"الملوخية".. من الطبخة الشعبية إلى "سيجارة الفقراء" في غزة!

"الملوخية"، التي كانت رمزاً للبيت الفلسطيني ورائحة الغداء العائلي، تحوّلت إلى "سيجارة الفقراء" في غزة؛ سيجارة خضراء بطعم مرّ، تشبه تماماً الحياة التي يعيشها القطاع منذ سنوات في حصار ودمار وعدوان مستمر.

  • غزة
    مع تضاؤل الخيارات بدأ الناس بتجفيف أي نبات أخضر يمكن أن يُحرق ويُستنشق رغم ضرره (الصور: عمر القطاعة - ا ف ب)

في غزة، يتحوّل كل شيء بسبب العدوان والحصار. الخبز يصبح حلماً، القهوة تفقد مذاقها، والبيوت تتحوّل إلى أكوام إسمنت وغبار، وحتى الملوخية، تلك الوجبة الشعبية التي ارتبطت دائماً برائحة البيوت الدافئة ولمّة العائلة، خرجت من المطبخ لتدخل عالم التدخين.

هنا، في شارع عمر المختار بمدينة غزة، يقف رجال متعبون في طوابير صغيرة، لا لشراء الخضار أو الخبز، بل للحصول على سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة، على الرغم من ضرر الدخان والتدخين، فكيف إذا كان مصنّعاً بطرقٍ بدائية وغير صحية..

المشهد يبدو عبثياً للوهلة الأولى، لكنه في غزة لم يعد هناك ما يُدهش. الحرب الطويلة غيّرت كل شيء، حتى العلاقة بين الإنسان وما يستهلكه.

فالسجائر التي كانت يوماً سلعة اعتيادية، تحوّلت إلى ترف باهظ الثمن لا يقدر عليه كثيرون، بعدما ارتفع سعر السيجارة الواحدة إلى أضعاف مضاعفة، في قطاع يعيش انهياراً اقتصادياً كاملاً وحصاراً خانقاً وندرة في كل المواد الأساسية.

 "الملوخية" تدخل عالم الدخان!

وسط هذا الخراب، ظهرت "سجائر الملوخية" كواحدة من أكثر الظواهر غرابة وقسوة  في آن واحد. أوراق خضراء تُجفف بطرق بدائية، تُفتّت بالأيدي، ثم تُخلط بسائل نيكوتين مجهول المصدر داخل أكياس بلاستيكية صغيرة، قبل أن تُلفّ وتباع للمدخنين الباحثين عن أي شيء يشبه السيجارة.

أبو عمر كلجة، أحد الباعة الذين امتهنوا صناعة هذا البديل الغريب، يقف خلف بسطة متواضعة قرب خيام النازحين. يخلط أوراق الملوخية المجففة داخل كيس بلاستيكي ويرجّه بعناية، بينما يتجمع حوله زبائن ينتظرون دورهم. يقول بصوت يحمل شيئاً من السخرية المرة: "هاي مش سيجارة حقيقية، هاي ملوخية مطعّمة بالنيكوتين. بس الناس بدها أي دخان وخلاص".

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by blinx (@blinxnow)

غزة تدخّن الهروب المؤقت

كلامه لا يخلو من الحقيقة. فالمدخنون هنا لا يبحثون عن المتعة بقدر ما يبحثون عن الهروب المؤقت من واقع ثقيل. السيجارة في غزة لم تعد فقط عادة، بل تحولت عند كثيرين إلى وسيلة للتنفيس عن الغضب والتوتر والخوف والجوع، خصوصاً في ظل حرب مستمرة قلبت تفاصيل الحياة اليومية رأساً على عقب.

في شوارع المدينة المدمرة، تنتشر بسطات بيع "السجائر الخضراء" بين الركام والخيام. الرائحة نفاذة وغريبة، مزيج من الأعشاب المحترقة والمواد الكيميائية، فيما يتصاعد الدخان بكثافة من أفواه رجال يجلسون على حجارة مهدمة أو أمام خيام مهترئة.

دخان أخضر بين الركام والخيام

أحد المدخنين، ويدعى شادي أحمد، ينظر إلى "السيجارة بين أصابعه كما لو أنه لا يثق بها حتى وهو يدخنها". يقول للميادين نت: "إحنا ما بنعرف شو فيها بالزبط. مرات بيقولوا نيكوتين، مرات بيقولوا مواد ثانية. ممكن تكون سم، ممكن تكون مبيدات، بس بالنهاية الناس مضطرة".

  • .يقوم البعض بتجفيف الملوخية أو الخبيزة لصنع السجائر!
    يقوم البعض بتجفيف الملوخية أو الخبيزة لصنع السجائر!

هذا "الاضطرار" أصبح الكلمة الأكثر استخداماً في غزة. الناس هنا لا يختارون كثيراً، بل يتأقلمون مع ما تبقّى. ومع انهيار الأسواق واختفاء كثير من السلع، بات كل شيء قابلاً لإعادة التدوير أو التحوير. الحطب للطهي، البلاستيك للتدفئة، والمولّدات القديمة كمصدر كهرباء، والآن الملوخية كبديل للتبغ.

من الطعام الشعبي إلى سلعة أزمة!

المفارقة القاسية أن الملوخية نفسها، التي كانت طبقاً شعبياً متاحاً للفقراء قبل الأغنياء، أصبحت أيضاً ضحية الغلاء. فالحرب لم تضرب فقط السلع المستوردة، بل طاولت الزراعة أيضاً، بعدما تقلّصت الأراضي القابلة للزراعة بشكل حاد نتيجة العمليات العسكرية والتجريف ومنع الوصول إلى مساحات واسعة من القطاع.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by AFP Arabic - فرانس برس بالعربية (@afparabic)

ومع تضاؤل الخيارات، بدأ الناس بتجفيف أي نبات أخضر يمكن أن يُحرق ويُستنشق. الملوخية ليست الوحيدة. هناك من يستخدم الخبيزة، وآخرون يجربون أوراق الجميز أو أعشاباً أخرى، في محاولات يائسة لصناعة شيء يشبه السجائر.

كل ما هو أخضر قابل للاحتراق!

أحد الشبّان يضحك بمرارة وهو يتحدث مع أصدقائه قائلاً: "كل ما هو أخضر صار ينشفوه ويدخنوه". خلف الضحكة تختبئ حقيقة أكثر قسوة: غزة دخلت مرحلة يصبح فيها الإنسان مستعداً لتجربة أي شيء من أجل الحفاظ على إيقاع حياة مكسور أصلاً.

 المشكلة لا تكمن فقط في احتراق الأعشاب، بل في السوائل الكيميائية التي تُضاف إليها، والتي قد تحتوي على مواد سامة أو مهيّجات خطيرة تؤثر مباشرة على الرئتين والقلب.

عادل أحمد، وهو رجل في الثالثة والأربعين من عمره، يدخن منذ كان مراهقاً. اليوم يجلس أمام خيمته في خان يونس ممسكاً بسيجارة ملفوفة يدوياً من الملوخية. يقول للميادين نت: "لو حطّوا سم بندخنه. لا حياة ولا مستقبل حتى نخاف على صحتنا"!

هذه الجملة وحدها تختصر المزاج العام في القطاع. فحين يعيش الإنسان وسط الحرب والدمار والنزوح والجوع وفقدان الأحبة، تصبح المخاوف الصحية بعيدة ومؤجلة. الموت هنا لم يعد احتمالاً نظرياً، بل جزءاً يومياً من المشهد.

التدخين كوسيلة "للبقاء النفسي"

حتى النساء اللواتي اعتدن تدخين السجائر التقليدية وجدن أنفسهن أمام هذا البديل القاسي. أم محمد شاهين، النازحة في خيمة بخان يونس، تقول إنها كانت تدخن علبة كاملة يومياً قبل الحرب، أما الآن فتكتفي ببضع سجائر من الملوخية. تضيف وهي تحاول إشعال سيجارة بصعوبة: "طعمها بشع وريحتها أسوأ، بس الواحد بدّه يفرّغ اللي جواه".

كلماتها تكشف جانباً آخر من الحكاية. فالتدخين هنا ليس فقط إدمان نيكوتين، بل محاولة للتماسك النفسي وسط الانهيار. كثيرون يدخنون لأنهم يريدون الإمساك بشيء مألوف في عالم فقد كل ملامحه الطبيعية.

تضيف لنا "في غزة، حتى الطقوس الصغيرة تغيّرت. فنجان القهوة الذي كان يُرافق سيجارة الصباح فقد معناه أيضاً. القهوة نفسها أصبحت سيئة ورديئة أحياناً"، لكن الناس يتمسكون بها كما يتمسكون بأي تفصيل قديم يذكّرهم بحياة كانت أقل قسوة.

  • .تباع هذه اللفائف الضارة بالصحة بين الركام والخيم
    .تباع هذه اللفائف الضارة بالصحة بين الركام والخيم

المفارقة أن "سجائر الملوخية" لا تمنح المدخنين الإحساس نفسه الذي تمنحه السجائر الحقيقية. فبحسب الباعة والمدخنين، هي مجرد أوراق عشبية مضاف إليها سائل نيكوتين، لذلك لا "تسدّ" حاجة المدخّن بالكامل. لكن رغم ذلك، تستمر في الانتشار لأن البديل الحقيقي غير متوفر.

اقتصاد البقاء لا الحياة

العدوان على غزة لم يدمّر المباني فقط، بل دمّر أيضاً البنية النفسية والاجتماعية للناس. حين تتحوّل الملوخية إلى سيجارة، فهذا لا يعكس مجرّد أزمة تبغ، بل يكشف حجم الانهيار الذي وصل إليه المجتمع المحاصر.

اقتصاد غزة اليوم قائم على البقاء، لا على الحياة. كلّ شيء يُقاس بقدرته على سدّ فجوة مؤقتة: كيف نأكل؟ كيف نطبخ؟ كيف نحصل على الماء؟ وكيف يجد المدخّنون بديلاً عن السجائر؟ لذلك لم يكن غريباً أن تظهر تجارة كاملة تعتمد على تجفيف الأعشاب وبيعها كبدائل للتبغ.

لكن الأخطر في هذه الظاهرة ليس غرابتها فقط، بل مخاطرها الصحية المجهولة. فالمواد المستخدمة في الخلط غير خاضعة لأي رقابة، ولا أحد يعرف فعلياً ما الذي يُضاف إلى هذه الأوراق قبل تدخينها. بعض المدخنين يتحدثون عن سائل نيكوتين، وآخرون يخشون أن تكون مواد كيميائية أو مبيدات حشرية.

دخان يلتهم ما تبقّى من الرئة

ويحذّر أطباء في غزة من أن الظاهرة لم تعد مجرد بديل مؤقت للسجائر، بل تحولت إلى خطر صحي متصاعد يصيب المدخنين بمضاعفات خطيرة. ويقول أحمد الربايعة، استشاري الطب الباطني في مستشفى الشفاء، إن المستشفيات تسجل زيادة حادة في حالات الالتهابات الرئوية الحادة والفشل التنفسي وضيق النفس وتسارع ضربات القلب، نتيجة تدخين أوراق الملوخية والنباتات الأخرى بعد خلطها بمواد مجهولة المصدر.

ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في احتراق الأعشاب، بل في السوائل الكيميائية التي تُضاف إليها، والتي قد تحتوي على مواد سامة أو مهيّجات خطيرة تؤثر مباشرة على الرئتين والقلب.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Radio IFM (@radioifm)

ولا تبدو هذه التحذيرات بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المدخنون أنفسهم. أكرم المناصرة، وهو أحد سكان غزة الذين لجأوا إلى "سجائر الملوخية"، يقول بسخرية حزينة: "أنا واحد من الناس بدخن، ومن يوم قصة الملوخية وأنا بسعل كأني زلمة عمره مية سنة".

يسعل أكرم مراراً أثناء حديثه، ثم يبتسم بمرارة قبل أن يشعل سيجارة أخرى، في مشهد يختصر التناقض القاسي في غزة؛ الناس يعرفون الضرر جيداً، لكنهم يعيشون واقعاً يجعل حتى الأذى يبدو أحياناً أقل قسوة من الفراغ والضغط والخوف المستمر.

غزة التي تعيد اختراع الألم

ورغم هذه المخاوف، لا يبدو أن الناس يملكون رفاهية التوقف والتفكير كثيراً. فالأولوية في غزة لم تعد للصحة طويلة الأمد، بل لتجاوز اليوم الحالي بأقل قدر ممكن من الانهيار النفسي.

المشهد في شارع عمر المختار يبدو كأنه اختصار مكثف لحكاية القطاع كله. رجال يبحثون عن دخان أخضر وسط مدينة مدمرة، وأصوات الباعة تختلط بأصوات المولدات والطائرات، بينما تتحرك الحياة ببطء فوق طبقات كثيفة من التعب والخسارة.

في مكان آخر من العالم، قد تبدو "سجائر الملوخية" فقط قصة طريفة أو غريبة تستحق التداول على مواقع التواصل، لكنها في غزة ليست نكتة ولا موضة هامشية، بل نتيجة مباشرة لحرب طويلة دفعت الناس إلى إعادة اختراع تفاصيل حياتهم بطرق قاسية ومؤلمة.

هنا، لا أحد يدخن الملوخية لأنه يحبها. الناس يدخنونها لأن الخيارات انتهت. ولأن الحرب حين تطول بما يكفي، فإنها لا تسرق فقط البيوت والأرواح، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وأبسط احتياجاته اليومية.

وهكذا، تحوّلت الملوخية، التي كانت رمزاً للبيت الفلسطيني ورائحة الغداء العائلي، إلى "سيجارة الفقراء" في غزة، سيجارة خضراء بطعم مرّ، تشبه تماماً الحياة التي يعيشها القطاع منذ سنوات: حياة تُدخَّن على مهل، وسط دخان كثيف من الحرب والانتظار والخسارة.

اقرأ أيضاً: القوارض والنفايات: وجه آخر للمعاناة في غزة

اخترنا لك