"أيقونة" إيرانية في الأمم المتحدة.. ماذا نعرف عن أقدم سجادة؟

الحائك الإيراني قد يقضي يوماً كاملاً، من الشروق حتى الغروب، ليربط بضعة آلاف من العُقد الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها سنتيمترات قليلة. وهذا الإصرار على "الميكرو-تفاصيل" يجعل من إنتاج سجادة واحدة رحلةً قد تستغرق عامين أو ثلاثة من العمل اليومي الدؤوب!

  • "ميكرو تفاصيل" المهارة والصبر في تصنيع السجاد الإيراني

حين تيّمم وجهك شطر الشرق، وتحديداً نحو الهضبة الإيرانية الممتدة بين غبار التاريخ ونور الحضارة، لا تصادفك مجرد صناعة أو حرفة عابرة، بل أنت أمام لوحةٍ قشيبة لم تزخرفها ريشة رسام، أو "ديوان شعر" صامت، لم يكتبه الشعراء بالحبر، بل غزلته أنامل الحائكين بخيوط الحرير والصوف وعرق السنين!

إنه السجاد الإيراني (أو العجمي)، تلك الأيقونة التي تجاوزت مفهوم "الأثاث" والمقتنيات المنزلية، لتصبح وثيقة تاريخية، ولوحة تشكيلية تسافر عبر الزمن لتخبرنا عن هوية أمة أتقنت تحويل الخيط إلى لغة عالمية.

يعتبر، أحد الرموز الثقافية والفنية لإيران على الصعيد العالمي بتاريخه الممتد لأكثر من 2000 عام، وهو وثيقة حية للمهارة، الجماليات والهوية الوطنية.
فالسجّاد هنا ليس مجرد عمل فني، بل هو وثيقة حية للتاريخ، الثقافة والجمال، تروي قصة عن إيران مع كل عقدة خيط.

هذه السجادات التي يبلغ عمرها آلاف السنين لا تغطي الأرض فحسب، بل تستحوذ أيضاً على عقول وقلوب الناس في جميع أنحاء العالم.

في محترفات السجاد الإيراني، لا يُقاس العمر بالأيام، بل بعدد العُقَد التي تولد بين أنامل النّساجين، هناك حيث يُنسج الوقت ببطءٍ شديد، ليتحول الصبر نفسه إلى لوحةٍ خالدة!

وعلى الرغم من تأثير العدوان على هذه الحرفة التاريخية، إلاّ أن هذا لا يلغي إصرار الشعب الإيراني على الاستمرار في العطاء والصمود.

 الإصرار على "الميكرو-تفاصيل"

السرّ الأول يكمن في تفاصيل الهندسة الدقيقة التي تحكم هذا الفن. السجاد الإيراني لا يعرف العشوائية، فكلما زادت الدقة، صغُر حجم العُقدة، وارتفع عدد العُقد في السنتيمتر المربع الواحد (ما يُعرف بالـ "راج").

الحائك الإيراني قد يقضي يوماً كاملاً، من الشروق حتى الغروب، ليربط بضعة آلاف من العُقد الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها سنتيمترات قليلة.

هذا الإصرار على "الميكرو-تفاصيل" يجعل من إنتاج سجادة واحدة متوسطة الحجم رحلةً قد تستغرق عامين أو ثلاثة من العمل اليومي الدؤوب.

البطء هنا ليس عجزاً، بل هو خيارٌ واعتزاز. النساجون – وغالبيتهم من النساء في القرى والقبائل، أو الصناع المهرة في مدن مثل تبليط، وأصفهان، وقم – يضعون جزءاً من أرواحهم، ومشاعرهم، وأغانيهم الشعبية بين الخيوط. السجادة تولد ككائن حي، تنمو ببطء كشجرةٍ دهرية، تعكس الحالة النفسية والمناخية والقصص اليومية لمن يحيكها.

  • تفاصيل مذهلة تحاكي المهارة والصبر
    تفاصيل مذهلة تحاكي المهارة والصبر

السجادة الأقدم في العالم

من سجادة "بازيريك (مشعرة)" التي تعود إلى 5 قرون قبل الميلاد وصولا إلى روائع النسيج في كاشان، أصفهان، تبريز وكرمان، لطالما كان فن نسج السجاد في إيران في أوج ازدهاره.

وتعد سجادة "بازيريك" أقدم سجادة في العالم. وقد تم العثور عليها سنة  1949 من قبل العالم الروسي البروفسور رودنكو في مقبرة في منطقة بازیريك الواقعة في جبال الآلتاي ي في قزاقستان. وهي الأثر الوحيد الذي بقی من العصر الهخامنشی (550-330 ق.م)، وقد بقيت سالمة إلى حد ما لوقوعها بين طبقات الثلوج.

والجدير ذكره أنه عثر على هذه السجادة إلى جانب بعض الآثار المتعلقة بالنقود المعدنية، الا أن أكثر الخبراء يرى الشبه الكبير لنقوشها في أعمدة ومنحوتات تخت جمشید، وأنها نسجت في ایران.

تفاصيل حبكات السجادة

 للسجادة ارضية متشكّلة من أُطر متعددة وقد هیمنت عليها الحواشي تصميماً وحجماً. ويحتوى كل إطار على 4 براعم من  وردة "النيلوفر "مفتحة في الزوايا الـ 4 حيث ملأت اوراق الورود الفواصل بين تلكم البراعم.

-مکان وتاريخ الحياكة: إیران القرن الخامس قبل الميلاد


-المستودع: متحف أرميتاج، سان بطر سبورغ - روسيا


-التصمیم: "بازیريك"


-نوع العقدة: متناسقة


-الطول و العرض بالسنتیمتر: 200×183


-عدد الراج: تقریباً 40


-عدد العقد في 10 سم عرضاً: 60

 

 

الحاشية العريضة للسجادة تشكلت من 28 فارساً يسير الواحد تلو الآخر باتجاه واحد،  والحاشية الرابعة تزینت بـ 24 ضبیاً تسیر بالاتجاه المعاكس لحركة الجياد. كما زیّنت حاشية ثالثة بنفس النقوش ظلال أرضية السجادة.

وقد أضفى التلوين المتناسق للسجادة بألوانها الحمراء القاتمة والخضراء والزرقاء الخاصة المعروفة باللون المائي البازیكي المشهور مسحة الجمال واضحة على السجادة.

  •    سجادة
    سجادة "بازيريك" التي تعود إلى 5 قرون قبل الميلاد

 السجادة الإيرانية ثمرة الصبر والمهارة

ولكل منطقة لغتها البصرية الخاصة، فزخارف الزهور والشجيرات، مناطق الصيد، البرغموت، والمحراب، كلها انعكاسات للطبيعة، المعتقدات ونمط الحياة في إيران الإسلامية.

السجادة الإيرانية هي ثمرة الصبر والمهارة، فالنسّاج الذي يجلس على النول لشهور أو سنوات لا ينسج الخيوط فحسب، بل ينسج أيضاً الذكريات، الأحلام والهوية العرقية. الألوان الطبيعية، الخيوط المغزولة يدوياً والعقد المتقنة تجعل هذه السجادات ليست جميلة فحسب، بل متينة وطويلة الأمد أيضاً.

يقول أحد صانعي السجاد اليدوي في طهران إن صناعة السجاد في إيران لا تمثّل صناعة فقط فهي فن تقليدي قديم للشعب الإيراني، فن ممزوج بالصناعة، ويعود إلى أكثر من 2500 سنة".

ويضيف أنه "تطور بعدة مراحل عبر التاريخ وفي السنوات السابقة كانت صناعة السجاد تفوق مدخولاتها صادرات النفط، وهي واجهة الصناعات اليدوية، وهي تمثل أيقونة الصناعة اليدوية في العالم".

سجادة إيرانية في مقر الأمم المتحدة

يذكر أن الشهرة العالمية الكبيرة للسجاد اليدوي الإيراني، وانتشاره الواسع دُولياً، دفعا واشنطن إلى منع تصديره إلى الولايات المتحدة، وذلك ضمن سلسلة  العقوبات الّتي عادت وفرضتها واشنطن على إيران (عام 2018)، بحيث كانت نسبة صادرات السّجاد الإيراني إلى الولايات المتحدة وحدها، تبلغ نحو 30% من إجمالي قيمة صادرات السجاد إلى كل دول العالم. 

  •  السجادة الإيرانية الشهيرة داخل مقرّ الأمم المتّحدة
    السجادة الإيرانية الشهيرة داخل مقرّ الأمم المتّحدة

وعلى الرغم من العقوبات الأميركية، فإن هناك سجّادة إيرانيّة حاكها أشهر صنّاع السّجاد اليدوي في أصفهان، محمد صيرافيان، وهي معلّقة على أحد الجدران داخل مقرّ الأمم المتّحدة في مدينة نيويورك، وفي داخلها نقش شعر "بني آدم" لأحد أهم شعراء إيران، سعدي الشيرازي.

وتمت ترجمة الكلمات على اللوحة بجانب العمل الفني وتقول:

"كل البشر أعضاء في جسد واحد،
 كلنا، في البداية، جئنا من نفس الجوهر. 
عندما يصيب الزمن أحد الأطراف بالألم،
لا يمكن ترتاح الأطراف الأخرى. 
إذا لم تشعر ببؤس الآخرين،
فلا يمكن أن تكون إنسانًا ".

في عام 2005، قدمت جمهورية إيران الإسلامية هذه السجادة الإيرانية إلى الأمم المتحدة تكريماً لـ "حوار الحضارات" الذي بدأ في عام 2001. كما حضر حفل التقديم الفنان محمد صيرفيان. 

 مكانة خاصة في المتاحف المرموقة

ويحتل السجاد الإيراني اليوم مكانة خاصة في المتاحف المرموقة، منازل عشاق الفن، والأسواق العالمية. وفي الواقع فتعد هذه السجادات، سفراء صامتون للثقافة الإيرانية، تنقل رسالة الجمال، المهارة والأصالة الإيرانية دون الحاجة إلى الترجمة.

لم يقتصر عرض السجاد الإيراني على المنازل والمتاحف فحسب، بل يتم عرضها أيضاً في أهم المحافل الدولية كرموز للفن والثقافة الإيرانية.

وفيما يلي نستعرض بعض الأمثلة البارزة للسجاد الإيراني على الساحة العالمية:

يعرض  متحف "متروبوليتان" للفنون في نيويورك  سجاداً (من العهد الصفوي)، بما في ذلك سجاجيد الصيد والصلاة. وتُعتبر هذه الأعمال كنوزاً ثمينة من الفن الإسلامي.

و متحف "فيكتوريا وألبرت" في لندن يضم هذا المتحف واحدة من أكبر مجموعات السجاد الإيراني في أوروبا، بما في ذلك سجاجيد من العصرين الصفوي والقاجاري، بالإضافة إلى نماذج من تبريز وكرمان.

يعرض متحف إسطنبول للسجاد  الذي يقع في قسم "هونكار" بمسجد "السلطان أحمد"، السجاجيد الإيرانية التي تم إهداؤها إلى العثمانيين خلال الفترة الصفوية.

كما يضم متحف الفنون التاريخية في فيينا: في النمسا مجموعة من السجاجيد الإيراني الفاخرة في قسم الفنون الإسلامية.

وما يستحق التنويه، أن  خبراء تقنیون إيرانيون نجحوا في إحدی الشرکات الإيرانية النشطة فی مجال حیاکة السجاد بواسطة المکائن الآلیة، في تصدیر منتجاتهم إلی بعض الدول الأوروبیة والآسیویة، من خلال جعل هذه المنتجات مضادة للبکتیریا.

ووفّقت إحدى شرکات التکنولوجیا الإيرانية في إنتاج أنواع مختلفة من خیوط البولیستر المضادة للبکتیریا، یتم استخدامها في صناعة المنسوجات وحیاکة السجاد المضاد للبکتیریا آلياً باستخدام تقنیة "النانو".

يظهر هذا الحضور العالمي أن السجادة الإيرانية ليست مجرد منتج فني، بل هي أيضاً السفير الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في العالم.

فلا يكفيك أن ترى السجاجيد الإيرانية فحسب، بل عليك أن تحسّها، تسمعها وتسافر بها إلى قلب التاريخ، إلى أعماق الفن والروح الإيرانية.

اقرأ أيضاً: منمنمات السجاد الإيراني"أيقونة الصناعة اليدوية في العالم"

اخترنا لك