"عصفور الشمس" الفلسطيني - اللبناني لا يعترف بالشريط الشائك!
عصفور "الشمس" الصغير يتغلّب على محاولات الاحتلال الدؤوبة لـ "سرقته"، ومحو "الجنسية" العربية عنه، هو لا يعرف الحدود ولا الجدران المكهربة والشريط الشائك.. بل يجسد منذ 1865، الحق الطبيعي لأهل الأرض عبر انتماء راسخ من طوابع وأختام وهواء وأرضٍ عربية واحدة.
حين يرتشف هذا الطائر الصغير رحيق الأزهار في قمم مرجعيون أو على ضفاف الوزاني، ثم يعود ليحطّ على أشجار الزيتون في الناصرة وصفد، فهو لا يمارس مجرد هجرة بيئية عابرة، بل يصوغ وثيقة تكامل طبيعي بين "جبل عامل" اللبناني والعمق الفلسطيني.
على جانبي "الشريط" بين فلسطين ولبنان، لا يعترف الهواء بالحدود المصطنعة أو بأسلاك الشائك ولا تعبأ الأجنحة بخرائط الاحتلال الآنية المصطنعة.
ففي المدى الممتد من بساتين صور وأودية بنت جبيل إلى روابي الجليل وجبال الخليل، يتحرك "عصفور الشمس" كحارس سرّي للذاكرة الإيكولوجية، حاملاً بين منقاره المائل حكاية أرض واحدة لم تستطع سنوات الشتات والاحتلال أن تجزّئ نبضها البري.
جغرافيا النبض الواحد: من حقول التبغ إلى بساتين الجليل
نعم.. حين يرتشف هذا الطائر الصغير رحيق الأزهار في قمم مرجعيون أو على ضفاف الوزاني، ثم يعود ليحطّ على أشجار الزيتون في الناصرة وصفد، فهو لا يمارس مجرد هجرة بيئية عابرة، بل يصوغ وثيقة تكاملٍ طبيعي بين صخرة "جبل عامل" في جنوب لبنان و جوف العمق الفلسطيني:
This is the Palestinian Sunbird. It was adopted as Palestine’s national bird in 2015 after Israel attempted (& failed) to rename the species & it lost in a public vote campaign for Israel’s national bird.
— aidil (@climateaidil) January 22, 2024
The Palestinian Sunbird is a symbol of freedom & resilience. https://t.co/E960wlQfDZ
-البيئة الممتدة: التضاريس المناخية المتآلفة بين جنوب لبنان وشمال فلسطين تخلق فضاءً حيوياً واحداً، حيث تتشابه الغابات الجافة والروابي المترعة بالشمس، وتتآلف النباتات البرية التي تشكل الملاذ الآمن لبناء أعشاشه المتدلية.
ويُعد لبنان أيضاً، موطناً لـ "طائر الشمس"، أو "تمير فلسطين" أو (Cinnyris osea)، ولا يقتصر وجوده في جنوب لبنان، بل يُعد طائراً مقيماً ومتكاثراً بشكل شائع في المناطق الممتدة من الجنوب وصولاً إلى بعض أجزاء بيروت، كما أنه زائر شتوي للشريط الساحلي الجنوبي، مع تزايد في مشاهداته في مناطق لبنانية، ما يشير إلى أن أعداده مستقرة على الأرجح، وأن نطاق انتشاره يتوسع أكثر نحو الشمال.
-وحدة الأثر: إن اسم هذا الطائر — سواء أُطلق عليه "عصفور الشمس الفلسطيني" (Cinnyris osea) أو تم تتبعه في قمم الجنوب اللبناني — يحمل الدلالة ذاتها: إنسانية الأرض وحرية الحركة التي ترفض الاعتراف بالحدود الاصطناعية.
قرار رئاسة الحكومة: تبني طائر "أبو الزهور"
ويُعتبر عصفور الشمس الفلسطيني، المعروف شعبياً بـ "أبو الزهور"، الطائر الوطني لدولة فلسطين ورمزاً لهويتها البيئية والثقافية.
وبالفعل فقد قرر مجلس الوزراء الفلسطيني في شباط/ فبراير 2015 ، تبني "عصفور الشمس" الفلسطيني طائراً وطنياً لفلسطين، بتنسيب من سلطة جودة البيئة.
-
"عصفور الشمس" على طوابع فلسطينية (pupa-gaza)
وتحوّل الطائر إلى رمزٍ وطني يظهر على طوابع البريد والبطاقات والرسائل الفلسطينية، وقامت وزارة الاتصالات الفلسطينية وبالتعاون مع جمعية الحياة البرية باصدار طابع فلسطيني رسمي يحمل صورته عام 2000.
كما استُخدمت تصاميم الطائر على الطوابع والأختام لتعزيز الوعي البيئي والانتماء، وعُدّت هذه الاصدارات البريدية وسيلة ثقافية وفنية لإثبات الهوية الفلسطينية في المحافل العالمية.
بالتوازي، قامت الجمعية خلال العام 2010 بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم بحملة لدعم تسمية عصفور الشمس الفلسطيني، بالعصفور الوطني عن طريق تنظيم مسابقة وطنية لتصويره وكتابة التقارير عنه.
وكان الطائر الجميل قد تعرّض لمحاولات "إسرائيلية" لتغيير اسمه في المحافل الدولية إلى مسميات مثل "الطائر الوردي" أو "عصفور إسرائيل"، إلا أن توثيق الاسم العلمي والدولي المرتبط بفلسطين أفشل تلك المحاولات.
شهوة السطو: حين تُصادر الأجنحة وتُزوّر الأسماء
لم تتوقف أدوات السطو "الإسرائيلي" عند حدود الاستيلاء على التراب العربي ومياه النهر ومحاصيل الزيتون، بل امتد ليطال الكائنات التي تعيش في السماء.
فالسعي الدؤوب لنسبة هذا الطائر إلى مؤسسات الاحتلال وتغيير مسمّاه التاريخي في المحافل الدولية (كالمحاولة الفاشلة لتسميته "العصفور البرتقالي") يمثّل ذروة القلق الاستعماري من كل ما يحمل كلمة "فلسطين" أو يشير إلى الهوية المشرقية الأصيلة.
مدير جمعية الحياة البرية في فلسطين عماد الأطرش يقول إنهم فوجئوا أثناء زيارتهم عدداً من المحافل الدولية بمحاولة "إسرائيل" الترويج له باعتباره "عصفوراً إسرائيلي الأصل" وباسم مختلف عما يطلق عليه في فلسطين، على الرغم من تسجيله في المجلس العالمي لحماية الطيور باسم عصفور الشمس الفلسطيني.
غير أن الطبيعة تمتلك لغتها الخاصة التي تستعصي على المصادرة، فمهما بلغت محاولات الترويج والتزوير، يظل الطائر المسجّل عالمياً منذ عام 1865 شاهداً حياً على أن ريشه البراق — الذي يعكس تحت أشعة الشمس مزيجاً من البنفسجي والأخضر والنيلي — إنما هو انعكاس لضوء هذه الأرض العربية الخالصة.
صمود الطبيعة وثقافة التشبث
في القرى الجنوبية كما في المدن والروابي الفلسطينية، يمثّل "أبو الزهور" رمزية تتجاوز حجمه الذي لا يتعدى بضعة غرامات:
-دلالة الكرامة والحرية: تحليقه السريع ورشاقته الواثقة يتداخلان مع وجدان الناس الذين يزرعون التبغ والقمح، ليكون الطائر جزءاً من الأغنية والقصيدة والذاكرة الشفوية للبلدين.
-
"عصفور الشمس" الفلسطيني - اللبناني لا يعترف بالشريط الشائك! (غرافيك: ندين بدر الدين)
-الرد بالتوثيق: إن اعتماد يوم البيئة الوطني، وإصدار الطوابع البريدية، وإحياء المناسبات الجامعة بين يوم الأرض والربيع، هي خطوات تؤكد أن حماية التنوع الحيوي ليست رفاهية، بل هي خط الدفاع الأخير عن هوية المكان.
مكتشف فلسطينياً منذ عام 1865
نعم، إن طائر الشمس الذي اكتشف في فلسطين لأول مرة عام 1865، لا يرضى بغير فلسطين وما حولها موطنا له.. إنه طائرٌ يستحق المواطنة عن جدارة.
وهذا ثابت بالدليل الحقلي لطيور الشرق الأوسط، والمعتمد من المجلس العالمي لحماية الطيور، ويعتبر من الطيور المقيمة.
مدير عام المصادر البيئية في سلطة جودة البيئة عيسى موسى، يلفت إلى أن اعتماد مجلس الوزراء جاء بعد مبادرات عدة من المؤسسات والجمعيات الفلسطينية لدعوات متعددة تدعو لاعتباره وطنياً، منها مركز التعليم البيئي التابع للكنيسة الانجيلية اللوثرية.
Wow, it really does have all those colors... They're beautiful. pic.twitter.com/O1gXoDmNmK
— 🔻ProletariatRising🔻 (@ProletariatRis1) January 22, 2024
وقال: إن عصفور الشمس الفلسطيني يمثّل الحرية التي يتوق اليها شعبنا الفلسطيني، فهو يتميّز بكونه ساحراً برشاقة حركته وبطيرانه الواثق السريع ومنقاره الطويل وتلوين ريشه الأسود تحت الشمس، فيصير خليطاً من الأخضر والأزرق والبنفسجي.
يبقى عصفور الشمس، بتنقّله العفوي بين بيوت الجنوب وسهول فلسطين، يعلن صباحاً بعد آخر أن جذور هذه الأرض وأجنحتها تعود لأصحابها الأصليين، وأن محاولات الاغتصاب الثقافي والبيئي ستسقط أمام حقيقة بيولوجية وتاريخية ساطعة كأشعة الشمس التي يحمل اسمها.
بقعة الضوء وشغف الحياة
ليس الطائر (من رتبة العصفوريات وفصيلة التميريات (Nectariniidae)) هنا مجرد تفصيل في دليل حقل لطيور الشرق الأوسط، بل هو اختزال مشهدي للتنوع والجمال الذي تزخر به الطبيعة الفلسطينية وأهم مميزاته:
-العصفور من رتبة الطيور المغردة، وعائلة المغثريات (عصافير الشمس)، أما اسمه الشعبي فهو "تمير فلسطيني" أو "أبو الزهور"، واسمه العلمي Nectarinia osea، ويبلغ طوله 11-12 سم، وهو مُلون ورائع وجميل، ويتغذى على الحشرات، ورحيق الأزهار باستخدام لسانه الطويل، ويطير مقابل الزهرة، ويفضّل المناطق مرتفعة الحرارة والمناخ الجاف، ويعيش في الغابات الجافة والأودية والبساتين والحدائق وفي المدن أيضا.
-لوحة الريش الشاهقة: يتوشح الذكر بريش داكن، وما إن تلامسه أشعة الشمس حتى يتحول إلى خليط ساحر من الأخضر والأزرق والبنفسجي، كأنه قوس قزح مكثف في بضعة غرامات من الحياة (بين 6 و9 غرامات فقط).
-حارس البساتين: يتغذى على رحيق الأزهار والحشرات الصغيرة، ويمتاز بمنقاره الأسود المنحني، وعينيه اللتين ترصدان تفاصيل الأودية والشجيرات من بين الروابي والحدائق.
-إصرار الوجود: رغم التوسع العمراني وجرف الأشجار وتمدد بؤر الاستيطان التي تحاول خنق فضائه الطبيعي، يواصل الطائر بناء أعشاشه المنسوجة بعناية كثمار الإجاص المعلقة، معلناً استمرار الحياة ودوران الفصول بين شباط/فبراير وآب/أغسطس.
عصفور الشمس الفلسطيني أو تمير فلسطين (Cinnyris oseus/Nectarinia Osea) في بلدة #جويا الجنوبية الصامدة 🌻
— Green Southerners الجنوبيون الخضر (@GreenSoutherns) August 8, 2024
من الطيور الواطنة في #لبنان وناشط في #جبل_عامل اصغر طيور المنطقة يعتمد نظامه الغذائي على الرحيق وكذلك بعض أنواع الحشرات#لبنان #البرية_اللبنانية #لبنان_البري
@ أحمد شامي pic.twitter.com/OD0AKQy8AH
البيئة كفعل مقاومة وتوجيه للبوصلة
لم يكن اختيار الخامس من آذار/مارس يوماً وطنياً للبيئة الفلسطينية مجرد حبر على ورق رسمي، بل جاء ليربط الطبيعة بالهوية الحضارية والتاريخية. فتزامن هذا اليوم مع بدايات الربيع وذكرى يوم الأرض والكرامة والأم، يجعل من التنوع البيئي — الذي يحضن 530 نوعاً من الطيور — جداراً أخيرًا لحماية القصة من الاندثار.
حتى الطيور البريئة والجميلة، لم تسلم من "السطوّ" الإسرائيلي، والادعاء أن هذا الطير، كما تغتصب الأرض العربية، ليس فلسطينياً !
فعصفور "الشمس" الصغير تغلّب على محاولات الاحتلال الدؤوبة لـ "سرقته"، ومحو "الجنسية" العربية عنه، هو لا يعرف الحدود ولا الجدران المكهربة والشريط الشائك.. هو "متمسك بالأرض والهواء منذ عام 1865 موجّهاً البوصلة، على نقيض البعض الذين باعوا الثرى، مصوّباً البوصلة نحو فلسطين، ومجسّداً الحق الطبيعي لأهل الأرض عبر انتماء راسخ من طوابع وأختام وهواء.. وأرضٍ عربية واحدة.
اقرأ أيضاً: الاحتلال يلاحق "الطبسون" النادر!
