"قشم" الإيرانية الساحرة "حارسة" هرمز.. ماذا نعرف عنها؟
في جزيرة "قشم" الجميلة التي تضم معالم نادرة تحت رعاية "اليونيسكو"، تتلاقى الجغرافيا والتاريخ في نقطةٍ واحدة، لتصنع حكاية ملهمة عن الصمود بوجه العدوان، وعن الطبيعة التي تستعصي على الفناء.
-
"قشم" الإيرانية الساحرة "حارسة" هرمز.. ماذا نعرف عنها؟ (غرافيك: حسين بلحص)
من هناك، حيث يمتدّ لسان الخليج ليشابك مضيق هرمز في عناقٍ أزلي، تقف جزيرة "قشم" الإيرانية.. لا مجرد جزيرة من رمل وماء، بل شاهدةُ عصرٍ تتوسّد ثغراً استراتيجياً من أشد ثغور الشرق سخونةً وهيمنة.
هي ليست ساحلاً ينام على وقع الموج، بل هي قلعةُ طبيعةٍ وصمود، حفرت الأيام في صخورها تجاعيد التاريخ، وروت مياهها قصص المعارك وسير المارين بها.
فعلى خريطة الجغرافيا، تبدو قشم كأنها دلفينٌ يستريح في مضيق هرمز. لكن في لغة الاستراتيجية والنفوذ، هي الحارس المائي لأهم ممرات الطاقة في العالم.
تقع الجزيرة في قلب المضيق الذي تمرّ عبره نحو خُمس الشحنات النفطية العالمية، ما يجعلها ورقة حسمٍ في رسم موازين القوة والردع الإقليمي.
وعليه تُعد أكبر جزيرة في الخليج (تتجاوز مساحتها 1400 كيلومتر مربع)،وتتشكّل جغرافيتها من سلاسل جبلية ومغاور ملحية، أهّلتها لتكون محمية طبيعية عالمية (جيوبارك) تحت رعاية اليونيسكو عام 2006.
تقع "قشم" بمحاذاة الساحل الجنوبي الإيراني عند مدخل مضيق هرمز في محافظة هرمزجان، وتمثّل الجزيرة مفتاحاً رئيسياً للتحكّم في الممرات الملاحية وحركة الناقلات والسفن الضخمة العابرة في مضيق هرمز.
بين مطرقة العدوان وسندان الصمود
لم تكن "قشم" يوماً أطروحة حالمة للهدوء، بل كانت على مرّ العصور محط أطماع الغزاة وساحةً لصراعات:
فقد احتلتها القوات البرتغالية في القرن السادس عشر لبناء قلعتها الشهيرة التي ما زالت أطلالها قائمة حتى اليوم، لتشهد على اندحار الغزاة وصمود أهلها في شتى العصور.
كما شهدت سواحل "قشم" ومحيطها الجوي والمائي محطات معاصرة من التوتر والعدوان، من استهداف الطائرات وناقلات النفط، إلى الحصار الاقتصادي والمناورات العسكرية التي تحاول خنق هذا الشريان.
تحوّلت الجزيرة بفضل مجتمعها البحري الشديد المراس إلى رمزٍ للصلابة، حيث يمتزج فيها صيد الأسماك وصناعة السفن التقليدية (اللنجات) بفلسفة الوقوف الثابت أمام العواصف الجيوسياسية.
سحر الطبيعة وغموض الصخر
بعيداً عن صخب البوارج وندوب العدوان الجائر، تحافظ "قشم" على روح ساحرة تروي حكاية العيش المشترك بين الإنسان والأرض وهنا بعضُ ما تضمّه من معالم آسرة:
-وادي النجوم (تنگه ستارگان) وهو عبارة عن تجويفات صخرية نادرة تعتقد الذاكرة الشعبية أنها تشكّلت في إثر سقوط نجمة من السماء! وهذا الوادي السريالي الحجري هو واحد من أجمل مناطق الجذب السياحي الطبيعية في قشم. وهو المكان المثالي للتنزه والتقاط صور جميلة.
-مغارة نمكدان (مغارة الملح) Namakdan أو Namaki في جزيرة قشم (منطقة Hormozgān) أحد أطول الكهوف الملحية في العالم، حيث تلتقي الثلوج الكريستالية بالظلمة والهدوء.
وكهف " المملحة" (نمكدان) في جنوب جزيرة قشم الايرانية بطول 6580 متراً، ويحتوي على بحيرة ملحية بعمق متر واحد حيث تقع على بعد 160 متراً من مدخل الغار.
-
مشهد من نتوءات قشم ومعالمها الطبيعية (اليونيسكو)
-غابات حرّاء (المانغروف) التي تضمّ نباتات تعيش في الماء المالح، تشكّل مأوىً ساحراً للطيور المهاجرة ورئةً خضراء للبحر.
-
"وادي النجوم" في قشم (تسنيم)
-مضيق "شاه كوه" : يعتبر الكثيرون أنّ مضيق شاه كوه أول وأهم الأماكن في جزيرة قشم حيث يمكن ضمّه لعجائب الدنيا السبع، ويذهب الوادي نحو 100 متر في عمق الأرض. وفي خلال الرحلة إلى الأسفل، يمكن رؤية مجموعة واسعة من الصخور الرسوبية وتآكلها بأشكال رائعة على الجدران وفي التجاويف.
-
مضيق شاه كوه أول وأهم الأماكن في جزيرة قشم (الصورة: بارسا)
-غابة Hara Mangrove عبارة عن محيط حيوي مقيّد يقع في شمال غرب قشم. يقال إن غابات حرا تستضيف نحو 1.5% من الطيور المهاجرة في العالم في المواسم الباردة.
-
الطيور المهاجرة في الجزيرة (طهران اليوم)
وفي الجزيرة، أكثر من 60 قرية، وتتميّز بأنّ الشمس فيها دافئة، حيث يبلغ متوسط درجات الحرارة فيها نحو 27 درجة مئوية، وفيها العديد من المظاهر الطبيعيّة الجميلة مثل الوديان، والكهوف، والتلال.
ويوجد فيها أيضاً، العديد من المواقع السياحية المهمة مثل المساجد القديمة، والحصن البرتغالي، والبرك، ومقام "سيد المظفّر"، كما تضم مياهها المرجان والمحار، وتعتبر موئلاً للطيور المهاجرة، وتضم تنوعاً برياً كبيراً.
ولا تكتفي أماكن الإقامة فيها بتعزيز الاقتصاد السياحي للجزيرة فحسب، بل تساهم أيضاً في الحفاظ على تراثها الثقافي الفريد وتنوعها البيئي.
-
مغارة الملح في قشم أطول كهف ملحي في العالم (بريكس تي في)
وتؤدي النُزُل البيئية في الجزيرة دوراً محورياً في توفير فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع ممارسات الحفاظ على البيئة، وذلك من خلال استخدام مواد محلية المصدر وتعزيز أنماط الحياة التقليدية.
-
"قشم" الإيرانية قِبلة سياحية هامة (الصورة: طهران تايمز)
جزيرة "قشم" عين البحر التي لا تنام
"في قشم، لا يفرّق الماء بين أثر الموج وأثر القذيفة.. كلاهما يتلاشى على جسد الصخر المالح، وتبقى الجزيرة عينَ البحر التي لا تنام، وذاكرة الأرض التي لا تنكسر". وهذه العبارة تُعدّ من النصوص الأدبية أو الخواطر الشعرية المعاصرة المتداولة في إيران.
-
مغارة نمكدان (مهر)
في "قشم" تتلاقى الجغرافيا والتاريخ في نقطةٍ واحدة، لتصنع حكاية ملهمة عن الصمود بوجه العدوان، وعن الطبيعة التي تستعصي على الفناء.
لم تكن القلاع في الذاكرة البحرية مجرد أسوارٍ صلبة تُبنى من المرجان وتُسقف بالحديد، بل كانت دائماً شواهدَ صامتة على ظمأ الإمبراطوريات للاحتلال والتمدد، وقصصاً حيّة عن أناسٍ رفضوا أن تصبح أطرافُ بلادهم موانئ لغير أصحابها.
-
غابات حراء -المانغروف التي تعيش في المياه (visitiran)
في الطرف الشمالي لجزيرة "قشم"، تقف أطلال القلعة البرتغالية لتجلس على ضفاف التاريخ، تروي كيف تحولت الأحلام الاستعمارية العابرة للمحيطات إلى حطامٍ تحت أقدام المقاومين.
-
من آثار القلعة البرتغالية (اف ب)
احتلال برتغالي (1507 – 1621م)
في أوائل القرن السادس عشر، وصل الأدميرال البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك (Afonso de Albuquerque) إلى مياه الخليج، يحمل في عقله استراتيجية خنق التجارة الشرقية عبر السيطرة على الشرايين المائية الثلاثة: مضيق ملقة، باب المندب، ومضيق هرمز.
اقرأ أيضاً: "الألياف الضوئية": ورقة إيران من المياه إلى السحاب!
ولأنّ جزيرة "قشم" كانت تُشكّل السلة الغذائية والمصدر الأساسي للمياه العذبة لجزيرة هرمز المجاورة، وجه البرتغاليون أنظارهم إليها.
وفي عام 1621م، شرع القائد البرتغالي روي فريرا دي أندرادي (Rui Freire de Andrade) في بناء قلعة حصينة على ساحل قشم الشمالي لضمان السيطرة الكاملة وتأمين الإمدادات المائية والتجهيزات العسكرية لقواته.
View this post on Instagram
بُنيت القلعة على مساحة تقارب 2000 متر مربع بستارية دفاعية سميكة من حجارة المرجان والجص الممزوج بالحجر الكلسي، وزُوّدت بـ 4 أبراج مراقبة بارتفاع 12 متراً، وخندق مائي يحيط بها، لتضم داخلها ثكنات عسكرية، ومخازن للعتاد والبارود، وسجناً، وكنيسة، وخزانات مياه أرضية ضخمة.
عقد (اتفاقية ميناب 1622م): أدرك "إمام قلي خان" أن حسم المعركة ضد أسطول عتيق يقتضي قوة بحرية، فاستغل التنافس التجاري الأوروبي، وعقد اتفاقاً تاريخياً في ميناب مع شركة الهند الشرقية الإنكليزية (ممثلةً بالسير إدوارد مونكس). نص الاتفاق على تقديم الإنكليز للمناوشات البحرية والدعم بالمدفعية مقابل امتيازات تجارية وتقاسم غنائم المعركة.
-
بانوراما لجزيرة قشم ومضيق هرمز (المصدر: tv brics)
تجمّع نحو 25 ألف عنصر براً بدعم من المئات من الزوارق المحلية والشرع المائية، بينما فرضت السفن الإنكليزية حصاراً بحرياً على قلعة قشم.
1. الحصار المطبق: ضُرب الحصار على قلعة قشم في أواخر عام 1621م. وعلى الرغم من استماتة القائد البرتغالي "روي فريرا"، إلا أن قطع الإمدادات ودكّ جدران القلعة بالمدفعية زلزل أركان الحصن.
2. سقوط القلعة وتهاوي الحصن: في الأول من شباط/فبراير 1622م، انهارت دفاعات القلعة أمام ضربات جنود إمام قلي خان، واستسلمت الحامية البرتغالية وسقط القائد روي فريرا أسيراً.
جزيرة قشم "مفتاح" هرمز تاريخياً
لم يكن تحرير قشم سوى الخطوة الأولى، إذ اتُّخذت القلعة محررةً وقاعدة انطلاق نحو جزيرة "هرمز"، التي تحررت هي الأخرى بعد أسابيع قليلة في نيسان/أبريل 1622م، ليسقط العصر البرتغالي في هرمز إلى غير رجعة.
الذاكرة المتبقية: أسوار ارتطمت بصخرة الصمود
اليوم، تقف أطلال القلعة البرتغالية في جزيرة قشم متآكلةً بفعل الرطوبة وعوامل الزمن، لكنها ما زالت تحتفظ بمعالمها إذ كشفت التنقيبات الأثرية لاحقاً عن أنفاق سرية تحت الأرض ومدافع قديمة وبقايا أوانٍ صينية وزجاجية تشهد على الحقبة الاستعمارية.
اقرأ أيضاً: "جنة إيران الجيولوجية": جائزة "اليونيسكو" المزدوجة
"تلك الحجارة المرصوصة على ساحل قشم ليست مجرد أثرٍ سياحي، بل هي حكاية موجةٍ استعمارية ظنت أنها ستخلد في الشرق، حتى ارتطمت بصخرة الصمود، فارتدت خائبةً فلم يبقَ منها إلا صدى مدافع صدئة، وأسوارٌ تبكي بانيها.
التاريخ يعيد نفسه: عدوان جديد!
في آب/أغسطس الماضي صرح مُقيِّم من اليونيسكو بأن الهجمات الصاروخية (الأميركية) على جزيرة قشم قد تلحق أضراراً بتكويناتها الجيولوجية، وذلك على الرغم من تأكيد مسؤول في الجزيرة عدم وقوع أضرار جسيمة بالمواقع الجيولوجية.
UNESCO evaluator says missile strikes on Qeshm Island may damage its geological formations, despite park official claiming no significant harm to geosites. More: https://t.co/8f8qZ2FmOs https://t.co/B5TROV5SbN
— IranWire (@IranWireEnglish) August 11, 2026
واليوم، عودٌ على بدء، التاريخ يعيد نفسه، فمن "بندر عباس" إلى جزر "قشم" و"هرمز" و "لارك"، تفرض الجغرافيا الإيرانية حضورها على واحد من أهم ممرات الملاحة في العالم.، وتعتبر خط الدفاع الأول لإيران.. فالأرض التي نبذت المحتل، قادرة على صدّه وكشف مخططاته، بفضل الوحدة والتشبّث بالأرض والوطن.