علماء يبتكرون نسيجاً أرجوانياً يتفوق على القطن في التبريد

علماء يبتكرون نسيجاً أرجوانياً جديداً يعكس ما معدله 87.6% من الإشعاع الشمسي الوارد، وهذا يعني أنّ معظم طاقة الشمس التي تصل إلى النسيج الأرجواني تنعكس إلى الخارج بدلاً من امتصاصها وتحويلها إلى حرارة.

0:00
  • علماء يبتكرون نسيجاً أرجوانياً أفضل من القطن للتبريد
    علماء يبتكرون نسيجاً أرجوانياً أفضل من القطن للتبريد

مع اقتراب نهاية ذروة حرارة الصيف، يترقب الكثيرون بفارغ الصبر اللحظة التي يمكنهم فيها العودة لارتداء الملابس الداكنة الموجودة في خزائنهم. ورغم أن هناك من يتجاهلون القواعد الموسمية ويفضلون ارتداء الملابس السوداء بالكامل على مدار العام، إلا أن الأقمشة فاتحة اللون تُعد عادةً الخيار الأفضل خلال الأشهر الحارة؛ لقدرتها على عكس ضوء الشمس والمساعدة في الحفاظ على برودة الجسم.

فقد طوّر باحثون من الصين وأستراليا من جامعة "تشنغتشو" وجامعة "أديلايد" نسيجاً أرجوانياً متطوراً تقنياً يوفر تبريداً يفوق القطن الأبيض العادي بأكثر من 4 درجات مئوية - حتى تحت أشعة الشمس المباشرة - وذلك باستخدام ألياف خاصة تعكس ما يصل إلى 87.6% من ضوء الشمس.

عندما تكون الشمس ساطعة، تكون النصيحة المعتادة بسيطة: ارتدِ ملابس فاتحة اللون، فالأقمشة البيضاء تعكس معظم أشعة الشمس، بينما تمتص الألوان الداكنة طاقة شمسية أكبر وتصبح أكثر حرارة، لكن ماذا لو كانت الملابس قادرة على الحفاظ على ألوانها الزاهية مع الحفاظ على برودة الجسم؟

ووفقاً لمجلة "بوابة روسيا العلمية"، كان هذا النسيج أبرد بمقدار 4.2 درجة مئوية من القطن الأبيض، وأبرد بمقدار 6.2 درجة مئوية من القطن الأرجواني التقليدي خلال الاختبارات الخارجية.

لماذا تصبح الملابس الملونة أكثر حرارة عادةً؟

يرتبط اللون ارتباطاً وثيقاً بكيفية تفاعل المادة مع الضوء المرئي، حيث يظهر القماش باللون الأرجواني لأنه يعكس بعض أطوال موجات الضوء المرئي بينما يمتص أطوال موجات أخرى، ويعدّ اللون الأرجواني تحدياً خاصاً للمواد المُبرّدة، لأنّ إنتاج هذا اللون يتطلب امتصاص الضوء الأخضر، الذي يُمثّل جزءاً قوياً من الطيف الشمسي.

وبحسب الباحسين، يُؤدي هذا إلى تعارض، فالقماش المُبرّد يجب أن يعكس أكبر قدر ممكن من الطاقة الشمسية، بينما يجب على المادة ذات اللون القوي امتصاص أطوال موجية مُحدّدة لإنتاج لونها.
 
وأراد الباحثون إثبات أنّ هذه المُفاضلة ليست حتمية، وكان حلّهم هو ابتكار ألياف مجهرية تحتوي على مُكوّنين هامّين: مادة إطار معدني عضوي أرجوانية وجسيمات نانوية من أكسيد الزنك، تُنتج هذه المواد معاً اللون الأرجواني المطلوب، مع السماح للقماش برفض جزء كبير من الطاقة الشمسية التي تُسخّنه عادةً.

يتعامل القماش مع الحرارة بطريقتين مُختلفتين

تأتي قدرة المادة على التبريد من مزيج هام من الخصائص البصرية.

أولاً، يعكس هذا النسيج ما معدله 87.6% من الإشعاع الشمسي الوارد، وهذا يعني أنّ معظم طاقة الشمس التي تصل إلى النسيج تنعكس بدلاً من امتصاصها وتحويلها إلى حرارة.

يُصدر النسيج أيضاً 96.4% من الأشعة تحت الحمراء المتوسطة، عادةً تُطلق الأجسام بشكل طبيعي جزءاً من حرارتها على شكل أشعة تحت حمراء، والمادة التي تُصدر هذا الإشعاع الحراري بكفاءة عالية تفقد الحرارة بفعالية أكبر بدلاً من الاحتفاظ بها.
 
لذا، يؤدي النسيج الجديد وظيفتين مفيدتين في آنٍ واحد: فهو يحد من كمية الطاقة الشمسية التي تدخل إليه، ويُطلق الحرارة منه بكفاءة عالية، ويُفسر هذا المزيج كيف يمكن لنسيج ملون أن يبقى بارداً بشكل غير متوقع حتى تحت أشعة الشمس المباشرة.

أبرد من القطن الأبيض

أظهرت التجارب الخارجية نتائج مذهلة. وتحت أشعة الشمس المباشرة، فقد حافظ النسيج الأرجواني المُبرّد على:
 
أبرد بمقدار 4.2 درجة مئوية من القطن الأبيض
 
النسيج الأرجواني أبرد بمقدار 6.2 درجة مئوية من القطن المصبوغ باللون الأرجواني العادي. كما اختبر الباحثون تأثير المادة على ما تحتها بتغطية نموذج جلد اصطناعي.
 
خلال النهار، كان الجلد المُحاكى المُغطى بالنسيج الجديد أبرد بمقدار 8 درجات مئوية من الجلد المُحاكى غير المُغطى، وللمقارنة، بلغ أقصى تبريد تم قياسه باستخدام القطن الأبيض 4.6 درجة مئوية، بينما حقق القطن الأرجواني التقليدي أقصى انخفاض في درجة الحرارة بمقدار 2.8 درجة مئوية فقط.
 
وتشير هذه النتائج إلى أنّ هذه التقنية قد تكون مفيدة في المستقبل للملابس المصممة للبيئات شديدة الحرارة، على الرغم من أنّ التجارب المذكورة تتعلق بالمادة والجلد المُحاكى وليس بإثبات انخفاض محدد في درجة حرارة الأشخاص.

التبريد من دون كهرباء

تكمن جاذبية هذه التقنية في أنّ عملية التبريد لا تعتمد على مكيفات الهواء أو البطاريات أو المراوح أو أي مصدر طاقة خارجي آخر، حيث تتحكم المادة في تدفق الإشعاع الشمسي والحراري من خلال خصائصها الفيزيائية.

قد يكون هذا النسيج ذا قيمة خاصة للأشخاص الذين يقضون فترات طويلة في العمل في الهواء الطلق خلال موجات الحر الشديدة.

وفي هذا السياق، أكد يانزه هو، أحد المشاركين في البحث من جامعة أديلايد، أنّ الحفاظ على برودة الجسم بالنسبة للعاملين في الهواء الطلق يتجاوز مجرد الشعور بالراحة.
 
يتميز النسيج الجديد بأنه خفيف الوزن ومرن، ويتحمل تمدداً كبيراً، ويسمح بمرور بخار الماء، بما في ذلك رطوبة العرق، من خلاله، كما أنه طارد للماء بدرجة عالية، وأظهرت اختبارات المتانة نتيجة مشجعة أخرى: فقد احتفظ النسيج بخصائص التبريد بعد 50 دورة غسيل.
 
كما تمّ اختبار المادة في مواجهة الأشعة فوق البنفسجية الشديدة. وظلت خصائصها البصرية ثابتة بعد تجارب تسريع الشيخوخة بالأشعة فوق البنفسجية، والتي تعادل حوالى 108 أيام من التعرض للهواء الطلق.

تُعد هذه الخصائص مهمة لأنّ نسيج التبريد المُصمم للملابس الحقيقية يجب أن يتحمل أشعة الشمس والحركة والرطوبة والغسيل المتكرر، بدلاً من أن يقتصر أداؤه على ظروف المختبر المُحكمة فقط.

اللون الأرجواني قد يكون مجرد بداية

لعلّ الاحتمال الأكثر إثارة للاهتمام هو أنّ هذه التقنية لا يجب أن تبقى محصورة في اللون الأرجواني.

ويقول الباحثون إنّ هذا النهج قابل للتطبيق على ألوان أخرى باستخدام هياكل إطار معدني عضوي ذات خصائص بصرية مختلفة، وهذا من شأنه أن يُتيح في نهاية المطاف ابتكار تشكيلة أوسع من أقمشة التبريد الملونة. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنّ مواد التبريد السلبي السابقة كانت تعتمد غالباً على الأسطح البيضاء لزيادة انعكاس أشعة الشمس. إنّ تقنية تجمع بين التبريد الفعال وخيارات الألوان المتنوعة ستكون أسهل بكثير في دمجها في الملابس اليومية.

أهمية هذا التطور

مع تزايد أهمية موجات الحر الشديدة، لم يعد التبريد الشخصي يعتمد بالضرورة كلياً على الأجهزة، يمكن هندسة المواد نفسها للتحكم في كيفية تدفق الطاقة بين جسم الإنسان وضوء الشمس والبيئة المحيطة.
 
يُقدم النسيج المُطور حديثاً مثالاً أنيقاً على ذلك، فبدلاً من إنتاج البرودة بشكل مباشر، صُمم لامتصاص طاقة شمسية أقل وإطلاق الحرارة بكفاءة أكبر.
 
والنتيجة هي نسيج أرجواني، أظهرت اختبارات الباحثين أنه يبقى أكثر برودة حتى من القطن الأبيض العادي، مع كونه خفيف الوزن ومرناً ومسامياً وقابلاً للغسل ومقاوماً للأشعة فوق البنفسجية.

اخترنا لك