إلى انهيار واسع في مصادر الدخل؛ آلاف الموظفين والعمال فقدوا أعمالهم، فيما دُمّرت محال ومصانع وأسواق كاملة، الأمر الذي جعل دورة الاقتصاد المحلي شبه مشلولة.
عيد أضحى جديد وغزة بلا أضاحي وأهلها يصارعون الحياة لأجل الحصول على الفرح.. استمعوا لأصوات الغزيين في استقبال العيد#حكايا_من_غزة #البلاد #قصص pic.twitter.com/gJ9qdO2m2W
— Leblad البلاد (@lebladnet) May 26, 2026
هذا الانهيار انعكس مباشرة على تفاصيل العيد، فحتى العائلات التي كانت تنتمي إلى الطبقة المتوسطة قبل الحرب، باتت اليوم عاجزة عن شراء حاجات بسيطة. بعض الأهالي يتحدثون عن شعور بالعجز أمام طلبات أطفالهم، فيما يحاول آخرون خلق بدائل رمزية للفرح داخل الخيام ومراكز الإيواء.
أما محمود المدهون، وهو أب لطفلين يعيش داخل خيمة بمدينة غزة بعد فقدان عمله وتجارته خلال الحرب، فيقول إن أكثر ما يثقل عليه مع اقتراب العيد هو عجزه أمام أسئلة أطفاله عن الملابس الجديدة.
-
غزة تفقد طقوس العيد.. خروف غزة أغلى من سيارة
ويوضح، بصوت تختلط فيه الحسرة بالإرهاق: "قبل الحرب كنا نفعل كل ما نستطيع حتى يعيش أطفالنا فرحة العيد، أما اليوم فأصبح رب الأسرة مشغولاً فقط بكيفية تأمين الطعام والبقاء". وبين الخيام والأسواق الباهتة، تبدو ملابس العيد بالنسبة لكثير من أطفال غزة أمنية مؤجلة، تماماً كالأضاحي التي اختفت من حياة الناس مع استمرار الحرب.
وفي مخيمات النزوح، تبدو الصورة أكثر قسوة، أطفال يلعبون فوق الرمال قرب خيام مهترئة، وعائلات تحاول إخفاء حجم معاناتها مع اقتراب العيد. هناك، لا يتحدث الناس كثيراً عن الأضاحي، بل عن فقدان المنازل والأبناء والاستقرار، وعن الحياة التي تغيّرت بالكامل خلال أقل من ثلاث سنوات.
أطفال غزة يسيرون بين أنقاض منازلهم المدمرة ويرفعون التكبيرات ابتهاجاً بقدوم عيد الأضحى المبارك 💔 pic.twitter.com/FEvidaQEoe
— ثائر البنا، غزة 🇵🇸 (@thaeralbannaa) May 22, 2026
اللافت أن كثيراً من الغزيين باتوا ينظرون إلى الأعياد بوصفها تذكيراً إضافياً بالخسارة. فالأماكن التي كانت تمتلئ بالناس قبل العيد، تحولت إلى مناطق مدمرة أو خالية، والعائلات التي كانت تجتمع حول موائد الأضاحي تفرقت بين النزوح والشهادة والفقدان.
الأمن الغذائي على حافة الانهيار
ومع تراجع أعداد المواشي إلى مستويات غير مسبوقة، تحذر جهات محلية من أن قطاع الثروة الحيوانية يقترب من الانهيار الكامل، وهو ما يهدد الأمن الغذائي في غزة على المدى الطويل. فالمسألة لا ترتبط فقط بموسم العيد، بل بقدرة القطاع مستقبلاً على استعادة أي شكل من أشكال الإنتاج المحلي.
أسعار ساخرة ومؤلمة.. سوق الأضاحي في قطاع غزة ينهار وغياب مظاهر عيد الأضحى إثر الحصار الإسرائيلي ومعاناة الحرب للعام الثالث على التوالي pic.twitter.com/ZEBwaaHpMz
— قناة الوطن Alwtan TV (@AlwtanTv) May 25, 2026
وتقول وزارة الزراعة " إن نسبة كبيرة من المزارع والحظائر تعرضت للتدمير، فيما خرج عدد واسع من المربين من السوق نهائياً بسبب الخسائر الضخمة". وهذا يعني أن إعادة بناء هذا القطاع ستحتاج إلى سنوات طويلة، حتى في حال توقف الحرب وفتح المعابر بصورة كاملة.
في المقابل، تبدو الجهود الإغاثية محدودة قياساً بحجم الكارثة، بعض المؤسسات تحاول توفير لحوم مجمدة أو تنفيذ مشاريع أضاحٍ محدودة، لكنها تبقى عاجزة عن تغطية احتياجات مئات آلاف العائلات التي تعيش ظروفاً معيشية قاسية.
الحرب التي تسرق معنى العيد
وربما تكمن خطورة المشهد الحالي في أن الحرب لم تعد تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بقدرتها على تفكيك الإيقاع الطبيعي للحياة. فحين تفقد المدن طقوسها الاجتماعية والدينية، وتتحول المناسبات إلى مواسم للحزن والعجز، يصبح الحديث عن الخسارة أعمق بكثير من الخسائر المادية المباشرة.
غزة اليوم لا تواجه فقط أزمة غذاء أو غلاء أو نقص أضاحٍ، بل تواجه لحظة اختناق شاملة تطال الإنسان والاقتصاد والذاكرة الجماعية في آن واحد. ولهذا، يبدو العيد هذا العام امتداداً للحرب أكثر مما يبدو استراحة منها.
غزة تنتظر عيداً يشبه الحياة
ومع اقتراب أيام عيد الأضحى، تستعد العائلات في كثير من أنحاء العالم للاحتفال والشراء والتجمع، بينما يقف الفلسطينيون في غزة أمام عيد مختلف تماماً، تختلط فيه التكبيرات بأصوات الطائرات، وتمتلئ فيه الأسواق بالبضائع القليلة والجيوب الفارغة، ويغيب عنه ذلك الشعور القديم الذي كان يمنح العيد معناه الحقيقي.
وفي مدينة أنهكتها الحرب، لم تعد الأضحية وحدها هي الغائبة، بل اختفت معها ملامح كثيرة من الحياة التي عرفها الفلسطينيون يوماً، تاركة خلفها سؤالاً مفتوحاً: كم يحتاج العيد في غزة كي يعود عيداً فعلاً؟