"باص الأحلام" في غزة: سيارة إسعاف متضررة تمسي مساحة للدعم النفسي للأطفال
المركبة أصبحت "تقدّم إسعافاً من نوع آخر"، من خلال الأنشطة النفسية والترفيهية والثقافية والإبداعية لأطفال غزة.
-
تحمل هذه المبادرة اسم "باص الأحلام"، وهي سينما متنقّلة للدعم النفسي والاجتماعي
ما إن تصل مركبة إسعاف تابعة لـ جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى مخيم النخيل في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، حتى ينشغل عدد من الشبان بتجهيز مساحة صغيرة تحت شادر لتتحوّل إلى قاعة سينما مؤقتة وسط مخيم النازحين، ويرصّون الكراسي في صفوف أمام شاشة عرض يثبتونها على أحد أبواب المركبة، بينما يبدأ الأطفال بالتجمّع حول المكان، يراقبون التجهيزات بفضول، وينتظرون بدء العرض.
وتحمل هذه المبادرة اسم "باص الأحلام"، وهي سينما متنقّلة ومساحة للترفيه والدعم النفسي والاجتماعي باستخدام سيارة إسعاف متضرّرة وخارجة عن الخدمة، جرى تحويلها بهدف الوصول إلى الأطفال في أماكن نزوحهم.
و تفتقر المخيمات إلى المساحات المخصصة للعب والأنشطة، فتقدّم لهم الأفلام الكرتونية والرسم والتلوين والحكايات والألعاب والأنشطة الترفيهية، في محاولة لمنحهم فسحة قصيرة من أجواء النزوح والخوف المحيطة بهم.
وتبدو على وجوه كثير منهم ملامح البؤس والإرهاق، لكن سرعان ما تتغيّر مع بدء عرض الأفلام الكرتونية، فيما ينشغل آخرون بالرسم والتلوين والألعاب والأنشطة الترفيهية.
نخفّف عن الأطفال الألم النفسي
وتقول نفين عبد الهادي، مديرة دائرة الصحة النفسية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إنّ فكرة المبادرة جاءت استجابة للظروف النفسية الصعبة التي يعيشها الأطفال منذ اندلاع الحرب.
وتضيف أنّ الهدف هو تخفيف الألم النفسي الذي يعاني منه الأطفال نتيجة ما عاشوه خلال سنوات الحرب من قصف ونزوح وفقدان لأفراد من عائلاتهم، إلى جانب حرمانهم من التعليم واللعب والحياة الطبيعية.
وتقول "اليوم أتى باص الأحلام إلى أحد مخيمات وسط القطاع وقمنا بتلبية الدعوة للمخيمات الموجودة، وأتينا لنخفّف عن الأطفال الألم النفسي الذي يعانون منه".
وتعود فكرة المشروع إلى نقل الأنشطة الترفيهية والدعم النفسي إلى الأطفال في أماكن وجودهم، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز التي تقدّم هذه الخدمات.
تغيير الصورة التي ارتبطت في أذهان الأطفال
ويقول غالب أبو خاطر، منسق فريق "باص الأحلام" في إدارة الصحة النفسية والاجتماعية بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إنّ الفكرة تهدف إلى توفير مساحة متنقّلة تجمع بين الترفيه والدعم النفسي والثقافي والاجتماعي.
-
سيارة الإسعاف تحوّلت إلى "باص الأحلام" في غزة
ويضيف أنّ الفريق أراد تغيير الصورة التي ارتبطت في أذهان الأطفال بسيارات الإسعاف، والتي أصبحت مرتبطة بالإصابات والقصف والخوف، وتحويلها إلى مكان يرتبط باللعب والفرح.
ويقول أبو خاطر إنّ المركبة أصبحت "تقدّم إسعافاً من نوع آخر"، من خلال الأنشطة النفسية والترفيهية والثقافية والإبداعية.
View this post on Instagram
وتتوزع أنشطة "باص الأحلام" بين مشاهدة الأفلام الكرتونية والرسم والتلوين والحكايات والألعاب والمسابقات والأنشطة الحركية، بحيث يجد كلّ طفل مساحة تناسب اهتمامه وقدرته على التفاعل.
ويقول أبو خاطر إنّ الأفلام المختارة تكون مناسبة لأعمار الأطفال وتحمل مضامين ترفيهية وتربوية، بينما يتيح الرسم والتلوين للأطفال التعبير عن مشاعرهم، خاصة أنّ بعضهم قد يجد صعوبة في الحديث عما مرّ به.
View this post on Instagram
ويوضح أنّ الألعاب والأنشطة الحركية تساعد على تفريغ التوتر والطاقة السلبية، بينما توفّر الحكايات مساحة للتفاعل والاستماع والمشاركة.
ويتابع أنّ الفريق يتلقّى طلبات من مخيمات مختلفة لاستقبال الباص، لكنّ صعوبة التنقّل والظروف الأمنية ونقص الوقود والمواد اللازمة لتنفيذ الأنشطة تشكّل تحدّيات أمام توسيع نطاق العمل.
ظروف إنسانية ونفسية قاسية
وبعد انتهاء الفعّالية، يعيد الفريق جمع المعدات والكراسي، ثم ينتقل بالباص إلى مخيم آخر، في جولة تشمل مناطق مختلفة من قطاع غزة من الشمال إلى الجنوب، وفقاً للتنسيق مع المخيمات والمؤسسات المحلية.
ويعيش أطفال غزة منذ بدء العدوان في تشرين الأول/أكتوبر 2023 ظروفاً إنسانية ونفسية قاسية، بعد أن اضطر كثير منهم إلى النزوح عدة مرات، وفقد بعضهم أفراداً من عائلاتهم أو منازلهم، فيما تعرّضت المدارس والمرافق التعليمية والترفيهية لأضرار واسعة.
وفي مخيمات النزوح، يقيم الأطفال في خيام تفتقر إلى المساحات المناسبة للعب، وسط نقص في الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى التعليم والأنشطة الاجتماعية، الأمر الذي يزيد من الضغوط النفسية التي يواجهونها.
-
"باص الأحلام" في غزة يحوّل سيارة إسعاف متضرّرة إلى مساحة لدعم الأطفال (الأناضول)
وترى المختصة بعلم النفس سماح القصاص أنّ الأنشطة الترفيهية الجماعية يمكن أن تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من حدة التوتر والخوف.
وقالت القصاص إنّ الطفل قد لا يستطيع التعبير بالكلمات عن تجربة مؤلمة عاشها، لكنه يستطيع التعبير عنها من خلال الرسم أو اللعب أو التفاعل مع أطفال آخرين.
بيانات الصحة: 96% من الأطفال يشعرون بأنّ الموت وشيك
وتضيف أنّ توفير مساحة آمنة للعب "يساعد الطفل على استعادة جزء من شعوره بالأمان، ويمنحه فرصة مؤقتة للابتعاد عن مصادر الخوف والضغط المحيطة به".
وتؤكد أنّ مثل هذه الفعّاليات لا تغني عن العلاج النفسي المتخصص، لكنها يمكن أن تشكّل جزءاً مهماً من برامج الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً للأطفال الذين تعرّضوا لفقدان أفراد من عائلاتهم أو النزوح المتكرر أو مشاهد العنف.
وتشير بيانات برنامج غزة للصحة النفسية، الواردة في تقرير أصدره في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بعنوان "أزمة الصحة النفسية: عامان من العيش في ظل الإبادة الجماعية"، إلى أنّ 67.8 بالمئة من سكان قطاع غزة يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.
ويوضح التقرير أنّ 96% من الأطفال يشعرون بأنّ الموت وشيك، بينما يواجه 92% منهم صعوبة في التكيّف مع واقعهم الجديد، وتظهر على 87%علامات الخوف والكوابيس المستمرة.
كما يشير التقرير إلى أنّ 4 من كلّ 5 أطفال يتجنّبون الحديث عن تجاربهم المؤلمة، فيما لوحظت سلوكيات عدوانية لدى نحو 73% منهم، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً على تدهور منظومة الأمان النفسي لدى الأطفال.
اقرأ أيضاً: أطفال غزة حديثو الولادة في مرمى الموت في ظل الحصار الإسرائيلي